من الخطأ ما يلتمس لصاحبه فيه العذر، وهو الخطأ الذي يكون عندما يستغلق الأمر، ويصعب فهم المراد من الكلام؛ أما الخطأ الذي لا يعذر فيه صاحبه فهو الذي يكون عند وضوح
المراد ، وظهور المعنى غاية الظهور، ومن هذا الخطأ الأخير ما وقع فيه الأديب الفاضل محمد رجب البيومي، فقد فهم فهماً معكوساً ما كتبته في معنى بيت الأعشى وإعرابه: ألم تفيض عيناك ليلة أرمدا ... وبتّ كما بات السَّليم مسّهدا
ومع هذا يبتدئ ما كتبه بهذه الجملة التي لا معنى لها: (للأستاذ عبد المتعال الصعيدي انتقادات ومباحث تصيب مرماها مرة وتخطئه أخرى) ولله الشكوى من مثل ذلك الفهم المعكوس وذلك الاشتباه الظاهر، وفي النفس ما فيها من هذا الزمان وأهله لقد ذكرت أيها الأديب الفاضل أني أنا الذي أعرب(أرمدا) في بيت الأعشى فعلاًماضياً مسنداً إلى ألف الاثنين العائدةعلى قوله عيناك، وعلى هذا تكون (ليلة) في البيت منصوبة على الظرفية، ولا تكون مفعولاً مطلقاً كما يقول الأستاذ أبو رجاء نقلاً عن حذاق النحاة
ولو أنك أيها الأديب الفاضل تأملت قليلاً في كلامي لوجدت أن الإعراب الذي نسبته إلي هو إعراب الأستاذ أبي رجاء، وليس هو إعرابي ولا إعراب حذاق النحاة، لأني أوافقهم على إعرابهم، والذي يخالفهم هو الأستاذ أبو رجاء
ولو أنك تأملت أيضاً قليلاً في كلامي لعلمت أن السبب في فساد إعراب ليلة على الظرفية وأرمدا فعلاً ماضياً هو أن الأعشى لم يكن في مقام الشكوى من رمد في عينيه. أما الذي ذكرته في فساد ذلك فخطؤه ظاهر أيضاً، لأنك ذكرت في فساده أنه لا يتأتى انطباق جفون العين وذوق حلاوة الكرى في وقت ألم السن من الرمد، فأما أن ذلك لا يتأتى في ذوق حلاوة الكرى فصحيح، وأما أنه لا يتأتى في انطباق جفون العين فهذا هو الخطأ الظاهر، لأن اغتماض العين من الرمد لا يمكن إنكاره، وهو الذي يمكن أن يراد في بيت الأعشى على الإعرابيين، ولكنه يكون صحيحاً جارياً على التشبيه في إعراب النحاة، ونابياً عن المقام في إعراب الأستاذ أبي رجاء. أما اغتماض العين في الكرى فبعيد عن البيت كل البعد، ولا يريده من يجري إعراب ليلة على الظرفية. ونصيحتي بعد هذا إلى الأديب الفاضل ألا يهجم على الكتابة قبل التأمل، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته

