أظلتنا الذكري الألفية لميلاد حكيم العرب وأعظم شعرائهم عن غزارة فكر ومادة لغة وعمق روح ، وتقليب رأي. وأقربهم إلى موضوعية الشعر ، وأبعدهم عن شعر المناسبات : أبى المعزي " المثال " اللغوي الذي تحت من كل مادة من مواد اللغة العربية تمثال بيان لمعنى من معاني نفسه وما أكثرها !
أطلتنا ذكري ميلاد ذلك الروح الذي قضي حياته رهين أحسياسه وسجونه التي أغلقتها عليه نكبات الطبيعة وتشاؤم المزاج ، وظلم الإنسان ، وحسد الأقران ، وفساد النظم السياسية ، ورياء كثير من رجال الدين ، وانحطاط الخلق ، وزهده في الاشتغال بصغائر الدنيا التي تصرف النفس عن التفكير فيما لا يقين فيه هنا ، ويقظته لنفسه وخواطره وتقليبه فكره فيما خلق الله من شئ ، وإرهاق شعوره ، وكبته العنيف لشهواته ، وحمله نفسه على الحرمان المطلق من أكثر طيبات الدنيا ، وتفرده وعزلته التي جعلته شديد الحياء وحشي الطبع بائس بالصمت والسكون والبعد عن الناس ، ناسيا نصحه للناس :
إذا ما عراكم حادث فتحدثوا فإن حديث القوم ينسي المصائب
أجل لقد عاش هذا الروح لا رهبن محبسين اثنين كما لقب نفسه ، بل رعين هذه الأحباس والسجون التي لا يفلت منها شئ ، حتى أطلقه الموت وأطلق شعره وخواطره ، وحررها من ملابسات الزمان والمكان ، ومن عقابيل الفقر وشدة الحياء ورقة الإحساس ، فإذا بها خواطر من الطبقة الرفيعة من الأدب الروحي الثائر على قيود الأرض وأوضاع الاجتماع . . الأدب الذي يثير الفكر في القضايا التي ما جاءت الإنسانية للأرض إلا لتحتك بها عقولها ، وتعمق بها قلوبها ، حتى تحتوي
معاني الحياة احتواء ضفتين بها ، أمين عليها ، يقظ لأسرارها . الأدب الذي تغذيه المادة اللغوية الغزيرة والتعبير الجميل ، والتاريخ المستوعب لدقائق الحوادث والأشخاص في بلاد العرب وغيرها من أمم عصره ، وفلسفة المتاملين ، وعلم العلماء ، وكهاية الكهان ، وحديث المنجمين ، وتأويلات المنصوفين ورموز الرامزين .
وإننا بعيشنا معه فترات في ظلال هذه الذكري سنثير المسائل الذهنية والقلبية التي استبدت بخواطره ، وقضي في معالجتها والإدمان عليها أكثر من أربعين سنة وهي المدة التي سجن فيها جسمه في بيئته ، وأطلق خواطره تدور حول الإصلاح في البلاد والعباد ، وتبحث فيما تلقاه من مواريث الفكر والدين والعلم والاجتماع والسياسة والأخلاق ، ثم تسجل وحي الساعة ببيان أجاد التعبير والتصوير لأخفي خوالج النفس البشرية ، وأدق ملامح الحياة الاجتماعية ، وأعنف ملاحم النفس مع الطبيعة ، وأشد معارك العناصر والأخلاط في الأجساد والأرواح . فكان فكره مجهرا ظهرت به جوانب خافية لم يكن يراها الناس قبله ، وكان خياله وصنعته البيانية من خالقات الصور الذهنية التي تضاف إلي الكائنات المنظورة والمحبوسة فتعمر جوانب الآحلام والتهاويل في النفس الحائرة الظامئة المتمردة على قيود التجسيم والتشكيل . . مما يجعل فكر قارئه يمتليء بكثير من صور الحياة كما هي ، وكثير من صور الحياة كما يجب أن تكون عليه في رأي فنان حكيم كأبى العلاء .
وإن لأتمني أن يخرج ديوانه - اللزوميات - إخراجا فنيا تتعاون فيه الطباعة الجميلة والتبويب الموضوعي والتصوير الفني لكل لوحة من اللوحات التي يعرضها ، والتخييل المهول لكل معنى ورمز ألمع إليه خياله الجوال . المتعمق ، فإنه يعرض لوحات عامرة بقبض الحياة للجمال والقبح ، والإيمان والكفر ، والظلم والعدل ، والصلاح والفساد ، والإخلاص والرياء ، وكل شئ في دنياه ، وفي دنيا الناس .
