من أقوال "شيالي" " فرح النفس في العمل " ولكن ما هو هذا العمل الذي يدخل الفرح على النفوس ؟
عرفه فريق من أصحاب المعجمات الفرنسية بأنه إتعاب النفس في إنفاذ الشئ ، وقد فند " موروا " هذا التعريف ، فلم يجده كاملا من جميع وجوهه ، والذي اسنهجنه فيه خاصة إنما هو هذا القيد ( إتعاب النفس ) افلا يستطيع الإنسان ان يعمل وهو فرح القلب ؟ فلم يشأ " موروا " ان يعرف العمل كما عرفه صاحب معجم " ليتره" ، او صاحب معجم " لاروس" ، وإنما عرفه بضرب الأمثال .
انتقل " موروا " من عالم الألفاظ إلي عالم الأعمال ، فتمثل بطائفة من العمال ، سواء اكان عملهم ماديا أم كان فكريا .
ماذا يعمل الزجاج ؟ إنه يأخذ مادة لا شكل لها ، ويجعل لها شكلا نافعا .
أم ماذا يعمل المعدن ؟ إنه بنقل مادة ابتدائية كالحديد أو الفحم ، ثم يدفعها إلي العمال ، فيحولونها إلي قوة ، أو إلي حرارة ، أو إلي آلة .
وماذا يعمل الحراث ؟ إنه يشق الأرض ، فيعدها للزرع ، ثم يطرح البذر في منابته .
وماذا يعمل الروائي ؟ إنه يقص علينا طبائع المادة البشرية التي تلقطها بمعايناته ، فمن هذه المادة المجردة من كل شكل يستنبط عملا فنيا .
وماذا يعمل التلميذ ؟ إنه يحاول أن يكتسب العلوم التى اقتبسها البشرية قبله ، فهو يرتب عقله ؛ وبعبارة أدق : إنه ينشيء نفسه .
فالعمل في رأي " موروا " إنما هو تغيير أشكال المواد او الأشخاص الذين تقدمهم لنا الطبيعة ، أو نقل هذه المواد وهؤلاء الأشخاص إلي صورة انفع أو اجمل ، العمل انما هو دراسة الانسان لقوانين هذه التغييرات حتى يتولي تهيئتها أو مباشرتها .
فلم يشأ " موروا " في هذه الامثال التي ضربها إن بجعل التعب شرطا من شروط العمل ، فكان هذا الزجاج ، وهذا المعدن ، وهذا الحراث ، وهذا الروائي ، وهذا التلميذ يشعرون بعد الفراغ من اعمالهم المادية أو الفكرية بشيء من الفرح .
بيد أن العمل لا يكون نافعا إلا إذا جري صاحبه علي أصول ذكرها " موروا " ، وهي لا تخلو من بعض الحكم ، فما هي هذه الأصول ؟
لا يستطيع الرجل أن ينصرف إلي كل الأعمال في وقت واحد ، فان لقوته ولعقله حدودا ، فمن اراد ان يعمل كل شئ . فانه لا يعمل شيئا ، وهؤلاء الذين يحاولون ان يمارسوا الموسيقى والتجارة والسياسة ، وان يعالجوا كل شئ ، فانهم لا يفلحون في موسيقاهم ، ولا في تجارتهم ، ولا في سياستهم ، فقد علمنا " نابليون " ان فن الحرب إنما هو حصر القوة في موطن من المواطن ، وكذلك فن الحياة ، فانه يقضي علينا بأن تنتخب جهة من الجهات لنركز فيها كل قوانا ، فكل واحد منا ينبغي له أن يقول : لأي عمل اصلح ؟ ما هو مبلغ استعدادي ؟ فنحن لا نستطيع أن نكره الطبيعة على إعطائنا ما لا قدرة لها عليه ، فالولد المقدام قد يكون طيارا ولا يكون رئيس ديوان ، فإذا اختار أحدنا مهنة له لزمه ان يواظب عليها
دون شئ من الندم ، إلا إذا طرا عليه طارئ فيها
على ان العامل واجب عليه حتى بعد انتخاب مهنته ان يعني بانتخابات ثانية ؛ فالكاتب لا يستطيع ان يكتب كل نوع من انواع الروايات ، ورجل الدولة لا يستطيع ان يصلح كل دائرة من الدوائر ، والمسافر لا يستطيع ان يزور كل بلد من البلدان ؛ ففي كل عمل من الأعمال يختار الانسان الدائرة التي يقدر على التجويد فيها ، ويطرح غيرها ، فمن عادة رجال الحروب إذا وزنوا عواقب امر يريدون إصداره أن يغلقوا باب كل مناقشة في هذا الأمر فلا تبقى إلا كلمة التنفيذ ، وكذلك يجب علينا بعد انتخاب المهنة ان تغلق أبواب مناقشاتنا الباطنة ، فلا يبقي لنا إلا التنفيذ
