الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 275الرجوع إلى "الثقافة"

فى الذكرى الألفية، لأبي العلاء

Share

أظلتنا الذكري الألفية لميلاد حكيم العرب وأعظم شعرائهم عن غزارة فكر ومادة لغة وعمق روح ، وتقليب رأي. وأقربهم إلى موضوعية الشعر ، وأبعدهم عن شعر المناسبات : أبى المعزي " المثال " اللغوي الذي تحت من كل مادة من مواد اللغة العربية تمثال بيان لمعنى من معاني نفسه وما أكثرها !

أطلتنا ذكري ميلاد ذلك الروح الذي قضي حياته رهين أحسياسه وسجونه التي أغلقتها عليه نكبات الطبيعة وتشاؤم المزاج ، وظلم الإنسان ، وحسد الأقران ، وفساد النظم السياسية ، ورياء كثير من رجال الدين ، وانحطاط الخلق ، وزهده في الاشتغال بصغائر الدنيا التي تصرف النفس عن التفكير فيما لا يقين فيه هنا ، ويقظته لنفسه وخواطره وتقليبه فكره فيما خلق الله من شئ ، وإرهاق شعوره ، وكبته العنيف لشهواته ، وحمله نفسه على الحرمان المطلق من أكثر طيبات الدنيا ، وتفرده وعزلته التي جعلته شديد الحياء وحشي الطبع بائس بالصمت والسكون والبعد عن الناس ، ناسيا نصحه للناس :

إذا ما عراكم حادث فتحدثوا      فإن حديث القوم ينسي المصائب

أجل لقد عاش هذا الروح لا رهبن محبسين اثنين كما لقب نفسه ، بل رعين هذه الأحباس والسجون التي لا يفلت منها شئ ، حتى أطلقه الموت وأطلق شعره وخواطره ، وحررها من ملابسات الزمان والمكان ، ومن عقابيل الفقر وشدة الحياء ورقة الإحساس ، فإذا بها خواطر من الطبقة الرفيعة من الأدب الروحي الثائر على قيود الأرض وأوضاع الاجتماع . . الأدب الذي يثير الفكر في القضايا التي ما جاءت الإنسانية للأرض إلا لتحتك بها عقولها ، وتعمق بها قلوبها ، حتى تحتوي

معاني الحياة احتواء ضفتين بها ، أمين عليها ، يقظ لأسرارها . الأدب الذي تغذيه المادة اللغوية الغزيرة والتعبير الجميل ، والتاريخ المستوعب لدقائق الحوادث والأشخاص في بلاد العرب وغيرها من أمم عصره ، وفلسفة المتاملين ، وعلم العلماء ، وكهاية الكهان ، وحديث المنجمين ، وتأويلات المنصوفين ورموز الرامزين .

وإننا بعيشنا معه فترات في ظلال هذه الذكري سنثير المسائل الذهنية والقلبية التي استبدت بخواطره ، وقضي في معالجتها والإدمان عليها أكثر من أربعين سنة وهي المدة التي سجن فيها جسمه في بيئته ، وأطلق خواطره تدور حول الإصلاح في البلاد والعباد ، وتبحث فيما تلقاه من مواريث الفكر والدين والعلم والاجتماع والسياسة والأخلاق ، ثم تسجل وحي الساعة ببيان أجاد التعبير والتصوير لأخفي خوالج النفس البشرية ، وأدق ملامح الحياة الاجتماعية ، وأعنف ملاحم النفس مع الطبيعة ، وأشد معارك العناصر والأخلاط في الأجساد والأرواح . فكان فكره مجهرا ظهرت به جوانب خافية لم يكن يراها الناس قبله ، وكان خياله وصنعته البيانية من خالقات الصور الذهنية التي تضاف إلي الكائنات المنظورة والمحبوسة فتعمر جوانب الآحلام والتهاويل في النفس الحائرة الظامئة المتمردة على قيود التجسيم والتشكيل . . مما يجعل فكر قارئه يمتليء بكثير من صور الحياة كما هي ، وكثير من صور الحياة كما يجب أن تكون عليه في رأي فنان حكيم كأبى العلاء .

وإن لأتمني أن يخرج ديوانه - اللزوميات - إخراجا فنيا تتعاون فيه الطباعة الجميلة والتبويب الموضوعي والتصوير الفني لكل لوحة من اللوحات التي يعرضها ، والتخييل المهول لكل معنى ورمز ألمع إليه خياله الجوال . المتعمق ، فإنه يعرض لوحات عامرة بقبض الحياة للجمال والقبح ، والإيمان والكفر ، والظلم والعدل ، والصلاح والفساد ، والإخلاص والرياء ، وكل شئ في دنياه ، وفي دنيا الناس .

