الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 240الرجوع إلى "الثقافة"

فن اليوميات :، يوميات مسلولة

Share

انبثقت في حقول الثلوج زهرة ناصعة البياض ، مرهفة الوجه ، ضاوية القوام ، ساهمة القسمات ؛ لايكاد يبدعك من شبحها الطائر إلا عيون نافذة الأعماق ، تحدق  بنظراتها الرفافة الرجراجة في آفاق باطنة وأخري ظاهرة ، أحاطت بها جمعاء هالة من السر الغريب ؛ عيون كأنـها نجمة المساء في غسق ليل مبترد ؛ ثم خصلات هائمة من الشعر الرقيق تهدلت على جبينها الوضيء في حركة عصبية عنيفة ، وقشعريرة مهتاجة تؤذنان بما عليه

صاحبة هذه الخصلات من قلق ولهفة وطموح ترق . وهذه كلها لمحات جسمانية تناظرها تمام المناظرة صفات روحية : فهي طائف ملائكى لم يكن مقدرا له أن يبقى على الأرض الغليظة غير سنوات قلاائل معدودات ، ولكنها قضتها مليئة خصبة ، وكأنها الأعوام الطوال . وهي فتاة طاهرة طهارة ذلك الثلح الذي استمدت منه عنصرها . فكان لها منه برودها القاسي في تحليل حياتها الباطنة ، وتشريح ما تعانيه من عواطف رقيقة لا تحتمل أن تمس إلا في رفق ، فلا تلبث أن تستحيل إلي تصورات مجردة غادرتها الحياة بعد أن نضب منها الدم ، وفارقتها الحرارة الأولى ؛ وهي طموح تتوثب في قوة هائلة نحو مجد تخشى أن ينتهي عمرها دون أن تظفر به ، فتدفعها هذه الخشية إلي الهذيان ، وكدت أقول إلي الجنون ؛ فهي الطموح بعينه ، وهي إرادة المجد المتجسدة ، وهي تتعلق بالحياة في شبق هائل ، لأنها أحست بنفسها منذ البدء  كغريق يصارع الموت في يأس غضوب ، لا يعرف التسليم حتى النهاية ، وإن كان على تمام العلم بما ينتظره من مصير . فكانت تتعجل كل شئ ، وتحيا مقدما ما لن يقدر لها أن تحياه بعد من سنين . وما ظنك بفتاة عبقرية مبكرة النضوج كلها ذكاء ، وإرادة حياة ومجد وقوة ، وعالم

طافح بأبعد الأماني ، زاخر بأنبل الأحلام ؛ ما ظنك بهذه الفتاة ، وقد أصابها السل  وراثةً من أبيها ، بل ومن أسرتها كلها ، وتربية من ظفرها ومربينها ، إن جاز أن ينتقل بالتربية هذا الداء العياء ؟ أجل ، إنها الفتاة ملطمة بالموت منذ الميلاد ، وما حياتها القصيرة العابرة إلا كحياة محكوم عليه بالإعدام في الأيام الأخيرة السابقة مباشرة علي تنفيذ الحكم ، حياة كلها جزع وترصد ، ولكنها مع هذا - أو لهذا - مليئة هائلة حافلة ، حال المرء فيها هي حال " البوفوريا " المعروفة ، وهي حالة طافحة بالسرور واللذة المرة ، لأنها حافلة بالفعل الباطن العالي الدرجة والشدة .

وهذه الزهرة الشتوية الفذة التي أذبلها السل فى الرابعة والعشرين ولكن عبيرها لا يزال زكيا ، يفوح بقوة ونفوذ في أنوف الملايين من الفتيات ذوات النفوس العالية ، والإحساس المرهف ، والطموح الشارد ؛ هؤلاء اللاتي استبدلن بأناقة الأزياء سمو الأفكار ، وبزهو المساحيق لمعان الروح ، وبفتنة الزينة جلال الثقافة ، فكن في الأحلام الصافية غارقات ، وعلى أبواب المجد واقفات مترصدات ، وإلى نبالة الحياة وعمقها وشدة الشعور بها ملتهفات - هذه الزهرة التي سموها في سجل الآدميين مارية بتكرتسف ، هي التي تريد أن تقدم صورتها من خلال  "يومياتها " إلي لدات هؤلاء من فتيات هذا الوطن ، إن كان فيهن من ينتسب إلى من وصفت من قريب أو بعيد .