هذا هو الشرط الأول من شروط العمل ، وهو الاخصاء ، واني أعتقد أن هذا الشريط إنما هو سر من أسرار نجاح رجال الغرب في أعمالهم ؛ فإن عصرنا هذا إنما هو عصر التخصص ، فإذا اختار أحدنا المهنة المناسبة له فمعني هذا أنه اختار المهنة التي تقدر قواه علي البلوغ إليها ، فمن العبث ، لا ، بل من الخطر أن يختار مهنة لا تبلغ إليها قوته ، مخافة أن يخفق فيها ، لأن من عادة الإخفاق أن يقتل القلب ، ويشل المجهود ؛ فقد كان "غوتي " ينصح الشباب الشعراء بأن ينظموا قصائد قصيرة بدلا من الملاحم ; وكان "صمويل بوتلر" يقول : ينبغي لنا إذا كلنا العنب بأن نبدأ بأكل العناقيد الجيدة ؛ فإذا شاء أحدنا أن يقطع مرحلة دقة واحدة ، ووجد ان هذه المرحلة طويلة ، لزمه أن يجزئها أجزاء ، وأن يبذل جهده في قطع كل جزء علي حدة ، من دون أن ينظر إلي الجزء الثاني قبل قطع الجزء الأول ؛ وما مثلنا في ذلك إلا كمثل الجبلي الذي يجرف الجليد في الجبال ، فإنه لا ينظر إلي رأس الجبل لأن التصعيد في هذا الحبل برعبه ، ولا ينظر إلي سفحه لان الانحدار إليه
يرهبه ؛ ولكنه كلما جرف جزءا من هذا الجليد هان عليه العمل ، قدنا من رأس الجبل ؛ ومن هذا القبيل كتابة التاريخ ، فقد تكون كتابة تاريخ بلد من البلدان في صدر الأمر عملا يفوق طاقة البشر ، ولكن المؤرخ يجب عليه ان يقسم عمله إلي ادوار ، وان يتصرف إلي الدور الذي يتقنه اكثر من غيره ، فإذا فرغ منه انتقل إلي دور آخر, حتى إذا فرغ من عمله الجليل دهني من إتمام هذا العمل .
ولقد أضاف " موروا " إلي هذين الشرطين في نجاح الأعمال : التخصص بالعمل وتجزئته ، شرطا ثالثا يكاد يكون روح هذا النجاح : وهو النظام ، فكثير من الناس يشكون قصر الحياة ، ولكن هل يعملون علي الاقل ثماني ساعات في النهار ؟ فان العمل الذي يستطيع أن يعمله الانسان كل يوم إنما هو أعجوبة من الأعاجيب ؛ فالكاتب الذي يكتب صفحتين كل يوم ، فانه في خاتمة عمر طويل يؤلف مؤلفات تعادل مؤلفات " بلزاك " أو " فولتير " من حيث الكثرة ، إن لم تعادلها من حيث العبقرية ؛ غير أن الإنسان لا يكفيه أن يجلس وراء منضدته للعمل ، وإنما المهم أن يمنع عنه ما يفسد عليه عمله حتى لا يتعطل ، فإذا لم يقطعه أحد عن عمله ازداد عمله بحسب السلسلة الهندسية ؛ فالعامل سواء أكان عمله ماديا أم كان فكريا ، يلزمه أن يبعد عنه في أثناء عمله من يأكل وقته ؛ ومن هؤلاء العمال الذين لا يرحمون أحدا في هذا الباب " غوتي " فمن قوله في هذا المعنى : ينبغي لنا أن نقضي علي عادة الناس في مفاجأتنا دون أن يعلمونا بهذه المفاجأة ، إنم يطلبون إلينا أن نهتم بمصالحهم ، فلا فائدة لنا في زياراتهم التي يزورونها لنا ، إنهم يعطونني أفكارا غريبة عن أفكاري ، وأنا لست في حاجة إليها ، إن أفكاري وحدها تكفيني ، حتى إني لا أكاد أقدر على إظهارها كلها .
وإذا لم يستطع " غوتي " التملص من هؤلاء الذين
كانوا يفسدون عليه عمله ، ودق بابه واحد منهم ، استقبله بوجه كريه ، فكان يضع يديه وراء ظهره ، ويسكت ؛ وإذا كان الزائر صاحب مكانة سعل " غوتي " حتى لا يضطر إلي الكلام ؛ أما الرسائل التي كانت ترد إليه فكان يقسمها قسمين : فالرسائل التي كان اصحابها يطلبون فيها امرا من الأمور كان يلقي بها في السلة ، والرسائل التي كان أصحابها يعرضون فيها امرا من الامور كان ينظر في بعضها ، فإذا وجد له منفعة فيها أجاب عنها بهذا الكلام : ايها الشباب ! إنكم لا تعرفون قيمة الوقت !
