الفن كلمة اعتدنا أن نخص بها أشياء مختلفة متباينة ، فالتمثال قطعة فنية ، والنقش قطعة فنية ، والرسومات سواء ما كان منها بالزيت أو بالألوان الأخرى قطع فنية أيضا ، ثم الموسيقى فن ، والشعر فن ، والنثر فن ، وكذلك التلحين فن ، والغناء فن . إذا فالفن هو كل ما يخرجه لنا ذوق الانسان ليرضى به غريزة فيه لا يمكن أن نسميها إلا غريزة الفن ، إذا صح هذا التعبير .
ونحن إذا أمعنا النظر فى غرائز الحيوان والإنسان رأيناها متشابهة فى الأصل . ذلك الأصل الذى يدفع بكل من الانسان والحيوان إلى هدف واحد وهو البقاء ، والمحافظة على ذلك بالأكل والشرب ، ثم بالمدافعة عن النفس ؛ ولكن الطبيعة اختصت الانسان بغريزة أخرى هى (غريزة الجمال) أو قل غريزة الذوق السليم ، فالإنسان الذى يصنع مثلا إبريقا من الطين أو الحجر كى يملأه ماء للشرب ، كان فى بدء حياته الأولى (أقصد بذلك الإنسان الأول) يصنع إبريقا يصلح لاحتواء الماء ، شكل هذا الأبريق الخارجى يحتمه الغرض الذى من أجله صنع ثم الآلة التى صنع بها . ولكن سرعان ما تظهر الغريزة الأخرى ، غريزة الذوق السليم ، فتراه قد طلى هذا الابريق بلون أحمر ، أو أحرقة فى النار حتى يكتسب ملاسة لامعة ، أو رسم على سطحه الخارجى صورا مختلفة لا علاقة بينها وبين ما يحويه الابريق .
وأول آثار للفن وصلت إلينا كانت من صنع إنسان عصر الفيضان (الطوفان) ؟ الذى سكن قبل آلاف من السنين المناطق التى خلت من الثلوج . ذلك الانسان الذى سكن الكهوف فى جنوبى فرنسا وشمالى أسبانيا ، ترك لنا أثرا من الفن أحجم البعض عند أول وهلة أن
ينسبه إليه ، فترك لنا رسومات جميلة نقشها على صخور تلك الكهوف ، دلت على مهارة فائقة فى فن الرسم (صورة رقم ١) . وبعد ذلك انتهت حضارة ذلك الانسان الأول
فى أوربا ، وظهرت حضارات مختلفة فى الشرق الأدنى وشمالى أفريقية (١) ، كانت آثارها الأولى متشابهة كل الشبه لآثار ذلك الإنسان الأول الذى
ظهر فى أوربا ؛ ولكنا نجد بعد ذلك أن الشرق الأدنى تقدم فى حضارته تقدما محسوسا ، حتى إذا ما حل العصر الحجرى الحديث رأينا أن الفن فى الشرق الأدنى ، وخصوصا فى مصر ، قد انتحى ناحية أخرى .
والفن المصرى بدأ فى عصر فجر التاريخ يطبع بطابع يختلف فى مظهره عن فنون الأمم المجاورة ، وهذا الطابع المصرى الذى كونته البيئة المصرية ، وعمل على تقدمه وتنميته العقل المصرى والفكر المصرى ، احتفظ بمظهره الخارجى طوال التاريخ المصرى ، أى ما يقرب من أربعة آلاف سنة . ولكنا بعد الدرس والمقارنة سوف نجد أنه ليس من الصعب علينا أن نقسم هذا الفن إلى عصور مختلفة يمتاز كل منها بطابعه الخاص .
وترى الرجل الواحد أحيانا يحن حنين حمامة ، وأحيانا يلبس جلد نمر ؛ والطبيعة البشرية تفسح صدرها لكل هذه المتناقضات ، أو على الأقل التى تسميها أنت متناقضات .
ولعلنا نقرأ من حين إلى حين من تعد ملكة الجمال لطفا ورقة وعذوبة ، ثم هى تستفز لسبب من الأسباب فتسفك الدم ، وتقتل أشنع قتل وأجرأه وأقساه ، ولا يمنعها جمالها ورقتها من وحشيتها .
وأنت أعلم منى بهذا الباب من التاريخ . إذا فهذا الجزء من الدعوى مرفوض شكلا وموضوعا ، وأن السفاح يجوز أن يكون شابا طريفا عفيفا كريما ، وسفاكا للدماء ، بحكم الطبيعة البشرية .
