دفعني موج الذكريات إلي أرض الذكريات . فذرعت الرمال والسهول بين وادي الملوك ووادي الملكات .
وإستلهمت الوحي مما مضي وولى وترحمت على من قضى ومات ، وهتفت في جنبات نفسي : هيهات نحن من هؤلاء ، هيهات . وعجبت لشعب ورث ذهباً ضخماً فأحاله إلى تراب وذرات ، ومن قوم نسوا الماضي وانغمسوا في عبث وملذات ، فكفروا بنعمة خالق الأرض والسموات ، وحقت عليهم الذلة حتى يوم تبعث من قبورها الرفات .
ولا تظن يا أخي أنني ذهبت إلي هناك لأنني كنت أنسي إفتقادي إياك لعالم الأبرار منذ ثلاثة شهور فصار ، وأقسم لروحك أنه لم يكن النسيان وإنما هو نشدان السلوى في موج غامر من الأسى يبلغ الجبال طولاً ، ولو شئت لبقيت مغموراً دون أن يطفو مني الرأس أو الجسد ، ولكن هي الأمواج ترفع وتخفض ، فكنت أجد نفس أحياناً على الشاطئ زاحفاً دون وعي وسط ظلام دامس ، ولكنني على الأرض على أي حال ، أدب كأي مخلوق يسعى وراء الحياة والرزق ، ثم لا يلبث الجزر أن يحيز في إلى الأمان ثانية ، فأغوص في خضم البأس والإستسلام ، وكنت أنتصر حيناً وأهزم حيناً حتي دفعني فيض الكأس إلي الهجرة إلي واد سحيق قيل لي عنه إنه خير مكان لدفن الذكريات ، ووالله ما غبت عن خاطري ولا ناظري لحظة ، فكنت كلما تبعت الدليل إلي داخل قبر في وادي الملوك هتفت من قلبي محببا الأرواح الهائمة حولي عسى أن تكون روحك بينها تتبعني في عتاب ورجاء وكنت كلما أشار الدليل بأصبعه المحايدة إلي تابوت حجري يخيلتك مسجمى بين طيات الثري جسداً هامداً ورفاتاً لا يؤنسها في وحدة قاتلة سوي حجر وسكون وتراب ، وياليتك جلت في خاطري وأنا أنظر إلى صورة عجل منقوشة في حجر كبير بأحد المعابد ، فتخيلت العجل الصغير الذي
ضحينا به وأنت تغادر الدار ، وتذكرتني وأنا جالس على مقربة منه أنظر إليه وبنظر إلي نظرات كلها تضرع وعتاب ، وكأنه يقول لماذا تذبحوني ومحمود معي ، أطلقوا سراحي وأنا أشفع له عند من يفهمنا جميعاً بلساني وعقلي كل قطرة من دمي الذي سوف يراق عبثاً ، وتذكرتني وأنا أنظر إليه قراراً وأقول وأنا أزم شفتي في تصميم ضعيف الحيلة الذي وجد للانتقام من قسوة القدر منفذاً : هيهات لك هذا !
من ذا الذي يشفع لك عندي وفي يدي روح أقبضها متى شئت لأربط مصيرها بمصير من أحب ، بالى من قوي في ساعة ضعف ومقرور في لحفاة أنهيار وهوان ! والحقيقة أيها العجل أنني راجعت نفس فيها بعد وقدمت على مجرد خاطري نحوك ، فكنت كلما زرت والدتي الثاكلة ورأيت آثار دمك عند عتبة الدار وقفت عندها وتأملت كثيراً وترحمت على من ذبحث فداءه ، وقرات الفاتحة التي لابد أن يناتلك منها نصيب ، فقد خلقكن الله كما خلقنا ولابد أن لكن حياة أخري كالتى وعدنا بها ، ألسنا نستوي جميعهاً أمام الله : الحشرة الحقيرة والحيوان الأعجم والإنسان المغرور والله أعلم أينا المفضل عند الديان الذي لايعرف عند الحساب غروة ولاجاهاً ولامالاً ولاملكاً ، وهو الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما
وأقسم لك يا أخي أنني كنت ذات يوم أستع إلي الدليل ( عبد السيد ) وهو يشرح صورة موكب جنائزي فلما أشار بأصبه المحايدة إلى الكهنة وهم يرتلون صلات الجنازة تذكرت نفسي وأنا جالس في الصيوان علي بعد أمتار من غرفتك ، وكيف غاصت روحي إلي قدمي وإنا أسمع الذين يقومون بواجباتهم الأخيرة نحوك وهم يرتلون الصمدية أي ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) بصوت كان يعلو وينخفض وبسرع ويعلي لم أذر لماذا ، ولكنهم لما قرأوا الفاتحة أدركت أنهم انتهوا من صب الماء الساخن ثم إلباسك الرداء الأخير الذي
كان كل ما خرجت به من هذه الدنيا الزائلة ولابد أن روحك قد رأت كيف تهادت آلئك الحياة بمثل الروعة التي كنت عليها إن حياتك معذرة يا حبيبي علي جريمة نشدان السلوي بين الوديان والرمال ، فما كان هذا والله بنسيان بل مجرد محاولة لنقل صورة طيفك التي لانود أن تفارقني ، من العقل الظاهر إلى العقل الباطن الذي تدفن فيه أعز الذكريات وأحلاها .
