الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 587الرجوع إلى "الثقافة"

فى الربيع

Share

يعز على أن يأتى موسم الربيع ولا أكتب فيه ، وكل عام أكتب ولم تفرغ معانيه ، فالأفكار والمشاعر تتجدد كما يتجدد الربيع ، وكم للربيع من معان يفنى الكتاب والشعراء ولا تفنى جدتها ، وتمسا لمن لم يهتز قلبه للربيع . ولم تبتهج مشاعره بجماله ، ولم يجاوبه بعواطفه . إن من حرم العين الفنانة والأذن الموسيقية والشعور بجمال الأزهار والأشجار حرم الخير الكثير ، ودل ذلك على أنه جامد القلب ، غليظ العاطفة ، مادى الحياة ، كثيف الطبع .

ها أنا ذا اليوم فى حديقتى الصغيرة والجو جميل والربيع ناضر والأزهار ضاحكة . فليكن حديثنا هذا العام فى الأزهار :

إنها لا شك عالم وحده . كعالم الطيور وعالم الإنسان ، تتعدد مناظرها ويتنوع جمالها . ويمكنك الحديث عنها من وجوه مختلفة : أولا من ناحية رائحتها ، ففهيا قوى الرائحة كالفل والياسمين ، ومتوسط الرائحة كبعض أنواع الورد والقرنفل . وضعيفها كالأفحوان ، وعديمها لكثير منها . وليس يتوقف الجمال على الرائحة ، فالرائحة تتصل بالشم ، وهو أقل الحواس قيمة إذا قيس بالسمع والبصر ، بل ربما سمت قيمة الزهرة إذا عدمت رائحتها ، لأن الرائحة مقرونة بالنفع ، فإذا تجردت من الرائحة كان تقويم الجمال للجمال ، كالقطعة الموسيقية والغناء الجميل ؛ فالغناء الجميل ذو المعنى

يوزعك بين لذة العقل ولذة السمع ، والموسيقى الجميلة ينحصر جمالها فى جمال توقيعها ، وعندى أن الجمال المحدد خير من الجمال الموزع .

ثم هذه الأزهار أمامى كأنها جمع من الفتيات الفاتنات متنوعة السمات ؛ هذه زهرة تلفت النظر فى قوة إلي جمالها فتأسرك حتى لا نود عينك التحول عنها ، جمالها ظاهر بين ، واضح جذاب ، كالفتاة التى تملك عليك قلبك ومشاعرك ، قد لا تكون هذه الفتاة أجمل من فى الجمع ، ولكن لها من السحر والفتنة ما يبطل سحر غيرها ، وهذه زهرة أخرى جمالها فى وداعتها وهدوها ، كالفتاة لا تلهبك نارا ، ولكن تغمرك حنانا .

وهناك فى زاوية من زوايا الحديقة زهرة منعزلة مستترة لا يلتفت الناظر إليها إلا بالبحث عنها ، كالفتاة الحبية الخجول ، المنطوية على نفسها ، العازفة عن عرض جمالها .

ثم هذه الأزهار يختلف وحيها ، باختلاف نقوشها وألوانها ، فهذه زهرة نوحى الطهر والعفاف ، وهذه زهرة توحى النقاء والصفاء ، وهذه زهرة توحى القوة والجبروت ، وهذه زهرة توحى تفتح الرغبة ، وهكذا . للأزهار لغات ودلالات ، تعجز عنها معاجم اللغات ، إذ كيف تنجح اللغات فى دلالات العواطف ؟ إن اللغة وسيلة قد تكون

جيدة فى نقل الآراء والأفكار ، ولكنها وسيلة جد فقيرة فى نقل العواطف والمشاعر

وللأزهار ولائتها الخاصة على ما يرتبط بها من أحداث وما تظهر فيه من مواسم ، فأزهار الشتاء تدل على الشتاء وأزهار الصيف تدل على الصيف ، وأزهار الربيع تدل على الربيع ، ولكل زهرة مغنى عند صاحبها يوحى إليه تداعى المعانى ؛ فمن رأى طاقة زهر فى حفل بهيج ارتبطت هذه الطاقة ومنظرها بهذه الحفلة وبهجتها ، ومن رأى زهرة على صدر فتاة جميلة ذكر الفتاة إذا رأى الزهرة ، ومن رأي الزهرة فى مكان ذكرته الزهرة بالمكان ، وكذلك تدل الزهرة دائما على بيئتها وزمانها ومكانها وأحداثها .

