فى بقعة من بقاع الأرض على خط الاستواء ، أو قريبا من خط الاستواء ، فى أدغال إفريقية ، تقوم قرية (( باجو )) فى قبيلة الباغول . وهى قبيلة تعيش على ما ينتج الشجر الوحشى وبعض ما تخرجه الأرض بعد تأنيسها . وكذلك تعيش على الصيد ، وتحمى حياتها من غوائل الانسان والحيوان بالحراب . من أجل هذا كان (( سلاح )) القرية من أجل رجال القبيلة وأخطرهم شأنا . وهو ليس سلاحها فحسب ، بل هو سلاحها وحذارها فى آن . وتدخل حانوته ، إن صح أن تسمى مصنعه المفتوح إلى السماء حانوتا ، فتجد الرجل وولده وأهله فى شغل شاغل يجهزون لرب الصناعة الخطيرة كل ما تحتاجه صناعته من مؤونة وهو يستعين بالرجال والنساء من غير أهله وولده فى تحضير ما يلزمه من حوائج كثيرة .
فطائفة تنزل إلى الجبل القريب فتحمل منه (( البنجا )) وتعود بمقدار لا بأس ، يقضى حاجة المصنع أسبوعا أو أسبوعين . وعلى قلة هذا المقدار - فهو لا يبلغ غير حمل أربعة رجال أو خمسة - فقد قضى هؤلاء الرجال فى حمله بضعة أيام . وسبب هذا أن حجر (( البنجا )) فى تلك الأنحاء ليس كله مما يقبله شيخ المصنع ، فقد علم بالوراثة عن أبيه ، وعلم أبوه عن جده ، أن خيره يكون ذا لون أحمر خاص له ظل لا تتميزه إلا العين الخبيرة . وكثيرا ما كان يعمد الشيخ إلى طحن هذا الحجر ليميز طيبه من خبيثه ، ثم هو يمزج طحينه بشىء من الدهن الساخن ، ثم يرسم من الدهان الناتج خطا على ذراعه ، ثم هو بموجه فى الشمس ، ومما يتراءى له من ضيائه فى الشمس ، يقضى بكفايته أو بقصوره . على أن الذى يقصر منه عن أغراض الصناعة لا يطرح أبدا ، وإنما يحول إلى
أغراض الصبغ فى الأدهان ، فهذه كانت مما تحتاجه القبيلة أيضا .
وتقوم طائفة أخرى من رجال المصنع ، أو التى تلتحق بالمصنع ، بجمع الخشب الأخضر من فروع الشجر وسيقانه فى الغاب ، ثم بتجفيفه ، ثم بتكسير الغليظ منه ، ثم بتكويمه وحثو التراب عليه ، ثم بإحراقه من إحدى جنباته ، ثم بتركه أياما لتسرى الحرارة بطيئة فيه ، ثم بهدم الكومة بعد برودها وإخراج الفحم منها .
وتقوم طائفة ثالثة على حجر البنجا فتكسره قطعا صغيرة تقف به بعيدا عن نعومة الطحين .
ثم يأتى دور العمل الأكبر والأخطر ، دور إخراج الحديد . وهذا لا يقوم به أحد غير الشيخ نفسه . فيأخذ يخلط الحجر بالفحم بنسب لا يعرفها سواه ، وهى نسب عرف بالخبرة وبالوراثة كيف يزيد فيها أو ينقص فيها ، تبعا لما قد يطرأ على جودة الحجر من زيادة أو نقصان . وهو يؤلف بين الحجر والفحم توليفة خاصة فى نظام خاص ، يحمل الفحم عند اشتعاله على إخراج أعنف ما فيه من حرارة ، ويحمل اللهب عند اندلاعه على الاتجاه بألسنته إلى بؤرة الكومة والتخلل فيها . وهو لا يقيم على تشغيل المنافخ - وهى من جلد حيوان ذى ظلف صغير كالماعز - غير المختار من أولاده ، فهو عمل لا يمكن أن يتقنه غير أولاد الشيخ . وهو عدا هذا عمل يؤهل إلى ما بعده ، إلى تقلد أمور الصناعة واكتفاء أسرارها . ويظل أولاده على النار يحبونها ساعات تقل وتكثر تبعا لصغر الكومة وكبرها . وكان الشيخ يميل دائما إلى تصغير الكومة حتى يتسع له اليوم لتكميل استخراج الحديد منها . فهو يعلم أن لا بد له بعد احتراق الفحم مباشرة ، أو وهو فى مرحلة احتراقه الأخيرة ، حين لا يبقى منه على الكثير الأكثر غير الرماد ، لا بد له من التعجيل فى جميع تلك القطع الصغيرة الكثيرة من
الحديد المتقد الأحمر ثم طرقها وهى حمراء ، وعجن بعضها ببعض لتلتحم وهى ساخنة ، وتتكون منها كتل كبيرة هى محصول ذلك اليوم السعيد .