إذا شئت أن تسافر إلي جهات بعيدة كالإقصر أو أسوان مثلاً فلا تستعمل من مهمات سكة حديد الحكومة المصرية إلا القضبان والقاطرة ، أما ما عدا هذه فإرهاق وكلال وملل إن الفرق بين تكاليف عربات النوم التابعة لشركة أجنبية والعربات التابعة لصاحتنا الحكومية لا يعدو بضعة جنيهات لاترهق المقدم على رحلة طويلة كثيرة النفقات ، إن المسافة بين العربتين لا تعدو بضع الخطوات ، ولكنك تشعر بانتقال غريب من جو إلى جو . فموظفو عربية النوم من طينة أخرى مشبعة بطابع اللياقة وإحترام الغير ونظافة المظهر ، وكلها طباع لا تكلف صاحبها شيئاً ، ولكنها هداية من الله أسبغها على هؤلاء الأجانب بسخاء فإستغلوها أحسن إستغلال حتى يزوا غيرهم في تأدية الواجب على الوجه الأكمل . لو علم الشرقى أن من أسهل السهل عليه أن يكون مؤدباً أليفاً في معاملة الناس ، لزالت من سحنته غيرة التحدي التي تلحظها في صغار المحتكين بالجمهور من موظفين في أول درجات السلم بنصبون من أنفسهم آلهة ويعاملونك بطريقة لا يمنعك من صفعهم بسببها إلا الأدب الذي لا يكلف شيئاً !
تصل مدينة الأقصر فيستقبلك الضجيج المصري العادي علي الأرصفة وفي الطرقات ، وتحملك عربة الأجرة حملا إلى الفندق خلال شوارع من أقذر ما شاهدته العين .
حتى تصل بك إلى الجنة الموعودة وهي شارع البحر ، وهناك تبتهج نفسك بعض الشئ إذ تجد الفنادق التي ليس لمصري فضل في تأسيسها وتأثيثها ، ولكنها ترحب بك ترحيباً عظيماً وتندق عليك من حسن المعاملة ما يجعلك تنسى أنك غريب في بلدك ، وهذا هو فن الاستعمار المدني الذي يأسر القلب ويسلب ما في الحبيب وأنت قانع مسرور . وفي الأقصر عدة فنادق من الطراز الأول تشرف على النيل الذي تململ من فرط ما اعتززنا بطميه الأسود وإنسيابه الخالد بين الشاطئين ، ويلفت نظرك معبد الأقصر بأعمدنه الضخمة التى يمكنك أن تميز خلالها تمثال رمسيس الثاني وقد وضع بحيث يتجه نحو الرامسيوم على الشاطئ الغرب ، وبقع معبد الإقصر على الشاطئ الشرقي ، بين الفنادق ومنازل الأعيان من أهل المدينة ، فتعتاد العين رؤبته لأنك تمر عليه في الذهاب والإياب ، حتى إنه لايكاد بلفت نظرك في الأيام الأخيرة من رحلتك ، وما أرخص الشئ إذا إعتادته اليد والعين والنفس وما أعزه إذا ترفع وشح وبدر . وفي هذا المعبد بالذات بدأ موكب الشعلة وكان لي حظ سماع خطبة ضابط عظيم إقتبس فيها بضع كلمات من دعاء نصف شعبان المعظم ليضفي عليها من السحر والحلال ما يتناسب مع خمامة مظهره وروعة المناسبة
وبجانب هذا المعبد العظيم يوجد مقام متواضع لشيخ يتبرك الناس به ولا يعذم كل صباح زيارة سيدتين أو ثلاث يخلعن نعالهن في خشوع ويجلسن تحت قبته المتواضعة بتحدثن وبتسامرن وقد وضعت كل منهن يدها على خدها تشكو للأخري عوادي الزمان ودلال الزوج ، فلا تنس أن تقرأ الفائحة على روحه عند زيارتك للمدينة ، فلعل في قراءتها عزاء وسلوي لروحه التي تحتمل كل هذا وهي صاغرة .