كان ميلاد مارية في مدينة جفرونتي في مقاطعة حكومة بلطاقة بإقليم أوكرانيا ( روسيا ) في الحادي عشر من شهر نوفمبر سنة 1860 ، وسط السهوب الفسيحة المفرقة في صوفية ، غريبة هي مزيج من التسليم الخاضع , والفناء الذي يصير إلي الاتحاد بالوجود ، والحنين إلى انتظام كل شئ والإحاطة بالطبيعة كلها . وهي صوفية مميزة للروح الروسية كلها ، كما تظهر في كل ما أنتجته من آثار ، لأنها خاصة بالسهوب الروسية وحدها ، ولا تثيرها غيرها ، ومارية قد عبرت عنها أجمل تعبير ، فقالت في " يومياتها " ( ١٨٨٤/٣/١١) :

" يبدو لي أنه لا يوجد شخص واحد يستطيع مثلي أن يحب (الكل) مثلى . فأنا أحب الفنون والموسيقي والتصوير والكتب والعالم الدنيوي  "والأزياء " و "الترف " والضجة والسكون ، والضحك والحزن ، والهموم والسرور . والحب ، والبرد ، والشمس ، أحب الفصول جميعها ،

والأحوال الجوية كلها ، والسهول الساكنة في روسيا ، والجبال حول نابلى ؛ أحب الثلوج في الشتاء ، والأمطار في الخريف ، والربيع بأحواله الجنونية ، وأطراف النهار الهادئة في الصيف ، والليالي الجميلة ذات النجوم البراقة اللامعة . . إنني لأعبد كل شئ وأعجب بكل شئ . فكل شئ يتمثل لي على أوجه شائقة ، أو أنحاء سامية ، وبودي لو رأيت كل شئ ، وتملكت كل شئ ، وأحطت بكل شئ ؛ بودي لو غنيت في كل شئ ، ثم أموت - ما دام ذلك ضروريا - بعد سنتين أو بعد ثلاثين ؛ أموت وأنا في حال من الوجد ، كي أعاني هذا السر الأخير ، هذه النهاية لكل شئ ، أو هذا البدء الإلهي . وهذا الحب الكلى ، ليس إحساساً من أحساس مسلولة ، وإنما كنت هكذا دائما " . فليس هذا النزوع نحو الكل إذن صادراً عن عرض طاريء ألم بها وحدها ، بل هو الصفة التي ورثتها عن الطبيعة في بلادها ؛ فهي إذن ابنة مخلصة للروح الروسية تمثلها في خاصية من أبرز خصائصها ، بل هي تمثل روسيا الحقيقية ، روسيا الأسيوية المتجهة بروحها نحو الشرق ، لا روسيا المزيفة المستغربة المتجهة بعقلها صوب أوربا ؛ خصوصا وأنها تنسب من ناحية أجدادها لأمها إلي التتر الذين غزوا روسيا في غزوتهم الأولى ، فأمها من أسرة تدعي باباتينا ، وهي أسماء تترية ، أسرة نبيلة من نبالة الأقاليم العريقة .

ولكن ، كان لابد لها أن تستغرب بعقلها على الأقل ، شأن غيرها من المثقفين الروسيين ، وبالتالي كان من الضروري أن تكون روحها مسرحاً لهذا الصراع العنيف الذي نشاهده عند هؤلاء جميعاً ، أعني الصراع بين الروح الروسية المستسلمة الصوفية المتدينة ، التي تحيا بعواطفها

الغامضة ، ونوازعها الخفية ، نحو وحدة الوجود والاتحاد بالكون ، وبين الروح الأوربية العقلية ذات الإرادة المتوترة ، والنزوع نحو اللانهائي للظفر به لا للفناء فيه وكان هذا الصراع قوياً لديها بوجه خاص ، لأن ظروفها الخارجية قد جعلتها تقضي الشطر الأوفر من حياتها متنقلة في روع أوربا ، بين فرنسا وإيطاليا وألمانيا ، حتى انقطعت صلتها بروسيا أو كادت في سن مبكرة ، أعني في سنة ١٨٧٠ ؛ وكانت معظم أوقاتها في فرنسا ، حتى جعلت منها وطنها الثاني ، واتخذت لغتها أداة التعبير لديها ، فلم تكتب إلا باللغة الفرنسية ، ولم تجد من يقدرها حق قدرها غير الفرنسيين .

