الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

فى التقريب بين لغة الحديث ولغة الكتابة

Share

هي " لغة الحديث ولغة الكتابة " لا " العامية والفصحى " لان التعبير الثاني فله حكم وتقويم يعقدان البسيط ويفتحان الباب للجدال . وقد لخص المسألة احمد امين كما يأتى :

" ولعل من اهم المشاكل التى تواجه العالم العربى الآن استخدامه لغتين : عامية وفصيحة ، والفرق بينهما كبير يستعمل احداهما في البيت وفي الشارع وفي المجالس ويستعمل الاخرى فى الكتابة والقراءة ، ولم تنجح اية محاولة في التقريب بينهما وهذا أضعف من اللغة الفصحى لانها لم تكتسب الحيوية التي تأتي من طريق الاستعمال اليومى ، وأضعف اللغة العامية لانها لم تستفد مما ينتجه الادباء والشعراء. ولا تزال المشكلة عويصة تتطلب الحل من المصلحين . " (1)

موضوع هذا البحث هو بيان بعض الاسباب التى تؤخر التقريب بين لغة الحديث ولغة الكتابة في البلاد المتكلمة بالعربية.

(1) فى سنة ١٩٥١ نشر الشاعر اللبنانى ميشال طراد مجموعة قصائد بلغة الحديث اللبنانية ، وكتب المقدمة لتلك المجموعة الاديب اللبنانى سعيد عقل كتبها كذلك بلغة الحديث اللبنانية . واليك نماذج من تلك المقدمة :

" كان كل شى بالطبيعا عميوعد بنجمي جديدي . .الصخر ما عاد يقبل بطيلع بس سبل . . كانت بلشت تنسهر وتوجع ، تحكي للحلوي . توشوشا . . التصوير كان من خمسين سنى بلش لعبتو . داوود القرم مش شي عادي . والفلسفي ما كان بقا الا تطل . ومثل اليوم نحنا بلهفى وعينين مجر و حا ناظرين تبليشة العلم . قصايد ميشال طراد مش تانيي بها الشعر . نفلكشتها بصبيعك فيك تقرا قصة الجمال

بالشرق . . اللى ما عصرتو الغصا عصرا اللى ما عقصتوها الحيي الدهما المشرقطا اللزيزي بيكون مثل كانوا ما إجاع الوجود " (1)

قرأت هذه المقدمة مرتين واعترف بأنى لم افهم منها الا بعض الجمل المتفرقة . واعترف مارون عبود ، وهو اديب لبنانى ، بانه قرأ تلك المقدمة اربع مرات قبل ان " يحكمها " (2) هذه حجة قوية على ان لغة الحديث لا يمكن ان تحل محل لغة الكتابة ، وان التقريب بين اللغتين هو الحل الطبيعي .

2) اثبت الاستاذ عبد الله كنون (3) ان لغة الحديث في المغرب الاقصى تحتوي على عدد كبير من الكلمات التي تستعمل في الحديث ولا تستعمل في الكتابة وهى مع ذاك " فصيحة " ومثل ذلك يمكن ان يقال بالنسبة الى بقية اللهجات العربية . فاجتناب الكتاب لاستعمال هذه " العامية الفصيحة " من الاسباب التي تؤخر التقريب بين لغة الحديث ولغة الكتابة .

3) " فى القرآن سبع لغات متفرقة هى الحيشية والنبطية والسريانية والفارسية والطحاوية والرومية والعربية . . فان قيل : كيف يجوز ان يكون في القران غير لغة العرب ؟ وقد قال الله تعالى " قرآنا عربيا " وقال " بلسان عربى مبين " . قلنا : ان الكلمة وان كان اصلها من لغة اخرى ، فانها اذا عرفت فى العربية ، واستعملها اهلها ، فقد صارت عربية كسائر ما تتخاطب به عليه العرب من كلامها ، لذلك جاز ان يخاطب الله بها العرب . " (4)

هذا موقف بعض القدماء من المعرب والدخيل وهو موقف عملى صريح . اما نحن فاننا نتسامح كل التسامح فى استعمال الكلمات الاجنبية في الحديث ، ونتشدد كل التشدد فى استعمالها فى الكتابة فنباعد بذلك بين اللغتين . نقول راديو وتلفون ودكتل ، ونكتب مذياع وهاتف وراقنة .

4) عرف شكيب ارسلان الشعر فقال : " الشعر قول ثقيل وعب ، عقلي باهظ لا يستقل به سوى الخناذيذ القرح والمغاوير السبق ، ولا يجيده الا النساخون الكمل أولو القوة الباهرة والمنة الوثيقة ) " واعجب مصطفى لطفي المنفلوطي بهذا التعريف فادخله فى " مختاراته " ( ١  واقبل قراء العربية على تلك المختارات فبلغت الطبعة الرابعة الخناذيذ ؟ القرح ؟ الناخون ؟

يظهر ان الكتاب والقراءة يشتركون في هذا الميل الى غير المألوف من الالفاظ والتباهى بمعرفة الغريب منها ، والاكيف يعلل انتشار مختارات المنفلوطى هذا الانتشار وبلوغه الطبعة الرابعة وهو ليس من الكتب المدرسية ؟

لا اعرف شيئا يؤخر التقريب بين لغة الحديث ولغة الكتابة مثل هذا الميل الى غير المألوف والتباهى بمعرفة الغريب والنادر .

اشترك في نشرتنا البريدية