الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 38 الرجوع إلى "الثقافة"

فن الشيخوخة !

Share

هل من سبيل إلى التفلت من الشيخوخة ؟ أو هل من سبيل إلى أن نشيخ شيخوخة حسنة ؟ وفى عبارة أدق : هل الشيخوخة فن من الفنون ؟

هذه مسائل توسع فى الكلام عليها وعلى شعبها ((أندريه موروا)) فى فصل من فصول كتابه (( فن الحياة )) ؛ وإذا كنا كثيراً ما نشير إلى الشباب فى أدبنا ، ونتغنى بنضارته فلست أدرى لماذا لا نجعل لشيخوختنا نصيباً من هذا الأدب ؛ وسواءاً كانت هذه الشيخوخة تبتدئ من الأربعين على رأى بعضهم ، أم من الخمسين على رأي آخرين ، فلماذا لا نعنى بفنها ، أى لماذا لا نقاوم آفاتها ، حتى تكون خاتمة حياتنا على الرغم من هذه الآفات خاتمة حسنة ؛ فالناس الذين يعرفون أن يكونوا شيوخا قلائل على نحو ما قال ((لاروشفوكو)) والفرح المتكامل على نحو ما قال " كورنى " لا يدخل فى المساء إلا على قلوب الذين عرفوا أن لا يذهب نهارهم سدى

نستغرب جداً أمر الشيخوخة ، وقد يبلغ من استغرابنا لهذا الأمر أنا لا نكاد نصدق أن هذه الشيخوخة تدركنا كما أدركت غيرنا ، ولانكاد نرى آثار السنين على وجوهنا ، وعلى رؤوسنا ، وعلى قلوبنا ، إلا بعد أن نراها على رجال من أعمارنا ، فكأن وجوه هؤلاء الرجال مرايا تتراءى لنا فيها تجعدات وجوهنا .

قد نريد أن نعرف مني تبتدئ شيخوختنا ، فإنا نظل زمناً طويلاً من حياتنا نعتقد أنها لا تصيبنا ، فقد تحتفظ أذهاننا بمرحها ونشاطها ، وقوانا بسلامتها ، فالانتقال من الصبا إلى الشيخوخة بطئ جداً ، حتى إن الإنسان لا يكاد يشعر به من هذا البطء ؛ وما مثلنا فى هذا الانتقال إلا كمثل

فصول السنة الأربعة ، فإن الخريف يتبع الصيف ، والشتاء يتبع الخريف ، ولكن هذا التتابع يجرى كل يوم على التدريج بحيث لا تكاد عين المراقب تراه ؛ فالخريف يتقدم كل يوم وقد لفته أوراقه ، وفى صبح من أصباح تشرين الثانى تهب ريح شديدة ، فتجرد هذا الخريف من قناعة المذهب ، فيلوح من وراء هذا القناع هيكل الشتاء الفتيل ، فالأوراق التى كنا نعتقد أنها لا تزال مخضرة قد ماتت ، ولم تبق متشبثة بأغصانها إلا بفضل ألياف دقيقة جداً ، فالريح التى هبت قد أظهرت المرض ولكنها لم تخلقه .

وهكذا فإن أمراض الشيخوخة إنما هى بمنزلة هذه الرياح ؛ فقد تقع العين على فلان ، فنعجب من قوته ومن نشاطه ، ومن خفة روحه ، ومن لذع أحاديثه ؛ ولكنه يتعرض فى يوم من الأيام لأمر من الأمور لو تعرض له شاب من الشباب لما أصابه منه إلا زكام أو وجع رأس ؛ أما هو فتصيبه ذات الرئة أو غيرها ، فيصفر وجهه فى قليل من الأيام ، ويتقوس ظهره ، وينطفئ نور عينيه ؛ ففى دقيقة من الدقائق نصبح شيوخاً ، ولماذا ؟ لأننا شخنا قبل  هذه الدقيقة ، ولكنا لم نشعر بهذه الشيخوخة ولم نرها !