ثم يخيم الليل وينصرم وتشرق الشمس فى الصباح التالى على خصاص القرية ، فيقوم صاحبنا يتم عمله الذى قطعه بالأمس . فقطع الحديد التى استخرجها بالأمس لابد من إحمائها من جديد وطرقها وتشكيلها ، لتكون سنا لرمح أو نصلا لسكين . لابد من إشعال نار الفحم مرة أخرى ودس الحديد فيها وإعادة طرقه . وقد كان فى غنى عن كل هذا لو أنه صنع كل هذا بالأمس ، والنار مستمرة والحديد لين طرى . حقا لقد كان فى غنى عن هذا ، ولكنه لم يفعل ، ولأمر ما لم يفعل . بل لأمرين لم يفعل : أولهما أن الميران علمه ، وعلم آباءه ، أن طرق الحديد يخرج منه شيئا سائلا كالماء ، أو هو كالزجاج المصهور ، يطيب مزاج الحديد بخروجه . فكلما زاد الطرق وتعدد وتكرر زاد الحديد جودة . وثانى الأمرين أن التجربة علمته ، والتجارب الطويلة القديمة علمت أجداده ، أن الحديد لا يشتد عوده عند السقى ولا يتصلب حده إلا إذا كان قد مس النار طويلا ومرارا ، وإلا إذا كثر فحم ناره .
بقى بعد هذا إخراج ما فى جوهر الحديد من الصلابة حتى ينفذ الرمح كالسهم ، وحتى يقطع النصل كالبرق . فهذا يحصل عليه شيخنا بطس الأسنة والنصال فى الماء عند خروجها من النار وهى حمراء ، فكأنما يسقيها .
هكذا يصنع اليوم الحديد من أحجاره بأرض السود . وهكذا كان يصنع فى القرون الخوالى - ما خلا قرونا أربعة سلفت - فى أرض البيض والصفر والحمر فى بلاد الله جميعا . وهكذا كانت الخبرة البدائية غير المسببة هى عماد صناعة الحديد فى القرون الخوالى ، ما خلا القرن الماضى وحده .
ونستثنى القرن الماضى ، أى القرن التاسع عشر ، لأنه
القرن الذى هل وعظام (( لافوازيه )) Lavoisier لم تكن بعد قد أنست إلى قبرها أنسا طويلا مقيما . فأبو الكيمياء الحديثة ، مبدع الأكسجين ومستخرج الأزوت ، ومفسر ظواهر الاحتراق جميعها ، قبض عليه رجال الثورة فى عام ١٨٩٤ ، وحاكمته محكمة الثورة ، ولم يمض على محاكمتها إياه أسبوع حتى صعد لافوازيه إلى الميقصلة فى ميدان الثورة بباريس فى نفس ذاك العام . ولم يكن بد من لافوازيه لفهم ظواهر الكيمياء . ولم يكن منه بد لفهم ما يجرى عند استخراج الحديد على شدة بساطة هذا الذى يجرى .
فبعد لافوازيه عرفنا أن حجر " البنجا " الأحمر الذى استخدمه سلاح قرية باجو فى قبيلة الياغول ، والأحجار الحمر أو الصفر الأخرى التى استخدمتها القرون من قبله ، وتستخدمها القرون من بعده لاستخراج الحديد ، ليست سوى أكاسيد من الحديد ، وعرفنا أن الفحم إنما كان ليأخذ من الحديد أكسجينه ، ويذهب به صمدا فى الجو كما تذهب غازات كل احتراق . ويتخلف الحديد فى النار وقد تحرر من قيد تقيد به دهورا جيولوجية طويلة لا يدريها غير علام الغيوب وظنون العلماء .
وتقدم الزمن فعرفنا أيضا أن الزجاج السائل الذى كان الحديد ينضح به عند الطرق والحديد ساخن ، إنما كان زجاجا حقا نتج مما كان بخامة الحديد من رمل وحجر جيرى . فالخامة من الجبل ، والجبال ما أكثر رمالها وأحجارها . وعرفنا كذلك أن لهذا الزجاج المصنوع بغير قصد فعلا جميلا بالحديد ، فبه تسهل تطرية الحديد بالنار ، وبه يسهل مزجه عند صهره . وهو فوق ذلك يحميه عند الطرق الساخن من الهواء بغلاف رقيق منه يلفه عليه فيشمله به من جميع جهاته فلا يمسه الهواء بسوء أبدا .
وإبراز ما فى جوهر الحديد من الصلابة باعادته إلى نار الفحم مرة ومرارا عرفنا سره أيضا . فتعلمنا أنه بذلك
إنما يشرب من الفحم بنسب يسيرة تدخل فى تركيبه فتسبب له تلك الصلابة . فصلابة الحديد سببها هذا المركب الجديد من الفحم والحديد ، إذ تتحد ذرات ثلاث من هذا الأخير بذرة واحدة من ذاك الأول فيتكون منها مركب نسميه كربور الحديد .
