الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 171الرجوع إلى "الثقافة"

فى الأدب العربى :، ٢-المتنبى وسيف الدولة

Share

اتصل المتنبى بسيف الدولة وأصبح شاعر بلاطه الأول ، فأخذ يسجل أحداثه الحربية والمدنية تسجيلا أدبيا . فان سجل المؤرخون الحقائق صرفة فالمتنبى  يسجلها ممزوجة بعواطفه ومشاعره

قد كانت هذه الفترة فترة غزوات متوالية من سيف الدولة للروم وللخارجين عليه من أقاربه وغيرهم ، فأخذ المتنبى يقول قصيدة لكل موقعة ، فقد ظفر بحصن بروز وبه سنة ٣٣٧ فقال المتنى قصيدته :

وفاؤ كما كالربع أشجاه طاسمة  

          بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمة

وحارب سيف الدولة القرامطة هذا العام ، واستنقذ منهم عمه أبا وائل ، فقال المتنبى قصيدته :

إلام  طماعية  العاذل  

              ولا رأى فى السحب للعاقل

وخرج هذا العام أيضا لنصرة أخيه ناصر الدولة على معز الدولة الديلمى ، فاضطر معز الدولة إلى الصلح . فقال المتنبى قصيدته :

أعلى الممالك ما يبنى على الأسل

                      والطعن عند محسبهن كالقبل

واستعد لغزو الروم سنة ٣٣٩ وأعد جيشه ، فقال المتنبى قصيدته :

لهذا اليوم بعد غد أريج

                 ونار فى العدو لها أجيج

فلما انهزم سيف الدولة فى هذه الوقعة قال قصيدته :

غيرى بأكثر هذا الناس ينخدع

              إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا

وقال : إن سبب الهزيمة ما لحق بسيف الدولة من الضعفاء والجبناء ، وإن كل غزوة بعد هذه الغزوة فلسيف الدولة النصرة . لأن جنوده قد نفيت من الأنذال ، ولم يبق فيهم إلا الأبطال .

وبنى سيف الدولة مرعش سنة ٣٤١ ، فقال المتنبى قصيدته :

قد بناك من ربع وإن زردتنا كربا

            فإنك كنت الشمس للشرق والغربا

وجاء رسول ملك الروم إلى سيف الدولة يلتمس الفداء سنة ٣٤١ ، فقال المتنبى :

لقيت العفاة بأمالها  

             وزرت العداة بآجالها

وبني سيف الدولة ثغر الحدث سنة ٣٤٣ ، فقال فيه المتنبى القصيدة المشهورة :

على قدر أهل العزم تأتى العزائم  

                      وتأتى على قدر الكرام المكارم

وهكذا كان كل عمل حربى يأتيه سيف الدولة يسجله المتنبى ويفلسفه ويؤديه ، ويخرجه قصيدة رائعة . وكذلك كان يسجل أحداث سيف الدولة المدنية ، فتموت أم سيف الدولة فيرثيها بقوله :

نعبد المشرفية والعوالى

               وتقتلنا المنون بلا قتال

ويموت ابن سيف الدولة فيرثيه بقصيدة :

بنا منك فوق الرمل ما بك فى الرمل

    وهذا الذى يضنى كذاك الذى يبلى

ويموت غلام سيف الدولة "يماك " فيرثية بقصيدته :

لا يحزن الله الأمير فأننى

                 لآخذ من حالاته بنصيب

وتموت أخت سيف الدولة فيرثيها بقصيدته :

إن يكن صبر ذى الرزبئة فضلا

                     تكن الأفضل الأعز الأجلا

ويمرض سيف الدولة فيقول المتنبى :

إذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأرض  

           ومن فوقها والبأس والكرم المحض

ويخرج لسيف الدولة دمل فيقول المتنبى :

أيدرى ما أرابك من يريب

        وهل ترقى إلى الفلك الخطوب

ويشفى سيف الدولة فيقول المتنبى :

المجد عوفى إذ عوفيت والكرم

           وزال منك إلى أعدائك الألم

ويأتى عيد الفطر فهنئه ، وعيد الأضحى فيهنئه .

وبذلك أصبح شعر المتنبى فى هذه الفترة سجلا لكل أعمال سيف الدولة وأحداثه كبيرها وصغيرها ، سلمها وحربها ، أحزانها وأفراحها ، جدها وهزلها .

والمتبع للديوان يرى أن شعر المتنبى فى وصف حروب سيف الدولة ، و صف فى الحزن أرقى من شعره فى المديح وشعر السرور . و يب ذلك - على ما يظهر .