وفي الفندق قابلت صديقاً طبيباً لعله المتزوج الوحيد في العالم الذي لم تخنه إبتسامته منذ أن تزوج ، وكان أول
ما رأيت منه ظهره الذي تضخم نتيجة ترهل معقول ، وأقسم أنني رأيت الابتسامة مرتسمة على ظهره قبل أن يستدير بوجهه في اتجاهي ، وقلت لنفسي لا بد أن هذا فلان ، وقد صدق حلمي ، وجلست معهما أنامل في التي روضت هذا المتمرد القديم ، فوجدت أدباً وخلقاً جديرين بالاحترام ووجها إرتسمت عليه نصف إبتسامة دائمة أعتقد إنها تلازمه في الصحو والمنام ، وكنت أينما أراهما منفردير في آية ساعة من ساعات اليوم أدهش للبسمة المريضة على وجه الزوج مقرونة بدعابات مستمرة بسرها في أذانها من فوق كتفها فيتحول إشراقها الدائم إلي ضحك خافت مكتوم يهتز له الزوج طرباً ، ولقد مضت على هذه الحال عشر سنوات ، فيالها من سيدة وباله من زوج !
ولا بد أن تقودك قدماك إلي معبد الكرنك ، وإذا كنت ممن بترنمون بأغاني عبد الوهاب فانك لابد مردداً أنغام أغنيته الجميلة وأنت تسير بين أرجائه مأخوذاً مدهوشاً لعجائب أجداد لسنا بهم جديرين ، وعندما يفسر لك الدايل الرموز المنقوشة على الجدران وتفاصيل المعارك ورجوع المنتصر تتساءل بينك وبين نفسك قائلا :
أين يا أطلال جند الغالب
أين آمون وصوت الراعب
والواقع أن هذا المعبد فخر للأولين والآخرين . وياليتنا نري ونتعظ ونثبت للعالم أننا بأجدادنا جديرون ، ويكفي أن تسير في طريق الكباش وتدخل من بابه لتدرك أنك مقبل على زيارة مجد غابر لأمة كانت عظيمة ، ولو حافظت على تراثها لكان لها شأن أى شأن .
أما زيارة وادي الملوك فتستلزم منك رحلة نيلية إلي الشاطئ الغربي ، وهناك تخرج من مقبرة لتدخل أخرى ، وفمك فاغر من فرط الدهشة ولاسيما لجمال ألوان الطلاء التي يخيل إليك لأنها من صنع الأمس القريب رغم مرور أربعة آلاف سنة عليها .
ويدهشك أثناء كل هذا أن العنصر المصري بين الزائرين نادر حقاً ، بينها إقبال الأجانب وخاصة ضباط الخليفة وضابطاتها يدعو إلي الدهش والاستغراب .
ولن أنسي وأنا أغادر القندق في اليوم الأخير في ساعة مبكرة ، إذ كان بعض السادة والسيدات من جيش الخليفة على وشك بدء رحلة إلى الشاطئ الغربي ، وكنت أودلك أن تري علامات المرح والإنشراح على السيدات منهم ، وكأنهن مقبلات على غزو كبير مضمون ، وخيل إلي لفرط نضارتهن أن عشر ساعات على الأقل قد مضت منذ استيقا ظهن الذي لم يكن مضي عليه سوى ساعة أو أقل . ووقفت بجانبهن أربع سيدات مصريات قضين الوقت في تثاؤب وتثاقل وكأنهن مقدمات على واجب غير مرغوب فيه ، مع أن الأجداد جدودنا والآباء آباؤنا ، وكنت تسمع الانجليزيات يترنمن بأغنيات رقيقة ، مجيب كيف طاوعتهن حناجرهن على إخراجها في هذه الساعة المبكرة ، ورنت ضحكاتهن ونغماتهن في أذني وأنا أبتعد عن الفندق في عربة ترفع الكل على راكبها وسائقها وخيلها ، وإختلطت في ذهني ذكريات الرحلة الممتعة الحلوة ، ولم يخطر على بالي سوي بضع كلمات من أنشودة الكرنك التي يغنيها عبد الوهاب
أنا هيمان وباطول هيامي
صور الماضي ورائي وأمامي