حتى السقى فضحنا أمره فالحديد الساخن ، وهو قبيل انصهاره ، يتوزع فيه كربور الحديد كما يتوزع الملح الكثير فى الماء إذا ذاب فيه ، أى توزعا منتظما عادلا . فإذا نحن تركناه يبرد ، انفصل الكربور كتلا كبيرة يباعد بينها الحديد . والكربور صلب ، والحديد طرى . فكأنما وضعت حجرا فى وسادة من قطن ، لا تنتج مهما صلب الحجر غير مجموعة لينة ضعيفة . والتشبيه بالطبع مع الفارق الكبير بين ليونة القطن والحديد . أما إذا نحن لم نترك هذا الحديد الساخن يبرد من نفسه ، بل هبطنا به من حرارته العالية إلى حرارة الجو الواطئة فى لمحات بطسه فى الماء ، لم يجد كربوره الصلب المتوزع فيه فرصة يتبلور فيها تلك البلورات الكبيرة غير النافعة فيما نقصد إليه ، وإنما يتبلور بلورات غاية فى الصغر تنتشر بانتظام فى كل الحديد وتتماسك فيه ، فيكون أدنى تحببا وأصلب مسا .
فالحديد إذا لا يشرب الماء ولا يسقاه ، إن هو إلا واسطة للتبريد السريع . وقد يستخدم الزيت ، وقد يستخدم غير الزيت من السوائل . ولكن الماء أسرع فعلا ، فهو لتقبل الحرارة أوسع صدرا وأرحب جنابا . فالسنتيمتر منه يحتاج إلى سعر كامل لترتفع درجة حرارته درجة واحدة ، وسائر السوائل تكتفى بكسر من السعر لترتفع درجة واحدة . والماء إذا بلغت درجته المائة غلى فطار ، وطار مع السنتيمتر منه ٥٣٧ سعرا من الحرارة . والماء عمل كهذا فى سن النصال . فسنان السكاكين يضع نصل السكين على عجلة دوارة من الحجر الصلد لتأكل من حرفها فيرق وترهف . فهو
إن فعل هذا على الجفاف سخن الحجر والنصل ، واشتد ما بينهما بالاحتكاك وتطاير الشرر منهما . ومعنى هذا ارتفاع درجة الحرارة فى الحديد . ومعنى هذا تغير قليل أو كثير فى تركيبه وتوزع جزئياته . ومعنى هذا أنه بعد السن يبرد على غير الحال التى كان عليها قبل السن ، فعلى غير الصلابة التى كان عليها قبل السن ومن أجل هذا يلجأ السنانون إلى الماء دائما يسقطونه قطرات على إطار المسن ليبرده ويبرد الحديد المسنون فيجعل حرارته كحرارة الجو العادى ، أو أقرب ما تكون منها .
فتلك هى صناعة الحديد على فطرتها الأولى ، هدت إليها التجربة قبل أن يهدى العلم ، ووصل الانسان فيها على نور البدائه الانسانية البسيطة إلى حد غير بسيط .
ومع هذا نجد فيها سجله تاريخ الانسان المكتوب ، وفيما قبل المكتوب ، أن تلك البدائه الانسانية لابد وجدت فى استكشاف الحديد من المعاناة والجهد والإخفاق الأول ، ما لم تجده فى استكشاف النحاس . ودليل هذا أن النحاس وجده علماء الآثار فى مخلفات أقدم العصور الانسانية ، بينما الحديد لم يوجد على التحقيق قبل القرن الرابع عشر قبل الميلاد ، على الأقل فى مصر . فالنحاس وأوانى النحاس وجدوها فى العصر البداوى ، عصر ما قبل الأسر . والحديد وجدوه فى الأسرة الثامنة عشرة أول ما وجدوه
ولصفة واحدة هينة بسيطة ، وأكاد أقول سخيفة ، استخفى الحديد عن بصر الانسان وسمعه وحسه تلك القرون البعيدة الطويلة . تلك هى أن الحديد إذا دق وهو بارد لم يلن ولم يتطرق فهو لا بد خرج من خاماته مرة ومرارا فى نيران الانسان الأول ، ولكنه لم يفطن إليه لأنه تراءى له كالحجر الأسود لا نفع منه ، ولا خير فيه . وخرج النحاس على عكس ذلك ، شيئا ذا لون إذا طرقه وهو بارد لان وتمدد . إذا فمنه صفائح .
وإذا فمنه أوعية . وإذا فمنه سلاح . ومزجوا النحاس بقليل من معدن آخر أبيض ، يخرج من الأرض بنفس الطريقة ، فزاد النحاس صلابة . فكان من ذلك العصر الذى أسموه عصر البرنز ، وهو أول عصور المعادن . فالعصر الذى سبقه مباشرة هو العصر الحجرى . وبقى لبزوغ عصر الحديد بخيره وشره أن يهتدى الانسان إلى حقيقة واحدة : أن تلك القطع السوداء الصغيرة الخشنة التى كانت تبقى أحيانا فى النيران بعد انطفائها ، إذا هى طرقت قبل أن تبرد ، تمددت وتصفحت كما يتمدد ويتصفح النحاس .