غير أن الشيخوخة لا تكون بنت الشعرات البيض ، أو التجمدات ، وإنما علامة الشيخوخة هذا الشعور الذى نشعر به فى أعماق قلوبنا ، فنقول مثلا : لقد مضى وقت كذا وكذا . . ولم نعد صالحين لكذا وكذا . . وأبطال الحياة بعد اليوم هم ناس غيرنا . . فمرض الشيخوخة الحقيقى لا يكون فى ضعف الجسم ، ولكنه فى عدم مبالاة النفس ، فإن الرغبة فى العمل بعد الأربعين أو بعد الخمسين

هي التى تقل أكثر من القدرة على العمل . إن الذى يقل بعد هذه السن إنما هو هذا النشاط فى الشباب ، وهذه الرغبة فى المعرفة والفهم ، وهذا الإغراق فى الأمل ، وهذا السلطان فى الحب ، وهذا الإيمان بنجوع العقل ؛ فهل من سبيل إلى الاحتفاظ بهذه الأمور كلها بعد الخمسين حيث تعتدل العيون ، فنرى الأشياء والأشخاص كما هم ، لأنها لا يبهرها ضياء الرغبة ؛ ففى مثل هذه السن يبدأ الشيخ بقوله : ما الفائدة فى كذا وكذا ... وهذه العبارة أخطر شئ فى حياته ، لأنه بعد أن يقول : ما الفائدة فى كذا وكذا . . يقول : أى فائدة فى الخروج من دارى . . ثم يقول : أى فائدة فى الخروج من غرفتى . . ثم يقول : أى فائدة فى الانحدار عن فراشى . . ثم يقذف بهذه العبارة الراعبة : أى فائدة فى الحياة كلها . . وهنا تفتح أبواب الموت على مصاريعها !

فهل يستطيع الإنسان أن يتفلت من آفات الشيخوخة ، التى تضعفنا ، وتحرم علينا لذات الحياة ، لذة بعد لذة ، وتيبس قلوبنا كما تيبس أجسامنا ، وتبعد عنا الأصحاب وحوادث الحياة ، وتلوح لنا بفكرة الموت ؟ لقد هدتنا الحضارة والتجارب إلى أمور نستر بها شيخوختنا إن لم نقدر على دفعها ؛ فالزينة فى هذا الباب لها عظيم الشأن ، فإن العجائز يعنين بثيابهن وبحليهن أكثر من الفتيات ، وهذا أمر بديهى ؛ فإن الحلى اللامعة من شأنها أن تستميل النظر إلى صاحبتها ، وأن تدفع العيون عن التمعن فى مقابحها ، فإن لمعان عقد اللؤلؤ فى عنق من الأعناق يكاد ينسى الناظر إليه تجعدات هذا العنق ، وبريق الخواتم فى الأصابع ، والأساور فى المعاصم يكاد يخفى شيخوخة هذه الأصابع وهذه المعاصم ، وما يقال فى زينة الحضارة يقال فى وشم البداوة ؛ وكل مهارة الخياطات ودور الجمال فى هذا العصر قائمة على اختراع زى من الأزياء تظهر به العجائر فى صورة تجعل لهن بعض الأمل . . !

فهل يستطيع العلم فى يوم من الأيام أن يمنع الشيخوخة

عن تهديم أجسامنا ، لقد قالوا إن الإنسان لا تتوقف معرفة عمره على تذكرة ميلاده ، ولكن على شرايينه ومفاصله ، فقد يجوز أن يكون ابن الخمسين أعجز من ابن السبعين ، وعمل العلم فى مثل هذه الحال رد خلايا الجسم إلي حالة فيزيولوجية تنعم فيها هذه الخلايا بشىء من الشباب . ولقد جرب العلماء هذا الأمر على الحيوانات وعلى الرجال ، و ((عمليات فوروتوف)) لم تنقطع بعد فى العالم ، إلا أن هذا كله لا يهم ، فالرجل فى هذا العصر يستطيع أن يبلغ الثمانين إذا اتبع قواعد الصحة .