ويظهر هذا الصراع عنيفاً كأعنف وأعمق ما يكون الصراع حين يتصل الأمر بالمسائل التي تنتسب إلي ميدان العاطفة والروح أكثر من أن تنتسب إلي ميدان الفكر والعقل ؛ وعلى رأسها المسألة الدينية ، وهي مسألة كثيراً ما تعرضت لها في إلحاح رشيق ، وقلق دقيق ، وتردد لا يخلو من البراعة الساخرة والتهكم النافذ . فنراها هنا مترجحة بين ما تمليه عليها روحها الروسية من إيمان ساذج مقبل على كل شئ في غير ما تحفظ شكوكي ، ولا قلق نفسى ,

وبين ما يقول لها عقلها من إنكار للألوهية ، وتجديف بالدين ، وتمرد علي التقوي في كل صورها ، استمع إليها تقول في صرخة وجزع : " إنني جديرة بالرثـاء منذ أصبحت لا أنتظر بعد من الله شيئاً . فإنه إذا أعوز هذا الملاذ الأعلى ، فليس على المرء بعد إلا أن يموت ؛ وبدون الله ، لن يكون ثمة شعر ، ولا عطف ، ولا عبقرية ، ولا حب ، ولا طموح . إن الوجدانات تقذف بنا في أحوال من الشك ، وألوان من النوازع والرغبات والإجهادات الفكرية ، فيشعر المرء بالحاجة إلي عالم آخر ، إلى إلــــــه يرد إليه حماساته وصلواته ، إلـــــــــــه نطلب منه كل شئ ويقدر على كل شئ ، وإليه نستطيع أن نفضي بكل شئ . وبودي لو أعترف عظماء الرجال  بما إذا كانوا يهيبوا بالله ، وينيبوا إليه في اللحظة التي كانوا فيها محبين حقاً ، طموحين حقاً ، أو بائسين حقاً . أجل ، إن الطبائع العادية والنفوس

الوضيعة ، حتى ولو كانت حادة الذكاء ، مفرطة العلم ، تستطيع ألا تتعلق به ، ولكن هؤلاء الذين يحملون " الشرارة " ، حتى لو كانوا عليمين بكل العلم ، وكانوا يشكون "بعقولهم " هؤلاء يؤمنون بوجدانهم ، أحياناً على الأقل" . ولكنها لا تلبث أن تثور بعقلها الأوربي بعد تلك النبرات الحارة مباشرة فتقول : " أجل ! إني لست عالمة ، ولكن كل تأملاتي تقودني إلي هذه النتيجة : ألا وهي أن الله الذي يعلموننا إياه اختراع منهم ؛ وإلــــــه الدين أو الأديان ، ألا فلنتجنب الحديث بعد عنه ؟ أما الله الذي يقول به العباقرة ، الله عند الفلاسفة ، الله الذي يؤمن به الأذكياء فحسب ، من أمثالنا ، هذا الإله لن يكون عادلا ، إنه لم يستمع إلينا ، وإذا تصورناه فاعلا للشر ، فلا أدري ما فائدته  " ثم سرعان ما ترتد إلي موقفها الأول فتقول مباشرة : " ولكن إذا لم يكن موجوداً ، فمن أين هذا الشعور بالحاجة إلي عبادته الموجود في كل كل مكان ، وعند كل الشعوب ، وفي كل الأزمان ؟ أمن الممكن ألا يكون ثمة شئ يستجيب لكل هذه النوازع الفطرية عند جميع الناس ، ولهذا الغريزة التي تدفع بنا إلي نشدان الموجود الأعلى ، الرب الأعظم ، الله ؟ " ( ٨/٢٩ ١٨٨٣ ) . فالله الذي نؤمن به ليس إذن ذلك الذي تقول به الكتب المقدسة والأديان الوضعية ، وإنما هو فكرة مجردة ، فكرة فلسفية ، بل هو أكثر من هذا : هو الكل في الكل ، هو الطبيعة كلها بما فيها من أرض وسماء ، وهو الكون بأسره بما فيه من نجوم وأجرام . ولكنها لا تستطيع أن تستقر عند هذا الإله المجرد ، بل تندفع في الآن نفسه نحو نشدان إله يري كل شئ ، ويعني بكل شئ ، ومنه نستطيع أن نطلب كل شئ . .

