لقد ألفنا أن ترى الحروب تدور بين الأمم ؛ حتى بات أكثرنا يتوهم أنها ظاهرة لازمة للمجتمع البشري في جميع العصور والأقطار . وقد ثبتت دراسة التاريخ - على النحو الذي ندرسه به الآن - هذا الوهم في أنفسنا ، حتى إن أكثرنا لا يكاد يفيق من تأثيره ، لكى يتساءل عن الأسباب التي تدفع الناس إلى شن الحروب . وبات أكثرنا مؤمناً بأن قيام الحروب أمر لا مفر منه ، ولا محيض عنه ؛ فصار مثلنا كمن يعيشون في الظلام الدامس ، لا يعرفون النور ولا يدرون عنه شيئاً ، فهم لهذا يجدون أن الظلام الحالك شئ بديهي ، لا وجه لاستنكاره ، أو للتفكير في الخروج عنه . .
لم يخل الأمر في بعض العصور من أن ينهض كاتب أو مفكر أو شاعر فيقول كلمة في ذم الحرب ، على طريقة الشاعر زهير المزني حين يقول :
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم
وما هو عنها بالحديث المترجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة
وتضري إذا ضريتموها فتضرم
فتمر ككم عرك الرحا بثقالها
وتلقح كشافا ثم تحمل فتتم
ولكنا إذا كنا قد سمعنا من آن لآن صوتاً يذم الحرب ويلعنها ، فإننا لم نسمع صوتاً قوياً عالياً ينادى بأن الحرب عبث في عبث ، ويستنكرها في صراحة وجلاء ويري أن من السخف أن يظن أنها من الظاهرات التي لابد منها في العلاقات البشرية . لم نسمع مثل هذه الصوت قوياً جلياً ، إلا في زماننا هذا ، وبوجه خاص منذ الحرب الماضية . فإن القرن العشرين - كما امتاز بابتكار أفظع أدوات الحرب ، وأعظم وسائل القتال تخريباً وتدميراً -
فإنه امتاز أيضاً بأنه قد ولدت فيه المدرسة الحديثة التي تتحدى القائلين بأن الحرب لابد منه ؛ وتتحدث علناً بأن من الممكن خلق الوسائل التي يحفظ السلام بين الأمم ، وتقضي على سنة العدون بين الشعوب ، أو على الأقل تجعل مثل هذا العدوان بين الدول كالعدوان بين الأفراد ، جريمة موجهة إلى المجتمع البشري كله ، يلقى مرتكبها جزاءه ، كما يلقاه أي فرد من الأفراد في أي مجتمع منظم
آمن كثير من الناس بهذا المذهب الجديد ، وأخذوا يعملون على تحقيقه . ولا شك في أن الرسل الأول في هذا الميدان كانوا يقاتلون بشيء غير قليل من التهكم والسخرية ؛ أو على الأقل كان الناس ينظرون إليهم نظرة المشفق الآسف على أولئك الصارخين في البيداء ، النافخين في الرماد ، ولكن هذه الصرخات لم تلبث أن نفذت من الآذان إلي القلوب ، وأخذ عدد المنضمين إليها يزداد ، حتى بات يضم جموعاً كبيرة العدد واسعة الجاه عظيمة النفوذ . وهنالك فريق آخر كبير العدد أيضاً لا يزال يشك في أن من الممكن تحقيق هذه الأمنية ؛ كأن السلام بين الأمم حلم جميل ، ولكنه أجمل من أن يحققه الزمان . وهم مع ذلك لا ينفرون من الدعاية للسلم ، بل وينصتون إليها ، ويشجعونها ، لأن قطاعة الحروب الحديثة قد دفعتهم لأن يلتمسوا الخلاص من هولها بأي وسيلة كانت . وهم لذلك ينظرون إلى دعاة السلم الدائم كأنهم قوم يقومون بتجربة ، ولا يريدون أن يقيموا الصعاب في سبيلها ، لأنهم يتمنون نجاحها ، ولو أنهم يشكون في هذا كل الشك.