وإن ديوانه هذا لأحق ديوان عربي أن تحشد له الجهود الفنية والعلمية لحذف فضوله ، واحتصار معانيه المكررة ، وشرح غوامضه ومقابلة آرائه ، وبيان مناقضاته وتناقضاته ، وتصوير لوحاته ورموزه من مهرة المصورين المثقفين الذين يستطيعون الرجعة إلي دنيا أبى العلاء ، والتسلل إلى نفسه . . وإن حياة المعري وحده صورة مثيرة موحية تستحق الإخراج والتمثيل . . فما بالك بدنيا أفكاره الزاخرة التى حشرها وعرضها في ذلك الديوان الكبير الذي لا تكاد مقطوعة من مقطوعاته تخلو من لفتة ذهنية من لفتاته ذات الطابع الخاص .
فإلى أكبر أصدقاء أبى العلاء وخدام أدبه . الدكتور طه حسين بك يساق هذا الرجاء . .
وأنا لست من رأي أبي العلاء في كثير مما ذهب إليه في الفكر والحياة التي اعتقد ان الإقبال عليها والاعتقاد يصدقها ، والمقاربة إلي غاياتها الظاهرة ، والاستسلام لقوانينها وأحكامها أولى بالفيلسوف من رفضها وتكذيبها والباعدة من غاياتها ، والتمرد على أحكامها وطبائعها ما دمنا تدخلها بغير اختيار وتخرج منها بغير اختيار . . . وقد دل الاستقراء علي أن الرفض والتمرد في كل شأن من شئون الحياة الثابتة لم ينتج إلا نتائج مبيرة مضيعة لبقايا الصلاح التى يبقها الفساد .
وليس من الحكمة فتح كل حجرات الفكر والقلب وحمل الحياة على ما فهما من آمال السعادة والكمال . وإنما الحكمة أن تبقى على بعض الحجرات مغلقة ، لنلجأ إليها حين نفر من معارك الحياة ومضايقاتها طلبا للاستحمام والإسترواح . . وهذه الحجرات التي نعمرها أمال الكمال والصلاح ليست مما هنا . . ليست من عالم النقص والفساد . وإنما هي مما وراء الحياة المؤقتة . وهي عندي دليل على أننا مخلوقون لعالم كامل نتزع إليه دائما ، ونقتبس حياتنا هنا مما يتراءى لنا من مقابيسه ، وإلا فمن أين لنا هذا النزوع إلي الكمال الذي لم نتمتع به لحظة في دنيانا ؟
وإن الثمرات التي جنتها الإنسانية السائرة مع الحياة
وقوانينها ، الصارة تحت أحكام واجبائها واعبائها ، الباحثة عن وسائل تحقيق أمالها في دءوب ومثابرة برغم نكسات الخيبة والارتداد ، العامرة القلب بالأمل في مستقبل أسعد وحياة أكمل ، لدليل أعظم دليل على ان أخذ ما تعطيه الحياة وتسمح به أولي من رفضه ، وأجدى على الفرد والجماعة والحاضر والمستقبل .
ولا يليق بالفيلسوف أن يلقي كلمته النهائية في الحكم على الحياة ما دام لم يشهد من روايتها الفصل الأخير الذي تتضح فيه فكرتها وتنحل عقدتها .
من يدرينا بما هو آت في طويل الأباد ؟ إن الليالي مثقلات بلدن العجائب من حياة هذا الإنسان . وعمر أحدنا لا يوازى من عمر الزمان برهة . . والعالم العظيم الذي ترى جزءا صقيلا من سطحه في السماء لا يليق بعقولنا وليدة الأرض الضئيلة أن تتصدى له الآن بحكم من الأحكام إلا ما يبيحه العلم المحدود . . فلماذا نفض اليد من العالم الكبير ، واليأس من انكشاف مخبأته وهناك الأستار عن مكنوناته ، ما دامت الشمس بحمد الله تغيب وتطلع مشرقة الوجه باعثة الحرارة مجددة الفصول رافدة عوامل الحياة والنماء آتيه كل يوم بجديد من علم الإنسان ؟ لماذا أيها الفلاسفة الحكماء تتعجلون إصدار الاحكام ؟ ألأنكم ستموتون وتقيرون سريعا تريدون تعجيل كلمتكم وإلقاء حكمكم على الحياة في أبدها الأتى ؟
إن العقل والإنصاف يقضيان بانتظار النهاية . . وما يضيرنا أن تمضي بدون حكم ما دمنا لم نحصل على " حيثيات " ، وما دامت ذرياتنا نأخذ منا ميراث المجهولات قرنا بعد قرن ، وتسقط منه مجهولا بعد مجهول ، تدخله في رحاب المعلوم . . .
الأمل في المستقبل هو عدة حياة الفرد . والأمل في المستقبل هو عدة حياة الإنسانية . . . القانون واحد ؟
فلا يفسر ضن فيلسوف منحرف المزاج متشائم الطبع متمرد الروح ، آراءه المنحرفة المتشائمة المتمردة
الإنسانية جميعها ، ويحاول أن يحول مجري تاريخها . . . فإنه لن يظفر بطائل من أبناء الحياة الذين يعرفون وجه أمهم واضح القسمات ، وينكرون وجه كل متمرد عليها من التكامين ولو حجروا ببيانه إلي حين .