قد تكون أثرة " غوتي" في هذا الباب قاسية ، وقد يكون بين أعاظم الرجال من يجيب عن رسائله الخاصة ، فقد يجوز أن يكون بين أصحابها من هم أهل للشفقة أو للمحبة ! فكثير من الناس كانوا يشكون هذا التجهم من " غوتي " ويجدون فيه شيئا مخالفا للبشرية ، ولكن هذا الشئ المخالف للبشرية هو الذي مكنه في أن يخلف لنا في جملة ما خلقه من الآثار "قوست " و " ويلهلم مستر " . فمن ترك الناس ياكلون أوقاته مات من دون أن يتمم أعماله : والرجل المولع بأعماله لا يهمه من أمر الناس إلا ما يتمم به هذه الأعمال ، حتى إن " غوتي " كان ينصح لغيره بأن لا يتهم بحوادث النهار إذا لم يكن له تأثير في هذه الحوادث ؛ فإذا قضينا ساعة في كل صباح نبحث فيها عن حروب بعيدة ، وساعة اخري نبحث فيها عن خواتيم هذه الحروب ، ولم نك وزراء ولا قوادا ولا رجال صحافة ولا شيئا من هذا كله ، فأننا تضيع الشيء الذي لا يعوض في حال من الأحوال ، أي حياتنا القصيرة الوحيدة .
وقد بلغ من حرص " غوتي " على نظام العمل انه كان بمحرص على نظام حواسه نفسها ، فأنا إذا اطمنا حركات الحواس طاعة لا حد لها جعلتنا هذه الحركات عاجزين عن العمل ؛ قد تكون هذه الحركات طبيعية ، وقد يجوز أنا
لا تقدر على أن نتصح للناس بأن يضحوا بحياتهم الحسية في سبيل أعمالهم ، ولكن يجب علينا ان نحفظ في هذا الباب قاعدتين .
القاعدة الأولى : لا ينبغي لنا أن تصرفنا عن أعمالنا انفعالات باطلة ، مفرطة . والقاعدة الثانية : يجب علينا ان تضحي بكل شئ في سبيل طائفة من الاعمال يستلزم عظم شأنها تضحية من هذا القبيل ؛ فقد كان القائد " جوفر " تمنع نفسه عن ان تكون رقيقة الجانب ، حتى شكا بعض اصحابه قساوة طبعه ، ولكن هذه القساوة هي التى جعلت منه بطل " المارن " .
لقد أكثر " موروا " من الكلام علي فن العمل . ولا عجب في ذلك فانه عامل كبير ، والعمل في نظره إنما هو الطب الوحيد في هذه الحياة ، إنه يشتغل من الساعة الثامنة فلا يخرج من مكتبه إلا الساعة الواحدة بعد الظهر ، فيتغدي ، ثم يتنزه ساعتين في غاية من الغابات ، ثم يعود إلي العمل ؛ إنه يري ان العمل ينفي الضجر والرذيلة ، فهو الدواء الذي يشفي من مجامع افات المخيلة ؛ وما يقال في الأفراد يقال في الجماعات ، ففي رأيه أن الحكومة الحازمة التى تضع للبلاد برنامج عمل تتم به نهضة البلاد ، تبعد الناس عن الايمان في الأحلام الغامضة ، فتشترك طبقات الأمة كلها في عمل جليل نافع ، فتنادي هذه الأمة ؛ بارك الله في العمل ؛
ولكن العمل قد يحتاج صاحبه إلي العزلة في بعض الاحايين ، وأكابر المشتغلين يعرفون كيف يعتزلون الناس من وقت إلي وقت ، فلهم دار في الأرياف ، او كهف في الجبال ، أو ملجأ في الشواطئ ، حيث ينقطعون عن كل صلة من الصلات ، حتى عن صلات الحب والصداقة ؛ وفي هذه العزلة وحدها تستطيع الحوادث والانفعالات ( البقية علي الصفحة التالية )
أن نجد لها في قلوبهم المكان المناسب ، أما في ضوضاء المدن فقد يكون لمشهد حقير من المشاهد شأن ما ، فيحل هذا المشهد من نفوسهم محل الأعمال والعواطف الجليلة ؛ ولكنهم إذا اعتزلوا المدن من حين إلى آخر ، فان الأمور الحقيرة التي يشاهدونها في المدن قد تنطمس آثارها في ظلام العزلة ; فإذا خلوا إلي نفوسهم في هدوء الليل ، على بقعة من البقاع التي لا يجدون فيها للأمور الحقيرة من الآثار ما يجدونه في المدن ، وضعوا في خلوتهم أسر الأعمال الخالدة في البشرية . لقد كان " موريس بارس " يقول : اينها العزلة ! انت وحدك لم تفسديني ؛ وأضاف " موروا " إلي هذه الصرخة صرخة ثانية ، فقال : ايها العزلة ! أنت وحدك لم تضعفيني! ( دمشق )