ولكن دعاية السلم في حاجة إلى شئ أعظم وأقوى من هذا الموقف السلبي المشرب بالعطف أو الإشفاق ولو أن العالم ليس فيه سوى طائفتين من الناس ، طائفة تعمل للسلم الدائم ، وأخرى تنظر إليها نظرة الانتظار
والإشفاق ، لما كان هنالك ضير كبير . . ولكن هنالك - ويا للأسف - طائفة ثالثه ، هي طائفة تجار الحرب ، الذين يؤذيهم أن ينشر العدل والإنصاف بين الأمم . لأن هذا يكفكف من غربهم ، ويذودهم عن حقوق الشعوب التي يريدون أن يسطوا عليها ، وينتهكوا حرماتها . إن هذه الفئة قد تكون صغيرة العدد ، ولكنها عظيمة النفوذ ، منتهزة للفرص ، قوية الشكيمة ، لا تتورع عن ارتكاب أكبر الآثام من أجل الوصول إلى بغيتها وبلوغ مأربها ، والإبقاء على الحرب والمحافظة عليها ؛ لأن هذه عن تجارتهم التي منها مجدهم وثراؤهم . ولا شك في أنهم لن يسلموا بزوال الحرب ، ويبذلون كل ما في وسعهم من جهود خبيثة لكى تبوء جميع الدعايات السلمية بالفشل .
هذه الطائفة تشتمل على كثير من الأفراد الذين ينتمون إلى ما يسمي الطبقات الحاكة ، وكثير منهم يتولى الحكم فعلاً في بلاد عظيمة النفوذ المادي والثقافي ، فتراهم حين يرتفع نداء المنادين بإقامة السلم الدائم بين الشعوب ، تظاهروا بأنهم أعظم المؤيدين وأكبر أنصار السلام ، جني إذا خلا بعضهم إلى بعض سخروا من تلك الدعاية . وأتمروا علي إفسادها والقضاء عليها ؛ فهم يرعون مع الراعي في العلانية ، ويعيثون مع الذنب في السر والخفاء .
أولئك ألد أعداء السلم ، وأكبر عقبة في سبيل التقدم . هم الذين أفسدوا كل محاولة لوضع السلم الدولي علي أساس وطيد ؛ هم الذين أفنوا بالتمييز في معاملة الشعوب والأجناس ، وبأن ما يعد جريمة في الغرب قد لا يكون جريمة في الشرق ؛ هم الذين أفسدوا كل محاولة للضمان المشترك بين الدول منذ معاهدة فرساي إلى وقتنا هذا ؛ هم الذين منعوا التعاون بين أمريكا وبريطانيا لوقف عدوان اليابان على الصين في عام ١٩٣١ ؛ وهم الذين أفسدوا عصبة الأمم ، وهم جديرون بأن يقضوا علي أي نظام عالي جديد لإقامة العدل والسلم بين
الأمم . لا شك في أنهم عندما سمعوا بميثاق الأطلنطي صففقوا له جهاراً وهتفوا له امام الناس ؛ ثم لم يلبثوا حين خلوا إلى أنفسهم أن استلقوا على ظهورهم من شدة الضحك.
إن أول واجب علي دعاة السلم أن يعترفوا بوجود هذه الطائفة ، وأن يدركوا أن من العبث أن يقال إن هذه الحرب هي آخر الحروب جميعا ، بل لابد أن تتلوها حرب تشن على تلك الفئة الضارية ، حتى تنكسر شوكتها ، ويزول أذاها من الوجود . وهنالك يجوز القول بأن العالم سينعم بالسلم الدائم ، ويتحرر تحرراً أبدياً من وباء الحرب .
لهذا كان من اللازم أن تنال الدعاية للسلم تأييداً عاماً قويا ، وألا يكتفي الناس بالنظر إليها نظرة الشك والفتور ؛ فإن نعمة السلم أجل من أن تنال من غير جهد شاق طويل ، والعقبات التي تقف دونها أشد وعورة من أن يتغلب عليها بالهمة الفاترة ، والجهود الضعيفة.
لا يزال في العالم كما قدمنا عدد كبير جداً من الناس ، يتوهم أن الحرب شر لابد منه ؛ ومع ذلك فإن المرء إذا أطال النظر والتفكير في أسباب الحروب الحديثة - وأخص الحديثة لأن المفروض أننا أدرى بها وبالبواعث التي أدت إليها - وطالع ما كتبه المؤرخون ورجال الدولة ، وبحث الوثائق الرسمية والتقارير ، وكل شئ يمت إلى تلك الحروب ، فإنه من غير شك سيندهش ويحار لتفاهة الأسباب التي دفعت دولا عظيمة إلى خوض غمار الحرب ؛ ويرى في وضوح أنه قد كان من الجائز جداً أن يمر ما سموه الأزمة ، دون أن يطلق مدفع أو تسفك قطرة من دم ، وأن تجنب الحرب لم يكن بالأمر العسير الشاق .