أن نوع الشعر الذى يشتد اتصاله بنفس المتنبى ، يجود ويغزر . وقد كان المتنبى فارسا تعجبه الفروسية والبطولة ، فإذا قال فى ذلك يستخرجه من أعماق قلبه - وكانت نفسه حزينة لأنه لم ينل المجد الذى يصبو إليه ، فيحزن حزنا عميقا على الميت ، وهو فى حقيقة الأمر يحزن على ليلاه . أما السرور وأما المديح فى غير البطولة فصياغته لا نلمس إلا السطح الظاهرى من قلبه .

وكما سجل المتنبى أحداث سيف الدولة ، سجل نفسه فى مشاعرها المختلفة وانقباضها وانبساطها ، واهمها واضطرابها . وكان المتنبى حاد الذكاء ، حاد المزاج صريحا ، لا يستطيع ان يخفى ما فى نفسه ، وقد توالت

عليه أوقات شدة ورخاء ، وتتابعت عليه ساعات أمن وساعات قلق . وكان مضطربا بين الرضا والغضب ، والبؤس والنعيم . ومما زاد الأمر صعوبة أن سيف الدولة من جنسه سريع الرضا ، سريع الغضب ، سمح إلى آخر حدود

السماحة ، منتقم إلي آخر حدود الانتقام ، ينفعل أحيانا لقصيدة واحدة اللمتنى انفعالات متعاكسة ، فيعجبه البيت فى مدحه فيطرب له أشد الطرب ، ويفخر المتنبى عليه بنفسه فيهيج أشد الهياج - وطبعان على نمط واحد بهذا الشكل لا يمكن ان يسودهما الصفاء التام ولا الجفاء التام ، فإذا ساد الصفاء فسرعان ما يعتكر ، وإذا اعتكر

فسرعان ما يصفو. وهكذا كان حالهما دائما ، فنرى سيف الدولة يعطى المتنبى الألوف فى لحظة ، ويرضى عن قتله فى لحظة ، ونرى المتنبى له عينان ، عين فى المجد وعين فى المال ، يأخذ المال فيرضى ، وينظر المجد فيثور ، والمجد فى نظره أن يسود هو ، ولا يكون مسودا لأحد ، حتى ولو كان سيف الدولة .

وبجانب ذلك كان بلاط سيف الدولة مسرحا ، تمثل فيه دسائس كثيرة للمتنبى ؛ فقد كان فيه شعراء كثيرون ، كانوا شعراء سيف الدولة قبل المتنبى وأيامه ، وكانوا ذوى حظوة كبرى عند سيف الدولة ، فكسفهم المتنبى ، وعلاهم بنفسه وبشعره ؛ فكان من الطبيعى ان يحقدوا عليه ويدسوا له ، وغير الشعراء من الأدباء والعلماء كذلك ، يرون المتنبى يأخذ أكثر مما يأخذون ، وينال القرب من سيف الدولة أكثر مما ينالون ، فكيف لا يغضبون ؟

وربما كان من أشد هؤلاء عداوة له أبو العباس النامى الشاعر وأبو فراس وابن خالويه النحوى اللغوى . كان سيف الدولة يميل إلى النامى قبل المتنبى ، فلما جاء المتنبى مال عنه ، فغاظ ذلك النامى ، وخلا يوما بسيف الدولة وعانيه وقال له : لم تفضل على ابن عبدان السقا ؟ ( يعني المتنبى ) فأمسك سيف الدولة عن الجواب .

فلما ألح قال سيف الدولة : لأنك لا تحسن أن تقول كقوله يعود من كل فتح غير مفتخر

وقد أخذ إليه غير محتفل

فنهض مغضبا ، واعتزم ألا يمدحه أبدا ;

وأبو فراس يقول لسيف الدولة : " إن هذا التشدق كثير الادلال عليك ، وانت تمطيه كل سنة ثلاثة آلاف دينار على ثلاث قصائد ، ويمكن أن تفرق مائتى دينار على عشرين شاعرا يأتون بما هو خير من شعره " .

ويأخذ دائما المسالك علي المتنبى ، فإذا قال بيتا جميلا قال أبو فراس إنك سرقته من قول بشار ، أو من قول دعبل ، أبو من قول معقل .

ويتجادل المتنبى وابن خالويه فى مسألة لغوية ، فيغضب ابن غخالويه ( وهو أستاذ سيف الدولة ) فيخرج من كمه مفتاحا جديدا لليلكم به المتنبى .