والجزء الثانى من الدعوى ، أن السفاح الذى وصف به أبو العباس مؤسس الدولة العباسية ، والذى وصف هو به نفسه فى خطبته ليس معناه السفاك للدماء ، بل معناه الكريم السخى ، وذلك من معانيه اللغوية .
والمحكمة ترى أن هذا الجزء من الدعوى قد عدل عنه المدعى فى مقاله الثانى فقال : " إنى أعلن اليوم أنى لا أتمسك بهذا التفسير للفظ السفاح ، لأسباب سأذكرها " فالمحكمة تهمله لأنه لم يعد مطلبا للمدعى . ولكن لا يفوتها أن تلاحظ أن لفظ السفاح لما كان فى الدعوى الأولى يوصف به أبو العباس مؤسس الدولة ، اجتهد المدعى أن يفسره بالكريم ، فلما تبين له أنه وصف لعمه أقر بأن معناه السفاك للدماء ، وعلى قول إخواننا الأزهريين " فى هذا ما فيه " .
الدعوى الثالثة أن السفاح بمعنى السفاك : " إنما أطلق أصلا على عبد الله بن على الوالى على الشام لعمه أبى العباس ؛ وقد استحق هذا اللقب باسرافه فى قتل الأحياء من بنى أمية " ، "وأن لفظ السفاح نقل خطأ من حامله الأصلى عبد الله بن على إلى أمير المؤمنين أبى العباس " ، " سمع هؤلاء المؤرخون الجدد الرواة يذكرون عبد الله السفاح ،
فخيل إليهم أن المراد عبد الله بن محمد بن على أبى العباس الخليفة ، لا عمه عبد الله بن على واليه على الشام ، فتشابه الاسمين كان علة اللبس " .
والمحكمة ترى أن هذه الدعوى ذات شطرين : الشطر الأول أن السفاح لقب لقب به عبد الله بن على عم الخليفة وواليه على الشام . وهذا الشطر صحيح بالأدلة التى ذكرها وإن كان لا يمنع أن يكون لقب السفاح أطلق على أكثر من واحد .
ثبت لدينا أن جملة من مشهورى المؤرخين والأدباء لقبوا الخليفة الأول بالسفاح ، وهم المدائنى شيخ ابن جرير الطبرى والناقل عنه والمتوفى نحو سنة ٢٩٤ ه عن ثلاث وتسعين سنة ، والجاحظ إمام الأدباء والمتوفى قبل ابن جرير الطبرى بنحو خمس وخمسين سنة ، وابن قتيبة الدينورى إمام عصره فى اللغة والأدب والحديث والمتوفى سنة ٢٧١ .
فهؤلاء ، وهم أعلام القرن الثالث إذا لقبوا أبا العباس أول الخلفاء العباسيين بالسفاح كان ذلك دليلا على اشتهار هذا اللقب قبل الطبرى ، وأنه كان معروفا منذ أوائل القرن الثالث على الاقل .
أما النصوص فهى : ( ١ ) روى ابن النديم فى الفهرست - وهو أيضا حجة - عند كلامه على المدائنى أنه ألف كتبا فى أخبار الخلفاء ، منها كتاب أخبار الخلفاء الكبير " ويحتوى على أخبار أبى بكر وعمر ، إلى أن يقول : والوليد بن يزيد ، ويزيد بن الوليد ، ومروان ، والسفاح ، والمنصور " الخ ص ١٠٣ .
فابن النديم يعدد عناوين الكتاب ، ومنها عنوان السفاح ، ولا يمكن أن يكون السفاح عم أبى العباس لأنه يعدد الخلفاء .
( ٢ ) أما الجاحظ فقد روى فى البيان والتبيين ما يأتى قال :
" أخبرنى ابن السندى قال دخل العمانى الراجز على الرشيد لينشده وعليه قلنسوة طويلة وخف ساذج ، فقال الرشيد : إياك أن تنشدنى إلا وعليك عمامة عظيمة الكور وخفان دمالقان . قال : يا أمير المؤمنين ، قد والله أنشدت مروان ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته ، وأنشدت يزيد بن الوليد وابراهيم بن الوليد . . . وأنشدت السفاح ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته وأنشدت المنصور " الخ . جزء ٩٣/١ .
