١ - توطئه:
فامت نهضتنا الفكرية - أول ما قامت - على انبعاث الشعر ثم نلاء النتر وما أبطا أن فاقه . وجاء من بعدهما العلم يتدرج من جانب النقل إلي جانب الوضع ، ثم انبثقت ألوان أخري من النشاط الفكري كالنقد والقصص والاسترسال Essal Essay والمبحث ، وقد ساير هذه الألوان ألوان متفاوتة من النشاط الفني ، فكان النحت والتصوير ، وكانت الموسيقى . ثم تساند النشاط الفكري والنشاط الفنى فحرح علينا المسر ح واره ستاركنا ننظر إليه مؤخر العين ، لما كان عليه من الابتذال والركود . كيف قامت هذه النهضة وكيف انبثقت تلك الألوان ثم تسابرت وتساندت ؟ ذلك حديث يستهوبى أي استهواء ، ويشغلني من زمن ، غير انه يطول وبنشعب .
وكلامى ههنا على المسرح بل على ناحية منه : التأليف المسرحي . ولك ان تعترض على ان اهمل مبادئ نهضنا الفكرية وتواليها إذ أميل عند خاتمة مظاهرها . والحق ان المبادي أمست تلحق بتاريخ الأدب فلا تمنينا إلا بقدر ما نلتفت إلي ما مضي ؛ وأما التوالي فها هي ذي استتب أمرها أوكاد ، حتى إن النظر فيها لا يتعدى باب النقد . وأما المسرح وما يتصل ( وكذلك " السينما" وحديثها يطردنا من ميدان الأدب الخالص ) فلا زال في فاتحة امره ينشأة مسرح الفرقة القومية " ، وفي بدنا أن نهز هذا المسرح فنئنيه إلي هنا او نطلقه إلي هناك ، لأنه عود رخص
قريب عهد عمر غرسه . فان تركناه وشأنه نما على غير وجهة ، حتي إذا اشتد علي ميل وغلظ علي فساد أعجز المقوم وأعيا المصلح
وإذا قلت إن المسرح العربي يصعد إلي القرن الماضي ، فالذي اذهب إليه انه لم ينزل منزلة الفن الصرف ولم يبذل في سبيله شئ يذ كر : فالؤلفون والنقاد صرفوا عنه من هممهم ، والنظارة عدوه لونا من الوان الفكاهة ساعة بهزل ، وضربا من ضروب النسلية يوم يجد ، واما الحكومة فلم ترعه إلا تماما ؛ وإنما الجهد اني من ناحية المثلين انفسهم ، وقلما صنعوا شيئا ؛ لأنهم جعلوا اهواء الجمهور نصب أعينهم ، ولأنهم كانوا إلا أقلهم غير حداق .
يقول ناس بأن مسرح الفرقة القومية في تقدم ، ويري غيرهم خلاف ذلك . وعندي أن قضيته تنحصر في هذا السؤال : " هل المسرح متجه في نشأته اتجاها مرضيا " ؟ والجواب قريب ؛ ذلك انه لا بد المسرح ، على وجه عام ، حتى ينهض من عناصر معلومة : المسرحيات المؤلفة والمثلين والمثلات والمخرجين والنظارة . فإذا انت فحصت عن هذه العناصر عندنا استقام لك الجواب . ولأستهل البحث بالفحص عن المسرحيات :
إن التأليف المسرحي أجنبي عن آدابنا ، فليست له تقاليد عربية . وهذا امر حسن من وجه ، قصته ان التقاليد الأدبية إن امدت بالإشكال والأوضاع ، فإنما تهدد بأن تشل الأقلام وتضغط القرائح . وحسبك الشعر عندنا مثلا على ذلك : أفلا نراه ، إلا في النادر ، محيط ابيات لا تهب فيه عاصفة ولا يصفق موج ، محيطا لزوارق لا لسفن . هذا وليس شأن المسرح شأن الموسيقى السائدة عندنا ، فقد سقط الغناء ، وجمد العزف ، وماتت الالحان الصالحة ، فهب قوم من أهل الصناعة بغيرون على اغاني
الفرنجة فيمسخونها ويسلكونها في تلاحينهم عن غير درابة وبغير ذوق . ونحمد الله ان هنالك نفرا من الملحنين يعقون عن مثل هذا فيبزعون إلي فن سليم .
المسرح العربي مثله كمثل التصوير والنحت ، والفنانون عندنا أخذوا اصول الصناعة عن الفرنجة ، لان التصوير في الإسلام رقيق الشأن
وكأني بك تقول : فعلي المسرح العربى إذا ان يتخرج على المسرح الأوربي أولا وآخرا ، وحجتك القائمة أن أصحاب الفرق التمثيلية في الشرق العربي راحوا هذا يطلق يده في مسرحيات ( موليير ) وذاك يقتبس من مسرحيات ( اسكندر دوماس) الابن أو ( سناردو ) وثالث يؤدي بالعربية مسرحيات شكسبير ، فضلا عن ان المؤلفين يترسمون خطط أصحابهم الفرنجة ويحاكونهم .
والذي يبدو لي أن المسرح عندنا ينبغي له أن يستقل بلون يعرف به أو يحاول هذا ؛ حتى يقال " المسرح المصري " كما يقال " النحت المصري " أو كما يقال مسرح بلدان الشمال والتصوير الهولندي . وبعيد ان يكون هذا بمعالجة القضايا الاجتماعية علي خشب المسرح ، وباراز أشخاص ، على رؤوسهم طرابيش وفي أرجلهن خللاخيل ، حسبما يظن بعضهم :فانما هذا لون خارحي ، على حين اللون المقصود تسويه وجهة معينة ، تستمد خطتها من حركات النفس التأثرية ومن تقاليد التصورات الفنية . وينضاف إلي هذا أنه من العسف أن تعد كل شئ يحصل في أوربة علي جانب من جلالة الخطر وعظم الشأن . وفي المقالات المقبلة ، سأبين الحال التي انتهي إليها المسرح الأوربي لهذا العهد ، وأعرض الأسلوب الذي به تنحو نحونا ، على قدر ما يستطيع خلق الله ان يتجنب بعضهم اثر بعض .