ولكني مع ذلك من المعجبين بأبى العلاء ، المعتقدين بصدق توجهه إلى ما ذهب إليه ، ومن الملتمسين لتضارب أقواله وشدود بعض أرائه أعذارا من إلحاح الألم وضيق النفس والحبس المضاعف ، وطول الأجل بلا أمل أو عمل يشغل الجوارح ، وانعدام اللذات المروحات عن القلب ألامه ، من الترفع عن اللهو المباح ! الذي يستعان به على عنت الأيام وجد الحياة
ومن رأي أن المعرى بعقد ارتهان نفسه لدي المحبس الاختياري وهو المنزل ، قد منع عن نفسه موردا عظيما من موارد السلوي والناهي عن إدمان الفكر في المسائل الكبرى التي تتصل بالغيب ، ولا يقين فيها عن طريق الفكر ، فصار بعيدا عن تفاهات الحياة التي لا تكد الذهن وعن أضاحيك الغافلين ، وعن بساطة المعتدلين الذين لا يتعمقون أسرار الحياة ، ولا يطلبون ما وراء سطوحها إلا طلبا يسيرا ، علما منهم بأن وراء سطح كل أمر هوة قد يرى فيها الحق ملتبسا بالباطل لبعد المسافة بين عقولهم وبين قرار تلك الهوة ، فلا يرون فيها حدود الأشياء واضحة مميزة .
فيلزوم المعري معزله وعزلته الموحشة خرج على الناس وحياتهم ورصدهم من بعد كأنه خلق آخر غريب عنهم ، وقد فقد قلبه حظ الفتنة وأدوات الإعجاب بهم ، وانكشفت له الحياة الاجتماعية سافرة .
وأضف إلي ذلك أنه قد فقد ما يجعل الناس يتمسكون بالحياة . فلا بصر ولامال ولاشهوة جنسية ولالذة جسدية ولا تنويع في الطعام ، مع عزلة وسوداوية ، وذكاء نادر ، وثقافة رحبة ، ونقد لاذع ، وإحساس بالكمال ، وتقليب ذهن في المذاهب والآراء . . . ففتيت بشاشة الحياة في نفسه ولم يبق له منها إلا صورتها القائمة وجوانبها المظلمة .
وإني أتخيله وقد خلص إلى نفسه في زواية مظلمة من زوايا بينه يستقبل زمانا كله ظلام وعنده من أخبار الفساد واضطراب الحال والظلم والرياء ، والدناءه في عصره ما يجعله يوغل في قراره واستيحائه بالناس ، ويكتفى برصدهم من بعد كأنه ليس منهم ، وفي هذا كل سره .
وقد ترتب على خروجه عن حدود الاجتماع أنه وضع عقله على كل شئ وكل شخص وكل لفظ . فوجد النقص والفساد يشمل الحياة جميعها ، فلم يستفت طبيعته ليعذرهم ويرحم ضعفهم ، إذ كان قد تحرر من الشعور بشعورهم والقياس بمقياسهم .
فالأصل فيه أنه غريب عن الناس ، مفارق لوجودهم ، كأنه من نوع آخر لا يقدر ضروراتهم ونقصهم الغريزى . وقد رأي الآديان والآنبياء في نطاق رؤيته للناس بهذا الوضع الذي وضع فيه نفسه . وما كان في شعره من حديث التسامح والرضا عن الناس في بعض الأحيان مرجعه إلي عودته إلى الاعتراف بالطبع الإنساني ورحمته الضعف البشري ويقظة فطرته الأصيلة المشتركة بينه وبين الناس .
ومن سخريات الحياة به أن العالم العربي يحتفل بذكري " مولده " حين وافي ميعاده الألفى . مع أنه كان بعد ذلك الميلاد نكبة وجنابة تلاحقت وراءها جنابات حتي يوم الممات . . .
فأيما رد من الردود التي سبقت دحضا لمذهبه من التعطيل بمعدل ذلك الرد الذي تنطق به الحياة الصادقة بين يدى ذكراه ؟ إنها أرغمته على أن يحيا حتى نفسه الأخير وهي الآن ترغم فكره وذكره أن يحييا من بعده غير مبالية مما في فكره من تجديف وتمرد ، وما كان في سلوكه من شرود وعصيان . إذ هي واثقة من سطوتها وسلطانها على النفوس ، ومن وثاقه حبال الشبكة التي تطرحها على الأجسام لتربطها بالأرض . فلا يضيرها أن أن يقول أمثال أبي العلاء وشوبنها ور ما يقولون ، فإن الناس سيعجبون مما يقولون ، ولكن لا يقرون ولا يفعلون .