فالعمانى - أولا - فى عهد الرشيد يسمى الخليفة
الأول " السفاح " كما ترى ، والجاحظ - ثانياً - يروى هذا اللقب .
ويتطلع إلى المثل العليا متأثرا فى ذلك بفلسفة "سقراط " و " أفلاطون " التى كانت ترنو إلى مملكة السماء حيث الآلهة تحيا حياة الإنسان ؛ فهى تأكل وتشرب وتتنزه وتتزاور ، وتقيم الحفلات وتلتحم فى الحروب . هذه المملكة ( مملكة الآلهة ) كانت تحوى كل ما يعيش على الأرض من نبات وحيوان وجماد ؛ الأصل فى مملكة الآلهة والفرع على الأرض ، والكمال فى مملكة الآلهة والنقص على الأرض . فكان محتما على الإنسان أن ينشد المثل العليا ، ويحاول أن يصل بشخصه الأرضى إلى أصله الكامل فى السماء .
منذ عودتى من أوربا بعد السنين الطويلة التى قضيتها بها وأنا أرسل للثقافة المقال تلو المقال فتنشر القليل وتمسك الكثير بحجة أن فيما أكتب غموضا وكثرة استطراد وإشارات إلى بعض الآداب الأجنبية ، لا يستطيع القارئ المصرى فهم مداها ، وقد خلا ذهنه مما نفترضه معلوما لديه من أسس الثروة العقلية التى يملكها مثقفو القوم فى أوربا . والرأى عندها أنه من واجبنا أن نلحظ القارئ ونقدم إليه ما يتناسب وثقافته فى وضوح وجلاء ، وفى هذا إهدار لكل القيم ، فالماء الوشل لا يعرف إلا لونا واحدا تتفق عليه كل الأبصار ، ونحن نحرص على أن نترك له عمقه حتى تتهيأ له من تكاثف طبقاته تلك الألوان المتباينة وتباين ما يلقى عليه من ضوء أو تنعكس فيه من ألوان السماء ؛ وفى نفسى - إذ أقول ذلك - صور حسية لبحيرة (Baurgit ) فى جبال السفوا بفرنسا ، فهنالك تتغير ألوان مياهها بتغير حالات الجو وساعات النهار ؛ فطورا تنحدر الأضواء عما يحيطها من جبال شامخة لتنتهى إلى صفحة الماء وكأنها مأخذ آلة مصورة تجتمع إليها الأشعة ، فإذا بشدة البريق تلهينا عن لون مياهها ، فكأن البريق لون ؛ وطورا يخف الضوء بما انتشر فوقه من ظلال ، وإذا بالماء فى زرقة قاتمة أو خفيفة كالعين المبصرة ؛ وكثيرا ما تعبس السماء فلا ترى إلا ما يشبه النحاس علاه الصدأ ، وفى ذلك من الجلال مثل ما تحسه كل نفس صادقة الحس إذا وقفت على أثر قديم قد كساه الزمن بذلك الطلاء القاتم الذى يخلع على كل ما يرتديه من نبل القدم ما يأخذ بكل نفس عريقة ؛ وعلى شاكلة تلك البحيرة أود أن لو كان كل مقال - أود أن نترك له عمقه حتى لا يجد فيه كل قارئ ما يجد الآخر ، والنفوس متباينة وبحكم هذا التباين نفسه
لن نستطيع أن نقدم لكل منها ما تبغى ؛ فسبيل التوفيق إلى ما نطمح إليه من تغذية النفوس بالحق والجمال لا يمكن أن يكون بغير ترك احتمالات لا حد لها ترقد تحت ألفاظنا تلتقط منها كل نفس ما تريد ، وحسبما كان لونها الدائم أو الموقوت ؛ ونحن بعد ذلك لا نكتب لنسكب ما فى نفوسنا فى أنفس الغير وإنما لنعين كل نفس على الوعى بمكنونها ، إذ النفوس حبلى بكل حق وجمال ؛ والمقال الجيد هو ما يأخذ بتلك النفوس إلى حيث يستقر منها ذلك الحق وذلك الجمال . أقول ذلك وأنا أبعد ما أكون عن كل تفكير مجرد ، فليس لنا أن نزج بسقراط أو غير سقراط إلى ميادين الحواس التى لا يجوز للأدب أن يعدوها ، والواقع أن فى نفسى الآن صورة حسية