نبدأ التجارب المسرحية في معظم مسارح العالم قبيل الظهر ، فيما بين الساعة العاشرة صباحا والساعة الثانية بعد الظهر ؟ ولقد كانت المسارح في أوربا وأمريكا تكثر من عمل هذه التجارب ، إلي أن وضع أخيرا نظام خاص بذلك ، بقضي بدفع اجور للممثلين نظير حضورهم واشتراكهم في عمل التجارب . الهم إلا بقدر ما تدعو إليه ضرورة العمل
والعادة أن تقام هذه التجارب بالمسارح التي ستتمثل بها الروايات ، غير انه يحدث في كثير من الاحيان ان يلجأ المشتغلون بالمسرح إلي عمل تلك التجارب بإحدي الصالات الخالية - في حالة تعذر إجرائها بمسرحهم الخاص- وأحيانا يقيمون تلك التجارب بصالة احد الفنادق الكبيرة أو ماشابهها مما تسمح به الحالة
وأول واجب على المثل الناشئ في أثناء وجوده بالتجربة المسرحية ، وهو ان يفرض انه كالجندي ، وانه يجب عليه أن يطيع الاوامر التي تصدر إليه مهما بدت له أنها مغايرة لآرائه الشخصية ، فإذا كانت له اراء خاصة عن موقف من المواقف ، فان المخرجين عادة يرحبون بسماع أية ملاحظات بعد انهاء التجربة وليس في اثنائها بأي حال . ذلك لأن المخرجين يحضرون لعمل التجارب المسرحية ومعهم رسوم تخطيطية مدروسة المواقف التمثيلية التي تتكون منها مناظر الرواية ، بحيث ينسى لهم إرشاد المثلين على ضوء تلك الرسوم وتوجيههم للقيام بالحركات والخطوات اللازمة ؛ وهذا هو السر في ان العناية بالتمثيل نفسه في أبناء وعمل التجارب المسر حية أقل كثيرا من العناية بالمواقف التمثيلية نفسها ؛ فالمخرجون يعملون كل عنايتهم لها
لتحديد كل خطوة وكل حركة على المثل أن يقوم بها ، بحيث لا تترك حركة من الحركات ، أو خطوة من الخطوات للصدقة ؛ ولهذا فإننا ننصح كل ممثل ناشئ بأن يضاعف انتباهه إلى إرشادات المخرج في أثناء التجربة المسرحية ليتسي له دراسة مواقفه التمثيلية دراسة صحيحة ، وبعدئذ يمكنه أن يمثل دوره تمثيلا متقنا حسب مقدار فهمه له . وحسب مقدار ما عنده من موهبة فنية . ولعل هذا البيان فيه الكفاية للاجابة علي السؤال الذي طالما ردده المشتغلون بالتمثيل وهو :
- هل يجب على الممثل أن يمثل دوره تمثيلا تاما في أثناء التجربة المسرحية ؟ أم يكتفي بالتدرب على المواقف التمثيلية تحت إرشاد المخرج ؛ على ان يترك التمثيل للتجربة النهائية التي تقام عادة قبل تمثيل الرواية أمام الجمهور ؟
غير أن الإجابة الصحيحة على هذا السؤال تتوقف في الواقع على طريقة المخرج نفسه ، فبعض المخرجين يفضلون سماع أصوات الممثلين ومشاهدة حركاتهم التمثيلية في اثناء التجارب المسرحية تماما ، كما لو كانت الرواية تمثل أمام الجمهور ؛ بيد أن هذه الطريقة تتعب الممثلين من ناحية وتجعلهم يسأمون ادوارهم ويجشون اصواتهم قبل ابتداء التمثيل الحقيقي أمام الناس ؛ ولذلك فان الأفضل هو الاعتناء بدراسة المواقف التمثيلية في اثناء التجربة وتدريب الممثلين عليها تدريبا كافيا ، لا سيما انه لاسباب فنية عديدة يتعذر إعطاء التمثيل أصوله وحقوقه الفنية من إضافة وما إليها في اثناء عمل التجارب ؛ فمحاولة إرغام الممثلين على التمثيل تمثيلا حقيقيا في أثناء تلك التجارب لا يمكن ان تعطى النتائج الفنية المقبولة ، وإذا فيجب الاكتفاء بما اسلفنا بيانه
من تدريب الممثلين على مواقفهم التمثيلية وتحفيظهم أدوارهم .
وبهذه المناسبة لا يفوتنا ان ننبه الممثل الناشئ إلي انه يجب أن لا يخدع نفسه فيتوهم أنه سريع الحفظ فيدخل المسرح في اثناء عمل التجارب ، بدون نصوص دوره ، فتكون النتيجة ان يخترع عبارات جديدة ، ولو انها تؤدي المعنى إلا أنها تسبب ارتباكا للممثلين الآخرين الذين يعتمدون على نهاية الجمل التي عليه ان يقولها لكى يبدأوا هم عباراتهم ؛ فمهما كان الأمر يجب على الممثل ان يعتمد اعتمادا كليا على النصوص المكتوبة لدوره في أثناء عمل التجارب ، إلي أن يحين الوقت لعمل ما يسمونه عادة ) التجربة العامة ( فهذه تكون في الواقع كالتمثيل تماما كما سيحدث امام الجمهور ؟ غير انه يمكن تدارك ما قد يكون بها من اخطاء ، لأن الذين يحضرون هذه التجربة العامة هم في العادة اسرة المسرح نفسه ، وليس الجمهور ؛ وبتصحيح ما قد يلاحظ من اخطاء ، يمكن تقديم الرواية في اليوم التالي أمام الجمهور وهي خالية من أي خطأ .
وقبل ان ننتهي من هذا الفصل ننصح الممثل الناشئ بان يعني بهندامه ، لكي يترك اترا طيبا في نفوس الذين يرونه من رجال الإدارة المسرحية ، لان هؤلاء الناس يعتقدون ان الممثل الرث الثياب في حياته العادية لا يعرف كيف يعني بملابسه التمثيلية علي المسرح ، وربما كان لهم حق فيما يعتقدون .
ولا ينبغي أن يثير المثمل أعصابه في أثناء عمل التجارب ، مهما طلب إليه المخرج إعادة تمثيل مواقفه التمثيلية ، لان الممثل العصبي المزاج لن يجد في المستقبل مخرجا يختاره لتمثيل أي دور على الإطلاق ؛ فالواجب على المثل إذا أن يضبط عواطفه ، وان يطيع اوامر المخرج ، وان يجتهد في ان ينفذ رغباته كلها ، لانه هو الذي يقدم الرواية ، وهو الذي يتحمل مسئولية مظهرها أمام الجمهور .
