الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 226الرجوع إلى "الثقافة"

فى الأدب القصصى الحديث، ١ - زينات - للأستاذ حسين عفيف، ٢ - شعاب قلب - للأستاذ حبيب الزحلاوى

Share

فرغت قريبا من مطالعة كتابين ، أولهما : زينات أو التكفير ، رواية للأستاذ حسين عفيف المحامى . والآخر : مجموعة قصص عنوانها شعاب قلب للأستاذ حبيب الزحلاوى . ولعل اظهر ما خرجت به من هذين الكتابين ان كلا منهما يعبر عن شخصية صاحبه اوضح تعبير ، بل يكاد يفصح عن أسلوب حياته ، ومناحي تفكيره ، ودخائل نفسيته . وإنها لميزة جديره بالذكر ان تكون للكاتب شخصية توحي إليه بما يكتب ، وتصدق في دلالتها عليه ، وتعريفها به .

فأما صديقنا الأستاذ حسين عفيف ، فكتابه هذا يختلف عما سلف من كتبه بأنه رواية تامة المعنى القصصى ، ولكنه مع ذلك يحمل طابع الأستاذ ناصعا وشخصيته

مركزة كما هما في سائر كتبه التي هي أقرب إلي الشعر المنشور منها إلى القصص . وفي حسباني - وإن لم اكن أعرف الكثير من شئون حياته - أنه صادف حياة ممهدة فيها من الرخاء واللين والدعة . بيد أن سماء هذه الحياة لم تخل من فتام معترض بظلها بالسواديين حين وحين . فللأستاذ شخصية وديعة محببة ، وأنت إذ تجالسه تلقى نفسك أمام شخص تسوده الأناقة الأصيلة في كل مظهر من مظاهره : في الملبس ، وفي الحديث ، وفي التلفت ،

حتى في قسمات الوجه . . وإنك لتحس مع ذلك روحه العاطفية الصافية تعبر عنها عيونه الحالة . . وما من شئ فيه إلا أشعرك أنك قبالة " شاعر " بأوفى ما تحمل هذه الكلمة من جميل المعاني والصور . ومهما يتحدث إليك حديثه المنطقى الذي يهيمن عليه العقل الواعي فإنه ليس بقادر أن يكتم عنك نفس المشاعر الجياشة بأسرارها اللطاف !

فإذا رجعت تطالع كتبه - لا سيما أحدثها " زينات "- وجدت هذه الشخصية مشرقة بخصائصها تتنقل بين صحائف روايته كأنك تتهادى في جميلة نضرها الربيع ، فثم اعتلال

النسيم ، وخرير الجدول ، وشذا العطر ، وبهجة الزهر . وفراء الأستاذ يعرفون له الأناقة في شتي مؤلفاته ، وربما كانت هذه الروايه آنق ما ألف ، فالعبارات جميعها منتقاة منتخلة ، وتتابع الجمل تشيع فيه موسيقية خلابة ، والمعاني تبع رائق سلسال لا يشوبه كدر . وإنك لتتبين خلال الرواية روح الصوفية التي تجنح دائما إلي الخلاص من عالم الحقائق لتنعم بالمنى فى الأفق الأعلى !

ويبدو لي أن الغيوم التي أسبلت سترها على حياة الأستاذ ، جعلته يكره واقع الحياة ، وبعثته على أن يتلمس الراحة النفسية في عالم أرحب جانبا ، وأوفر من المتعة والجمال حظا . . وكأنى به يبغي ان ينشئ دنيا هي دنياه ، ثم يحاول ان يجعلنا نعيش فيها معه . . وما امتعها دنيا تلك التي يريدنا ذلك الشاعر الفنان على أن نسمو إليها ، وتحلم كما يحلم بها : نغتسل من الكوثر السماوي الصافي ، مغفلين الحياة الواقعة بما تحوي من مرارة وألم !