أخرى واضحة حتى لأ كاد أراها - صورة الرخام . إذ يخيل إلى أن الطبيعة البشرية كقطعة من الرخام حلتها الطبيعة بأجمل " التجازيع " ، ولكنها مختفية كما هو الأمر فى الرخام . ولكى تظهر تلك التجازيع لا بد لها من محك يذهب بالطبقة السطحية التى تخفيها ، وهذا المحك فى الطبيعة البشرية هو الحياة . فنحن إذ نكتب لا نفعل ذلك إلا لأن الحياة قد كشفت لنا بجسيم أحداثها عما فى طبيعتنا من " تجازيع " نطلع الغير عليها ، لا لأننا نزهى بها عليهم ، بل لنعينهم على اكتشاف ما اكتشفنا لعلهم واجدون فى أنفسهم ما وجدنا ، وتلك أنبل غايات الحياة ، ذلك أنه وإن تكن تجاربنا الخاصة لن تغنى الغير عن التجربة الذاتية ؛ إلا أنه ما من شك فى أن كل حياتنا الروحية خاضعة لقانون عام هو قانون " ادخلو الطاقة " . فالرواية التمثيلية تراها فتشقى النفس مما بها من غريزة مكبوحة أو أمل مكتوم ، وكأننا أحيينا تلك الغريزة أو حققنا ذلك الأمل ، وبذلك تحل المشاهدة وما يصحبها
لهذا كان الفنان المصرى إذا مثل شخصا فلا يمثله إلا جالسا أو راكعا أو واقفا ؛ وفى كل حالة من هذه الحالات يصب الفنان على التمثال الجمود الذى رأى فيه معنى الوقار الخالد ؛ وإذا أراد أن يمثله فى حالة السير قدم الساق اليسرى على اليمنى ، بينما يبقى الجسم على جموده .
وليس من الواجب علينا أن نفضل فنا على فن ،
فلا زلت أؤكد أنى إذا وقفت أمام تمثال (لخفرع) أو
(لأمنمحت الثالث) (انظر صورة رقم ٦) أو لقسيس من قساوسة العصر الصاوى (انظر صورة رقم ٧) ملأتنى
هذه التماثيل إعجابا قد يفوق إعجابى بأى تمثال من تماثيل العصر اليونانى ؛ ففى التمثال
المصرى : أرى الوقار والخلود والعظمة المملوءة أسرارا .
بينما فى التمثال اليونانى : أرى الجمال الفلسفى والمبالغة فى تقليد الطبيعة كما يجب أن تكون ، ولكن ليست كما هى . فكما قلت يستحيل أن تطابق تماثيل اليونان الطبيعة ، بل من المستحيل أيضا أن تكون الطبيعة قد أنجبت جمالا وتناسقا يماثل الجمال والتناسق الذى تراه مطبوعا على تماثيل اليونان . (انظر صورة رقم ٨)
إذا فالمصرى كان بلا نزاع لا يتملق الطبيعة كما كان يتملقها اليونانى
ومن الطبيعى أننا إذا وقفنا أمام تمثالين أحدهما مصرى والآخر يونانى نشعر بأن الثانى أقرب إلى فهمنا وذوقنا من (البقية على الصفحة التالية)
من مساهمة خيالية محل المزاولة الفعلية ، وبهذا نجنب أنفسنا التجربة المباشرة ، فنحن ندخر بذلك ما فى جهدنا من طاقة ؛ والأمر فى الرواية كغيره فى كل أثر أدبى أو فنى .
وإذا فنحن نكتب لنساعد الغير على اكتشاف نفسه ، ونحن نريحه بتجاربنا المرة من المزاولة الفعلية . وخلاصة تجاربنا فى أكثر الأحيان ليست من الوضوح بحيث يظن ، إلا أن تكون تجارب مدعاة ؛ فالحياة لسوء حظنا أعمق من أن تسلم إلينا أسرارها ، والخلق الأدبى ليس خلقا عقليا بل خلق حواس ، فليس لرجال العقل أن يزجوا بأنفسهم فيه بأى وسيلة ، وإلا فالزمن لهم بالمرصاد كفيل باغراق دعاويهم الباطلة ؛ وكل من يحترم ما فى الخلق من نصب يعرف له قدره - وذلك أنا لن نستطيع أن نخلق شيئا يصح له الخلود إلا إذا أحسسنا بطبيعة ذلك الخلق .