مثل هذا الإله بودي لو آمنت به ، ولكن إذا وجد ، هل يؤذن بحدوث ما يحدث ؟ ( ١٨٨4/٢/٢٣ ) إنها معذبة شقية ، وبودها لو استطاعت أن تسكن إلى إله يعطف عليا حقا ، ويرحمها من عذابها فعلا . ومن هنا مصدر عذابها . فهي لشدة إلحادها مؤمنة ، وهي لشدة إيمانها ملحدة ؛ فتراها قلقة يرهقها الشك العنيف ، لايهدأ لها

بال ، ولا تستقر عند حد ، وليس في وسعها بعد أن تتخلص من عذاب هذا الشك ، فعبثا تصرخ قائلة :  "إلـــهي , لماذا تسمح لي بالتفكير العقلي والبرهان ؟ بودي لو أومن هكذا بدون قيد ولا شرط . أنا أومن به أو لا أومن . وحينما أفكر بعقلي لا أؤمن به ؛ ولكنني في حالة الشقاء أوالسرور ، يتجه أول تفكيري في أعماقى نحو هذا الإله القاسي علي كل هذه القسوة " (٧/١ /١٨84) .

والشئ المميز في هذه التجربة الدينية عند مارية بتكرتسف هو هذا التردد القوي بين إيمان ساذج وتصور عقلي في نفس الآن ، وهي بهذا تمتاز كثيرا من تجربة تولستوي . فإن التقوي عند الأخير قد أتت بعد فترة انصراف عن الدين ، ولم يوجد الشك والإيمان معا عنده في وقت واحد وعلى مستوي واحد ، ولذا لم تكن تجربة شائقة تشواق تجربة مارية . وهي تمتاز كذلك من تجربة دوستوفيسكي ، وإلى أبعد حد ؟ فإنه إذا جاز لنا أن نتحدث عن تجرية عنده ، بمعنى محنة إيمانية يلعب فيها الشك الدور الأول ، فإن هذه التجربة كانت تافهة ، لا تعدو أن تكون توكيداً لإيمان ساذج لم يتأثر فلسفة ، ولم يرهف منه سلاح الشك .

ومرجع هذا خصوصاً إلي أن التجربة الدينية عند مارية كانت تقوم على تجربة حية عانتها في قوه وقسوة و حرارة ، ألا وهي تجربة شقائها بسبب الداء الذي أصيبت به ، داء السل ؛ ولهذا كانت تجربتها الدينية تجربة صادقة تنبض بالدم ، لا فضولا فكرياً كما كادت الحال أن تكون عند تولستوي . ولهذا أيضا نشعر بإخلاصها في التعبير عنها ، وتسري إلي نفوسنا منها ألم عميق ، شأن كل ألم صادق عبر عنه في إخلاص ؛ بينما لا يكاد يستهوينى شيء في تجربة تولستوي ، إذا غضضت النظر عن صياغتها الفنية , وهي بعد صياغة يبدو أثر الصنعة فيها واضحاً كل الوضوح ؛ ولهذا أفضل عليها تجربة مارية بمراحل ومراحل . وسيأتيك تفسير هذا حين نتحدث عن تولستوي في يومياته . والخلاصة أن تجربة مارية تجربة إنسانية ، وإنسانية جدا , ولذا كانت مؤثرة ، بل ومؤثرة جداً .

(يلى)

اشترك في نشرتنا البريدية