وهكذا كان بلاط سيف الدولة حرا عليه وخفية على المتنبى . ولم يخلص المتنبى من حول سيف الدولة من الشعراء إلا أبو الفرج الببغاء . فقد كان المتنبى يأنس به وبعثه شكواه من سيف الدولة وممن حوله ، ويأتمنه على سره وقد ساعدت طباع أبى الطيب على نجاح هذه الدسائس ، فهو يتعاظم فيغضب الشعراء ، بل ويتعاظم فيغضب الأمير وهو دائم الأعلان عن نفسه والفخر بها ؛ ويجفو سيف الدولة

فيجفو المتنبى ، ويتكلم سيف الدولة فيجيبه المتنبى ، وتأتى المناسبات ليقول الشعراء ، وينتظر سيف الدولة من المتنبى أن يقول فلا يقول ، والمتنبى حائر النفس بين المجد والمال يجفو مجدا ، فلا يعمن فى الجفاء مالا ، ويصد لأنفته ويخضع لطمعه ، وهى حال تربك النفس وتعقد الحياة .

هذا كله قد سجله المتننى أيضا فى شعره فى سيف الدولة ، فمن السنة الثانية لاتصاله بسيف الدولة يذكر الحسد ويذم الناس ويقول :

فأبلغ حاسدى عليك أنى  

            كبا برق يحاول بى لحاة

وهل تغنى الرسائل فى هدو  

              إذا لم يكن طى رفاة

إذا ما الناس جزبهم لبيب    

              فإنى قد أكلهم وذاقا

فلم أر ودهم إلا خداعا    

              ولم  أر دينهم إلا نفاقا

ويتمنى لو تعطى الملوك علي أقدار الناس ، فلم يكن ينال الخميس شيئا :

ليت الملوك علي الأقدار معطية

                   فلم يكن لدنئ عندها  طمع

ولعل أوضح ما يدل على هذه الحال قصيدته التى مطلعها :

وأ حر قلباه ممن قلبه شبيم

             ومن بجسمى وحالى عنده سقم

فهى تصور هياج نفسه أشد هياج فهو لا يعبأ بسيف الدولة الامداراة ، ولا يعبأ بمن حوله من الناس ومن الشعراء ، ويمدح سيف الدولة لمدح نفسه ، ويعرض بأبى فراس وغيره من الشعراء :

يا أعدل الناس إلا فى معاملتى  

                     فيك الخصام وانت الخصم والحكم

أعيذهما نظرات منك صادقة  

                    أن تحسب الشحم فيمن شحمه ودم

وما انتفاع أخى الدنيا بناظره  

                     إذا استوت عنده الأنوار والظلم

سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا

                    بأننى خيرمن تسعى به قدم

أنا الذى نظر الأعمى إلي أدبى  

                   وأسمعت كلماتى من به صمم

الخيل والليل والبيداء تعرفنى

                       والسيف والرمح والقرطاس والقلم

ما كان أخلقنا منكم بتكرمة  

           لو أن أمر كم من أمرنا أمم

كم تطلبون لنا عيبا فيعجز كم  

               ويكره الله ما تأتون والكرم

ما أبعد العيب والنقصان من شرفى  

                 أنا الثريا وذان الشيب والهرم

ثم يهدد بالرحيل :

إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا  

                       ألا تفارقهم فالراحلون هم

شر البلاد مكان لا صديق به  

                   وشر ما يكسب الانسان ما يصم

ثم يطعن الشعراء حوله فيقول :

بأي لفظ تقول الشعر زعنفة  

                تجوز عندك لا عرب ولا عجم

هذا عقابك إلا أنه مقة        

               قد ضمن الدار إلا أنه كلم      

قصيدة - من غير شك - من أقوى شعر المتنبى ، سكب فيها نفسه ، ولم يعبأ بمقام أحد ، وكانت كافية لأن يطرده سيف الدولة شر طردة ، ولكن كما قد قلت قبل إن سيف الدولة من جنس المتنبى ، قلئن كانت القصيدة أغضبته أشد الغضب فقد جاء فيها :

إن كان سركم ما قال حاسدنا  

                   فما لجرح إذا أرضاكم ألم

وهذا أطرب سيف الدولة أيما طرب .

وانتهت المعركة بأن أعطى سيف الدولة المتنبى ألفا وألفا ، فقال المتنبى :

جاءت دنانيرك مختومة       عاجلة ألفا على ألف

أشبهما فعلك فى فيلق        قلبته صفا على صف

ولكن إن انهت هذه الحادثة فلا بد أن يعقبها

حوادث مثلها ما دام سيف الدولة والمتنبى على ماهما والبلاط على ما هو .