لست أريد الآن أن أعرض لأسباب الحروب الحديثة أو أفندها ، فإن لهذا الأمر الخطير مجالاً غير هذا المجال ؛ ولكن هذه الخواطر التي ذكرتها كانت تتردد في نفسى منذ أخذت أفكر في حالة الدولة الإيطالية في الأسابيع
الأخيرة ، أي منذ أن أعلنت الحرب على ألمانيا . . لا شك أن أمامنا هاهنا ظاهرة عجيبة تسترعي الانتباه ، وتبعث على التأمل ؛ فإن إيطاليا قد شنت على الحلفاء حربا شعواء ، ألقت فيها بما سماه قائدها الأكبر ثمانية ملايين من الحراب ، ولم يكن عملها هذا صادراً عن تسرع وطيش ، بل عن تدبير ووزن وتقدير . ولم يكن هنالك حادث استفزها فلم تستطع عليه صبرا ؛ أو إهانة وجهت إليها ، فرأت أن الشرف الرفيع لابد أن تراق على جوانبه الدماء ، بل لقد كانت في موقف تغبط عليه ؛ فالحلفاء يسترضونها لكي تظل على الحياد ، وألمانيا تلتمس لها - إذا صح ما قاله رئيسها - كل عذر على تخلفها عن خوض غمار الحرب ، وحالة الحياد مغرية أشد الإغراء ، لما تنطوي عليه من المكاسب والأرباح والغنائم ، التي تكفل لإيطاليا أن تخرج من هذه الحرب وهي أغنى الدول وأوسعها ثروة ، وأوفرها تجارة ، وهي فوق هذا كله ستظل محتفظة . بتلك الملايين الثمانية من الحراب ، موفورة الكرامة ، عزيزة الجناب ، يحسب لها الجميع كل حساب ، لأنها لم تمتحن في حرب ولم تجرب في قتال جدى . ولها إلي جانب هذا إمبراطورية عظيمة في إفريقية الشرقية ، لم يمض على تأسيسها سوى أعوام قلائل ، وهي في حاجة شديدة إلى عهد طويل من الهدوء والاستثمار لكي تأتي ثمرها ، ويتم تكوينها .
ويرغم هذه المحرضات القوية التي تغري بالتزام الحياد ، وبالتمسك بأهداب السلم ، قرر قادة إيطاليا - وهم رجال عقلا مجربون - أن يزجوا ببلادهم في غمار الحرب ولابد لنا ، نحن الذين نشهد هذه الأحداث العجيبة أن تحكم بأن هنالك أسبابا قاهرة جعلت قادة إيطاليا العقلاء المجربين الموصوفين بالنبوغ والبراعة ، يعدلون عن تلك المكاسب والمغانم الدانية التي يقبضون عليها بأيديهم ، وينصرفون عنها إلى مغانم ومكاسب بعيدة عنهم ، وليست بعد في متناول أيديهم ، ولابد أن يخوضوا لها حروباً وأهوالاً . إن هذه الخطوة الهائلة لم يخطها قادة إيطاليا
إلا بعد تبصر وإمعان فكر . ولابد لنا أن نفترض انه قد كانت لديهم أسباب قوية دفعتهم إلى المسلك الوعر الذي سلكوه . ولا شك أن المؤرخين سيتعبون أنفسهم ، ويتعبوننا معهم ، في استنباط تلك الأسباب وعرضها أمام أعيننا عرضاً مبوبا مرتبا ، لكى بطلع عليها طلاب على التاريخ ، ويطمئنوا إلى أن الدولة الفاشية قد أقدمت على خوض غمار الحرب مع ألمانيا ، على دولة بريطانيا وفرنسا ثم روسيا وأمريكا لأسباب معلومة مفهومة