وإن ديوانه هذا لأحق ديوان عربي أن تحشد له الجهود الفنية والعلمية لحذف فضوله ، واحتصار معانيه المكررة ، وشرح غوامضه ومقابلة آرائه ، وبيان مناقضاته وتناقضاته ، وتصوير لوحاته ورموزه من مهرة المصورين المثقفين الذين يستطيعون الرجعة إلي دنيا أبى العلاء ، والتسلل إلى نفسه . . وإن حياة المعري وحده صورة مثيرة موحية تستحق الإخراج والتمثيل . . فما بالك بدنيا أفكاره الزاخرة التى حشرها وعرضها في ذلك الديوان الكبير الذي لا تكاد مقطوعة من مقطوعاته تخلو من لفتة ذهنية من لفتاته ذات الطابع الخاص .

فإلى أكبر أصدقاء أبى العلاء وخدام أدبه . الدكتور طه حسين بك يساق هذا الرجاء . .

وأنا لست من رأي أبي العلاء في كثير مما ذهب إليه في الفكر والحياة التي اعتقد ان الإقبال عليها والاعتقاد يصدقها ، والمقاربة إلي غاياتها الظاهرة ، والاستسلام لقوانينها وأحكامها أولى بالفيلسوف من رفضها وتكذيبها والباعدة من غاياتها ، والتمرد على أحكامها وطبائعها ما دمنا تدخلها بغير اختيار وتخرج منها بغير اختيار . . . وقد دل الاستقراء علي أن الرفض والتمرد في كل شأن من شئون الحياة الثابتة لم ينتج إلا نتائج مبيرة مضيعة لبقايا الصلاح التى يبقها الفساد .

وليس من الحكمة فتح كل حجرات الفكر والقلب وحمل الحياة على ما فهما من آمال السعادة والكمال . وإنما الحكمة أن تبقى على بعض الحجرات مغلقة ، لنلجأ إليها حين نفر من معارك الحياة ومضايقاتها طلبا للاستحمام والإسترواح . . وهذه الحجرات التي نعمرها أمال الكمال والصلاح ليست مما هنا . . ليست من عالم النقص والفساد . وإنما هي مما وراء الحياة المؤقتة . وهي عندي دليل على أننا مخلوقون لعالم كامل نتزع إليه دائما ، ونقتبس حياتنا هنا مما يتراءى لنا من مقابيسه ، وإلا فمن أين لنا هذا النزوع إلي الكمال الذي لم نتمتع به لحظة في دنيانا ؟

وإن الثمرات التي جنتها الإنسانية السائرة مع الحياة

وقوانينها ، الصارة تحت أحكام واجبائها واعبائها ، الباحثة عن وسائل تحقيق أمالها في دءوب ومثابرة برغم نكسات الخيبة والارتداد ، العامرة القلب بالأمل في مستقبل أسعد وحياة أكمل ، لدليل أعظم دليل على ان أخذ ما تعطيه الحياة وتسمح به أولي من رفضه ، وأجدى على الفرد والجماعة والحاضر والمستقبل .

ولا يليق بالفيلسوف أن يلقي كلمته النهائية في الحكم على الحياة ما دام لم يشهد من روايتها الفصل الأخير الذي تتضح فيه فكرتها وتنحل عقدتها .

من يدرينا بما هو آت في طويل الأباد ؟ إن الليالي مثقلات بلدن العجائب من حياة هذا الإنسان . وعمر أحدنا لا يوازى من عمر الزمان برهة . . والعالم العظيم الذي ترى جزءا صقيلا من سطحه في السماء لا يليق بعقولنا وليدة الأرض الضئيلة أن تتصدى له الآن بحكم من الأحكام إلا ما يبيحه العلم المحدود . . فلماذا نفض اليد من العالم الكبير ، واليأس من انكشاف مخبأته وهناك الأستار عن مكنوناته ، ما دامت الشمس بحمد الله تغيب وتطلع مشرقة الوجه باعثة الحرارة مجددة الفصول رافدة عوامل الحياة والنماء آتيه كل يوم بجديد من علم الإنسان ؟ لماذا أيها الفلاسفة الحكماء تتعجلون إصدار الاحكام ؟ ألأنكم ستموتون وتقيرون سريعا تريدون تعجيل كلمتكم وإلقاء حكمكم على الحياة في أبدها الأتى ؟

إن العقل والإنصاف يقضيان بانتظار النهاية . . وما يضيرنا أن تمضي بدون حكم ما دمنا لم نحصل على " حيثيات " ، وما دامت ذرياتنا نأخذ منا ميراث المجهولات قرنا بعد قرن ، وتسقط منه مجهولا بعد مجهول ، تدخله في رحاب المعلوم . . .

الأمل في المستقبل هو عدة حياة الفرد . والأمل في المستقبل هو عدة حياة الإنسانية . . . القانون واحد ؟

فلا يفسر ضن  فيلسوف منحرف المزاج متشائم الطبع متمرد الروح ، آراءه المنحرفة المتشائمة المتمردة

الإنسانية جميعها ، ويحاول أن يحول مجري تاريخها . . . فإنه لن يظفر بطائل من أبناء الحياة الذين يعرفون وجه أمهم واضح القسمات ، وينكرون وجه كل متمرد عليها من التكامين ولو حجروا ببيانه إلي حين .