ففى ثمانين سنة يرى الإنسان كل شئ فى هذه الدنيا : يرى الحب وخاتمته ، ويرى المجد وبطلاته ، ويرى جنون الناس ببعض المعتقدات الحديثة والشفاء منه . ورهبة الموت بعد هذا كله لا تكون شديدة ، لأن القلب فى الثمانين يتعلق بأشخاص درجوا ، وبحوادث مضت ؛ وكما يسأم المتفرج فى السينما وحدة المناظر إذا تعاقبت عليه فيترك السينما ، فكذلك ابن الثمانين يسأم وحدة الحياة التى يشهدها ، والحياة إنما هى مسرح مستمر !

فليس المهم أن يتفلت المرء من الشيخوخة ، ولكن المهم أن يشيخ شيخوخة حسنة ؛ فالذى نطمع فيه إنما هو بلوغ آخر مرحلة من مراحل الحياة وقد سلمت أجسامنا وعقولنا من الآفات ؛ فهل هذا الأمر ممكن ؟ إنه ممكن كل الممكن على رأى (( موروا )) فليس من الضرورى أن تكون الشيخوخة ممزوجة بالآفات التى عرفناها ؛ فكثير من الحيوانات تنتقل من الحياة إلى الموت دون تغيرات ذات شأن ، والرجل الذى يروض جسمه ترويضاً حسناً يستطيع أن يحتفظ بمرونة هذا الجسم وبلطفه زمنا طويلا ، فالرياضة والمواظبة عليها لها شأن عظيم فى هذا الوجه .

ولكن رياضة الجسم وحده غير كافية ، فالقلب فى حاجة ماسة إلى الرياضة ، إلا أننا لا نستطيع أن نخلق فى قلب الشيخ عواطف حديثة ؛ ولكن لماذا يتمنع الشيخ عن عواطفه نفسها لمجرد السن ؟ قد يكون الشيخ العاشق

هزأة ، ولكنه لا يكون هزأة إلا إذا نسى أنه شيخ ، فليس فى تحاب زوجين عجوزين شئ من السخرية ، فكل واحد منهما يرى فى صاحبه ما كان يحب منه فى زمن الشباب ، فليس للعطف ولا للحنو ولا للود ولا للإعجاب بشخص عمر من الأعمار ؛ وفضلا عن هذا كله فإن الحب إذا انقضى الشباب العاصف قد يصبح لذيذاً ، لأن الاختلافات الحسية تزول بزوال شهوة الحواس ، فتنشأ عن بقية شباب عاصف شيخوخة فاتنة ، فان حياة الزوجين تشبه هذه الأنهار التى تكون عند منبعها بمنزلة التيارات الهادرة ، ولكنها عند المصب تصبح سواقى هادئة صافية ، ينعكس على مرآتها حور الشواطئ ، وكواكب الليل !

على أن الحياة العاطفية ليست مركبة من عواطف الحب وحده ، فإن التعلق الذى يتعلقه الشيخ بأولاده وبأحفاده قد يملأ حياته ويشغلها ، فإنه يجد لذة عظيمة فى رؤية ابنه أو ابنته يندفعان فى الحياة . إنا نفرح بسعادة أولادنا ، وتألم لآلامهم ، ونشترك في نضالهم ، ونحب من يحبون ؛ فبعد السرور الذى نشعر به فى التفرج فى ملعب من الملاعب فى المرة الأولى ، أفلا تشعر بسرور أشد فى الذهاب بأولادنا إلى هذا الملعب ؟ وبعد السعادة التى نذوقها فى الاهتداء بأنفسنا إلى الشعراء الذين نحبهم ، أفلا نذوق سعادة أكمل في أن نراقب على وجوه أولادنا آثار اللذة التى يجدونها فى قراءة ما اخترناه لهم من الكتب ؟ وفى الوقت الذى تحرم علينا الشيخوخة أفراحنا العظيمة ، أفيمكننا أن نعرف فرحا أعظم من الفرح الذى ندخله على قلوب هؤلاء الأولاد ؟