وقد يؤخذ على الأستاذ بعض الإغراق في تلك الأحلام ، حتى إننا لنتلفت حوالينا بعد قراءة الرواية ، فنستشعر أننا في هذه الدنيا غرباء . . ولكن مرد ذلك إلي أننا نجد الأستاذ يشاء عامدا أن يتسامى بنا ، أن ينفي عن دنيانا صبغتها ليهبها لون السماء !

وأما الأستاذ حبيب الزحلاوي ، فكتابه حقا " شعاب قلبه " . فإن تعرفت حياته عرفت أنه شخص عرك الأيام ، وذاق الكأسين ، لأن حظه من العيش لم يدع له مسلكا سويا ، فتقلب بين الوهاد والربى ، فكان من أثر هذا ان حن إلي الفلسفة ، وأطال التأمل فيما حوله ، ويخيل إلي أن خيبة الأمل أدركته فيمن صادفهم من الناس ، فسدد إلي مجتمعه نظرات نقمة وقساوة ، وطوي جوائحه على توجس وحذر من البيئة التي يخالطها وتخالطه واتقدت فيه غريزة

الهجوم صوناً للنفس ، ولعل هذا سر ما كان من عنفه في كتابه الأول ، وثورته فيما نشرته الصحف له من نقد . فهو محفوز إلي الهجوم بعقله الباطن ، ولكنه الهجوم المؤيد بالمنطق وحدة الذكاء ودقة الملاحظة .

وفي الكثير من صحائف " شعاب قلب " آثار المرارة والسخط والتنكر للحياه والناس . ولكن فيه إلى جانب ذلك استقرارا وهدوءا وسكينة ، وفيه لمحات إلي الحياة يعين الرضا . وإن هذا ليمثل حياته التي انتهى إليها الآن . فالكتاب في مجموعه مرآة للطورين المختلفين ، ولا يتعذر على القارئ ان يدرك ما بينهما من تفاوت ، فهناك خواطر فلسفية ، ونظرات عميقة ، وافكار متوثبة ، وهناك ايضا أمن وصفاء ، وروح وريحان .

والنظرة الإجمالية لهذه القصص تكشف لنا أن لها طابعا نفسانيا ، فالكاتب معني من الموضوعات بما يتصل بالنفس واستجاباتها للحياة . ولهذا العامل في التحليل قيمته في فن القصة ، وقد وفق الكاتب توفيقا محمودا فيما عرض من أزمات نفسية ، وفيما اتبعها من تأملات

وشخصية الأستاذ تظل أيضا من أسلوبه ومنحي تعبيره ، ففي جمله ميل إلي الصلابة والجد ، وفي عباراته ما يشعر القارئ بأن المؤلف فيلسوف يحمل على كاهله عبء الإفهام والإبلاغ ، فهو يرسل جوامع الكلم . وينثر نوابغ الحكم ، وهذا ما يشعر به أيضا جليس الأستاذ ، فهو على دماتة خلقه وسهولة نفسه ، يبدو في رزانة الحكماء والشيوخ الذين خلفوا وراءهم الماضي السحيق ، وأحاديثه دائما لا تخلو من الآراء الفلسفية التي تعتلج في رأسه ، ولذلك تراه في شخصيات قصصه لا يفتأ يسير غور نفوسهم ويحللها في منطق متزن لا تخطئه النتيجة الصحيحة غالبا .

وقصاري القول في منحي الأستاذ القصصى انه يعني بالتركيز أكثر من التبسط ، ويهتم بالإفادة أكثر من

التلهية . بيد أننا نأخذ عليه في غير مواربة أنه يلجأ أحيانا إلي الإدماج والاقتضاب ، ولهذا خلا معظم قصصه من الحوار الذي هو عامل في الفن القصصي له خطره الأكبر . وفي بعض هذه القصص يشعر القارئ ان المؤلف يحدثه بنفسه ، دون أن يرتب من الحوادث ما يغني عن الإخبار والتحدث .

على أن قارىء هذه المجموعة الطبية يخرج من قراءتها وهو يحس انه امنع ذهنه ورفه عن نفسه بما شاهد من صور حية وظواهر نفسية جديرة بالتسجيل والتقدير .

اشترك في نشرتنا البريدية