ولكني مع ذلك من المعجبين بأبى العلاء ، المعتقدين بصدق توجهه إلى ما ذهب إليه ، ومن الملتمسين لتضارب أقواله وشدود بعض أرائه أعذارا من إلحاح الألم وضيق النفس والحبس المضاعف ، وطول الأجل بلا أمل أو عمل يشغل الجوارح ، وانعدام اللذات المروحات عن القلب ألامه ، من الترفع عن اللهو المباح ! الذي يستعان به على عنت الأيام وجد الحياة

ومن رأي أن المعرى بعقد ارتهان نفسه لدي المحبس الاختياري وهو المنزل ، قد منع عن نفسه موردا عظيما من موارد السلوي والناهي عن إدمان الفكر في المسائل الكبرى التي تتصل بالغيب ، ولا يقين فيها عن طريق الفكر ، فصار بعيدا عن تفاهات الحياة التي لا تكد الذهن وعن أضاحيك الغافلين ، وعن بساطة المعتدلين الذين لا يتعمقون أسرار الحياة ، ولا يطلبون ما وراء سطوحها إلا طلبا يسيرا ، علما منهم بأن وراء سطح كل أمر هوة قد يرى فيها الحق ملتبسا بالباطل لبعد المسافة بين عقولهم وبين قرار تلك الهوة ، فلا يرون فيها حدود الأشياء واضحة مميزة .

فيلزوم المعري معزله وعزلته  الموحشة خرج على الناس وحياتهم ورصدهم من بعد كأنه خلق آخر غريب عنهم ، وقد فقد قلبه حظ الفتنة وأدوات الإعجاب بهم ، وانكشفت له الحياة الاجتماعية سافرة .

وأضف إلي ذلك أنه قد فقد ما يجعل الناس يتمسكون بالحياة . فلا بصر ولامال ولاشهوة جنسية ولالذة جسدية ولا تنويع في الطعام ، مع عزلة وسوداوية ، وذكاء نادر ، وثقافة رحبة ، ونقد لاذع ، وإحساس بالكمال ، وتقليب ذهن في المذاهب والآراء . . . ففتيت بشاشة الحياة في نفسه ولم يبق له منها إلا صورتها القائمة وجوانبها المظلمة .

وإني أتخيله وقد خلص إلى نفسه في زواية مظلمة من زوايا بينه يستقبل زمانا كله ظلام وعنده من أخبار الفساد واضطراب الحال والظلم والرياء ، والدناءه في عصره ما يجعله يوغل في قراره واستيحائه بالناس ، ويكتفى برصدهم من بعد كأنه ليس منهم ، وفي هذا كل سره .

وقد ترتب على خروجه عن حدود الاجتماع أنه وضع عقله على كل شئ وكل شخص وكل لفظ . فوجد النقص والفساد يشمل الحياة جميعها ، فلم يستفت طبيعته ليعذرهم ويرحم ضعفهم ، إذ كان قد تحرر من الشعور بشعورهم والقياس بمقياسهم .

فالأصل فيه أنه غريب عن الناس ، مفارق لوجودهم ، كأنه من نوع آخر لا يقدر ضروراتهم ونقصهم الغريزى . وقد رأي الآديان والآنبياء في نطاق رؤيته للناس بهذا الوضع الذي وضع فيه نفسه . وما كان في شعره من حديث التسامح والرضا عن الناس في بعض الأحيان مرجعه إلي عودته إلى الاعتراف بالطبع الإنساني ورحمته الضعف البشري ويقظة فطرته الأصيلة المشتركة بينه وبين الناس .

ومن سخريات الحياة به أن العالم العربي يحتفل بذكري " مولده " حين وافي ميعاده  الألفى . مع أنه كان بعد ذلك الميلاد نكبة وجنابة  تلاحقت وراءها جنابات حتي يوم الممات . . .

فأيما رد من الردود التي سبقت دحضا لمذهبه من التعطيل بمعدل ذلك الرد الذي تنطق به الحياة الصادقة بين يدى ذكراه ؟ إنها أرغمته على أن يحيا حتى  نفسه الأخير وهي الآن ترغم فكره وذكره أن يحييا من بعده غير مبالية مما في فكره من تجديف وتمرد ، وما كان في سلوكه من شرود وعصيان . إذ هي واثقة من سطوتها وسلطانها على النفوس ، ومن وثاقه حبال الشبكة التي تطرحها على الأجسام لتربطها بالأرض . فلا يضيرها أن أن يقول أمثال أبي العلاء وشوبنها ور  ما يقولون ، فإن الناس سيعجبون مما يقولون ، ولكن لا يقرون ولا يفعلون .

اشترك في نشرتنا البريدية