وكما أنه ليس من الضرورى أن تضعفنا الشيخوخة ، وأن تحرم علينا اللذات ، وأن تيبس قلوبنا ، فكذلك ليس من الضرورى أن تبعد عنا الأصحاب ، فإن الشيخ لا يعتزله الناس إلا إذا كان صاحب أثرة ، بخيلا ، ميالا إلى الانفراد بالحكم ، ثرثاراً ، ولكنه إذا فطن لعيوب

الشيخوخة فقاوم هذه العيوب ، وشاخ كريماً ، متواضعاً ، محباً ، فإنه يجد الشباب يفتشون عن صداقته ، ويستعينون بتجاربه ، ولكن اللباقة كل اللباقة بنقل هذه التجارب إلى الأحداث دون أن يؤلمهم فى نفوسهم .

لقد تعود (( موروا )) أن يزور (( هانونو ))  كل سنة فى  منتصف دسمبر ، وفى زيارة من الزيارات قال له (هانوتو)): :

(( أريد أن أبين لك بعض حكم يلزمك أن تكررها إذا احتجت إلى شئ من العزاء والتسلية ، إنها حكم بسيطة وناجعة ، وهذه هى : قد يحدث فى الدنيا كل شئ ... وقد ينسى الإنسان كل شئ . . وقد يدبر الله كل شئ ... إذا كان الناس كلهم يعلمون ما يقوله الناس بعضهم فى بعض ، فلا يكلم حينئذ أحد أحداً . . لا تخف فإن العدو الذى تهرب منه يخافك فى وقت هربك منه ... "

فهذا شيخ علمه التاريخ وممارسة الحياة الطويلة الهدوء والثقة ، ولم يعلماه اليأس وعدم المبالاة ؛ فقد كان ((هانوتو)) وهو ابن خمس وثمانين سنة يعزم ألف عزيمة ، ويفكر فى أسفار طويلة ، ويبني ويغرس ؛ فهكذا ينبغى لنا أن تكون شيخوختنا ، يجب علينا أن نقاوم عدم مبالاة النفس الذى ينشأ عنه اليأس والقنوط ؛ وقد يظن الإنسان أن الحياة العاصفة ، حياة الانفعالات الشديدة ، والمقاومات ، والمطالعات ، والتنقيبات قد تتعب الإنسان وتهدمه ؛ ولكن الواقع غير هذا كله ، فقد كان " كلمنصو " و " غلادستون " رئيسى وزارة من بعد الثمانين ، وكان الناس يدهشون من نشاطهما ومن شدتهما ؛ فالشيخوخة عبارة عن عادة سيئة ، فالرجل المشغول لا يجد متسعاً من الوقت لاعتياد هذه العادة .

وخلاصة القول قد تجردنا الشيخوخة من القوة ، ولكن مسئلة القوة والضعف إنما هي مسئلة صحة لا مسئلة سن ، فلبعض الشيخوخات شدة ، ولبعض الشبيبات ( البقية على الصفحة التالية )

رخاوة ؛ وقد تجردنا الشيخوخة من الملذات ، ولكن لها لذاتها الخاصة ، وقد يكون حبها لهذه اللذات على قدر خوفها من فواتها ؛ وقد تجردنا الشيخوخة من العمل ، ولكن الشيوخ فى معظم الأحوال يعملون ، ويقودون ، ويحكمون ، فلا يجاريهم الشباب فى عملهم وفى قيادتهم وفى

حكمهم ؛ وقد تجردنا الشيخوخة من الأصدقاء ، ولكن إذا عرفت كيف تستميل إليها الأصدقاء فإنهم يحيطون بها ؛ وأخيراً فقد تخشى الشيخوخة الموت ، ولكن هذا الخوف يشفيه الإيمان والفلسفة !

( دمشق )

اشترك في نشرتنا البريدية