إلى أن تتم هذه الإجراءات التاريخية ، تشغلنا هذه لحرب بأحداثها وأهوالها، ومفاجأتها وتقلباتها ؛ وتقضي السنين والأشهر ثم ننظر : فإذا الدولة الإيطالية تشن لحرب من جديد ، وتعلن الويل والثبور مرة اخري علي رءوس الأعداء ؛ ولكن هؤلاء الأعداء ليسوا دولة بريطانيا وفرنسا وروسيا وأمريكا ، بل أصدقاء الأمس من لألمانى وشركائهم من قبل في المحور ، الذين كان نصرهم معقد الآمال الإيطالية ، ومشتهي النفس الفاشتية وهكذا شاهدنا انقلاياً عجيباً ، ورأينا ريح الصبا تنقلب ديورا ، والشمال تصير جنوبا ، والسلاح الذي كان يشد أزر الألمان يوجه إليهم ، والسيف الذي كان يؤيدهم بشهر عليهم . ولا شك أن لهذه الحرب الجديدة أيضاً أسبابًا قوية ، سيشرحها لنا المؤرخون . في الوقت المناسب ، ويعرضونها أمام أعيننا مبوبة مرتبة . كما شرحوا لنا من قبل في مجلدات ضخمة أسباب الحرب العالمية الاولى ، وأسباب الحرب السبعينية ، وغيرهما من الحروب الطاحنة الصاخبة .
وإلي أن تتخذ هذه الإجراءات التاريخية ، لابد لنا أن نعجب من أن دولة إيطاليا ، التى كانت بالأمس ممدودة من الدول الكبرى ، قد استطاعت أن تسلك في هذه الحرب مسلكا أشد إثارة للدهشة وللعجب من مسلكها في الحرب الماضية . فلقد لقيت في تلك الحرب توبيخاً قاسياً ، لأنها وهي حليفة دول الوسط لم تشأ - على
الأقل - أن تبقى على الحياد ، بل انضمت إلي الحلفاء ، وشقت الحرب على ألمانيا . ونحن لا ننكر أن إيطاليا في ذلك كانت بينها وبين بريطانيا وفرنسا صداقة أكيدة ، ومودة وطيدة ، ولهذا لا نستنكر انضمامها إلي جانب الخلفاء ولكن إذا كانت خطة العقل والصداقة توجه إيطاليا نحو معسكر الخلفاء ، فلماذا اختارت أن تخالف ألمانيا والنمسا ؟ لماذا تقطع تذكرة إلي برلين ، وهي تريد أن تسافر إلي باريس ولندن ؟ لا شك أن لهذا أسباباً قد شرحها المؤرخون من الطليان وغير الطليان
وفي الحرب العالمية الثانية استطاعت إيطاليا أن تخالف أعداءها في الحرب العالمية الأولى . وكان بين الشعبين الإيطالي والبريطاني صداقة ومودة قديمة ، قد توجها الأدب والشعر بتاج فنى بديع ، ومع ذلك فإن إيطاليا قد حالفت أعداءها السابقين ، لكي تحارب أصدقاءها السابقين ، الذين لم يكن بينهم وبينها عداوة أو حرب في أي وقت من الأوقات . ووجد ساستها أسباباً وجيهة لهذا كله .
إن إيطاليا قطر جميل ، بل لعله أجمل أقطار أوربا علي الإطلاق . ولكن سكانه يعانون شدائد قاسية ، من أنواع شتي ؛ منها الزلازل المدمرة ، ومنها البراكين الثائرة ، ومنها هؤلاء ، الساسة البارعون ، الذين رزقوا عقلا فذاً عجيباً ، يستطيعون به أن يجدوا الأسباب القاهرة التي تدفع إلي الحرب ، وإلي إزهاق الأرواح التي أؤتمنوا عليها ، وكلفوا رعايتها والمحافظة عليها .
ولكن تفاهة الأسباب التي تدفع إلي الحرب ليست مقصورة على هذه الأمثلة الإيطالية ، بل إن تلك التفاهة موجودة في كل حالة أخري ، وإن كانت أكثر ظهوراً في مسلك دولة إيطاليا الحديثة .. فما أجدر دعاة السلم العالمى أن يدركوا أن ليس وراء هذه الحروب أسباب قوية ، ودوافع ملحة ، بل نفوس امتلأت بالشهوات وعقول حشيت بالضلال