وظل المتنبى يتعاظم فى شعره ، ويعرض بغيره من الشعراء ، ويقول لسيف الدولة :

إن هذا الشعر فى الشعر ملك  

                   سار فهو الشمس والدنيا فلك

عدل الرحمن فيه بيننا      فقضى باللفظ لى والحمد لك

فإذا صار بأذنى حاسد   صار ممن كان حيا فهلك

وشاء القدر أن يكون آخر شعر فى سيف الدولة من هذا القبيل وعلى هذه النغمة وهو :

لا تطلبن  كريما بعد رؤيته  

                   إن الكرام بأسخاهم بدا ختموا

ولا تبال بشعر بعد شاعره  

                   قد أفسد القول حتى أحمد الصمم

وظلت السعايات تعمل ، فإن خالويه وغيره يلح فى الايقاع بالمتنبى ، والمتنبى بمعن فى تعاليه حتى فاض الاناء ، مل سيف الدولة كثرة القول فى المتنبى ، ومل المتنبى كثرة الغضب والعتاب ، فتلاقت رغبة المتنبى في الخروج من حلب برغبة سيف الدولة فى الراحة مما ينظر ويسمع ، فرحل المتنبى إلى مصر ، وأسدل الستار عن فصل من رواية المتنبى وإن كانت الرواية لم تتم فصولا .

وفى الحق أن الزمان أخطأ فوضع المتنبى في غير موضعه ؛ أعطاء نفس ملك ولسان شاعر ، ووقفه بدف

على أبواب الأمراء يمدحهم ، وهو إذ يمدحهم يرى منزلته - حقا أو باطلا - فوق منزلتهم ؛ فكان شأنه شأن كثير من الناس لا تتلاءم نفسيتهم ومنصبهم ، نفس رئيس ومنصب مرء وس ، أو نفس حرب ونضال ومنصب ذلة وهوان ;

وهدان المنصران إذا اجتمعا سببا شفاء صاحبهما ؛ لذلك كانت نفس المتنبى فائرة دائما , ومن يدرى ؟ لعل ما منحنا من شعر جزل جميل كان نتيجة هذا العناء ، ولو تلاءم منصبه ونفسه لأخلد إلى الراحة ؛ فكم كان الشقاء والبؤس والفقر والاضطهاد والعذاب نعمة هى الانسانية مما أخرجت من شعور نبيل وفن جميل .

وبعد قمع هذا كله لم يجد المتنبى عوضا عن سيف الدولة فى علو شأنه وكرمه وعربيته وذوقه وفروسيته وخرج ينشد الملك فى مصر وغير مصر فلم ينل ملكا ولم يجد ممدوحا ينطقه بالمعانى كما أنطقه سيف الدولة ، وعرض فى أول أمره بمصر بسيف الدولة ، ولكنه ادرك الحقيقة المرة بعد ، فتاب واناب وندم على ما كان ، وحن إلى سيف الدولة وحن سيف الدولة إليه ، فيقول من قصيدة فى غير ديوانه :

عثرت بسيري نحو مصر فلا لما  

                 بها ولعا بالسير عنها ولا عثرا

وفارقت خير الناس قاصد شرهم  

               وأكر مهم طرا لألأمهم طرا

فعاقبنيى المخصى بالغدر جازيا    

                لأن رحيلى كان عن حلب غدرا

وما كنت إلا قائل الرأى لم أعن

             بحزم ولا استصحبت في وجهتي حجرا لقد كان المتنبى حين فارق سيف الدولة يعتقد أنه غدر به  فيقول :

حسبتك قلبى قبل حبك من نأى  

             وقد كان غدارا فكن أنت وافيا

ولكن مرور الزمان ، وتكشف الحوادث وخيبة الأمل فى غيره جعلته يرى غير رأيه الأول ، وأن المتنبى لا سيف الدولة كان هو الغادر ، إذ يقول : " لان رحيلى كان عن حلب غدرا "

وحن سيف الدولة إلي المتنبى ، فبعث إليه ابنه من حلب إلى الكوفة ، بعد أن خرج من مصر ، وبعث إليه مع ابنه هدية ، فكتب إليه المتنبى قصيدته التى يقول فيها :

ليس إلاك يا على همام

             سيفه دون عرضه مسلول

أنت طول الحياة للروم غاز  

           شتى الوعد أن يكون القفول

ما الذى عنده تدار المنايا  

              كالذى عنده تدار الشمول

من عبيدى إن عشت لى ألف كافو

                          ر ولى من نداك ريف ونيل

ما أبالى إذا اتقتك الليالى          

                           من دهته حبولها والخيول

ثم بعث إليه سيف الدولة كتابا بخطه يسأله المسير إليه ، فاعتذر بالوشايات:

وما عاقنى غير خوف الوشاة  

                 وإن الوشايات طرق الكذب

كان ذلك فى سنة ٣٥٣ ، ولم تطل مدة المتنبى بعد ، فقد قتل فى السنة التى تليها ، وهى سنة ٣٥٤ ، وكلاهما يحمل نفسا حبيبة إلى صاحبه .

(انتهى )

اشترك في نشرتنا البريدية