والفنانون يختلفون فى تقويم الأزهار اختلافهم فى تقويم جمال الإنسان وجمال الطبيعة ؛ وقد روى لنا الكثير عن اختلاف الشعراء فى تمجيد بعض الأزهار ، هذا يمجد الياسمين ويفضله على سائر الأزهار ، وهذا معبودة النرجس ، وهذا هواء البنفسج . وقرأت مرة عن فنان بغدادى استهواء الورد وجن به حتى كان إذا جاء موسمه انقطع عن عمله وخرج إلى حدائق الورد ينتقل فيها ، ويتغزل فى محاسنها إلى أن ينتهى الموسم فينصرف إلى عمله

هذه الأزهار منتثرة حولى فى حديقتى ، يتنوع جمالها وبهاؤها ، من جمال بساطة إلى جمال تعقيد ، ومن جمال لون إلى جمال نقش ، ومن جمال صارخ إلى جمال خافت ، ومن جمال معربد إلى جمال متستر ، ومن جمال ناعم إلى جمال شائك ، وكلها فى تنوع جمالها منسقة منسجمة ، كأنها موسيقى تنوعت آلانها وتناغمت ألحانها .

وهذه الأزهار تخالفت أعمارها كما اختلفت أعمار كل حى ؛ فزهرة سرعان ما تذيل ، وزهرة تطول حياتها ويطول جمالها ، ويكاد يكون أجملها شكلا أقصرها عمرا ، كالشأن فى الإنسان . قل أن يعمر نابغ ويهرم عبقرى ، كأن الطبيعة تغار من نبوغه أو عبقريته أو كأنها تضن به عن أن يكون نعمة جيل فتحترمه ليكون مفخرة وهى .

إنى لأضن بجمال الأزهار عن أن يقطفها قاطف أو يعبث بها عابث ، وكلما رأيت باقة مجموعة ذكرت من جناها وجنى عليها . ولئن عذرنا الإنسان يجنى على الحيوان والثمار يتبلع

بها ويعيش عليها ، فكيف تعذره فى قطف الجمال وليس له كبير قيمة إلا فى مكانه وعلى أغصانه .

وبقدر ما أبتهج بالجمال واكتماله أرنى للجمال وذبوله ؟ فأحزن لذبول الزهرة وتناقص القمر وشيخوخة المرأة ، ولا يعزينى عن ذبول الزهرة إلا أنها تموت لتحيا ، وتذبل لتزهر ، وتتناقص لتكمل .

فى جمال الأزهار معنى غامض كجمال النساء ؛ فقد تبلغ الحسناء أقصى درجات الجمال ، ثم لا تملأ قلبك ولا تسلب ليك ، وإذا يمن دونها حسنا وجمالا تأسرك وتستولى عليك وتغمر مشاعرك كذلك الشأن فى أزهار حديقتى ؛ هذه زهرة منتحية متغزلة ، ليست أجمل الأزهار ، ولكن هي أحيها إلى نفسى وأقربها إلى قلبى .

إن الشعور الحق بالجمال لا يتجزأ ؛ فمن أحب جمال الأزهار أحب جمال النساء وأحب جمال الطبيعة ، ومن لم يشعر بجمال الأزهار فقد الشعور بالجمال عامة ، فإن رأيته وقد استهوته المرأة فهو استجابة لغريزة لا حب فى الجمال .

إن الله خلق الإنسان والعالم ليتجاوبا ويتناغما ، فإذا لم يهتز القلب لجمال الأزهار تقيم خلقها ؟ وإذا لم يبتهج بالسماء ونجومها تقيم لمعانها وضياؤها ، وإذا لم يتأثر بالطبيعة وجمالها تقيم البخار وأمواجها ، والمياء وخريرها ، والجبال الشامخة وجلالها ؟ فحيث وجدت العين الناظرة وجد المنظور ، وحيث كانت الأذن كان المسموع ، وإلا كان سؤالا بلا جواب ، وعينا تقرأ ولا كتاب .

ليت لستالين وترومان ويقن وأمثالهم مشاعر يدركون بها جمال الزهر ، ويفهمون بها وحيه ، ويصغون بها إلى حديثه . ويأنسون بها إلى وداعته ولطفه ، إذا لتغير وجه الأرض وسادت الدعوة إلى السلام ، وتغلبت بواعث الإنسانية ، وإذا لاشمأزوا من رائحة القنابل وحديث اللرات واعتمادات الحروب ، ولفكروا فيما يسعد لا ما يشقى ، وفيما يخلد لا ما يفنى . ولكن عدموا الذوق فاستأنسوا بالبارود ، ونسوا الزهور فنسوا أنفسهم ، وعبدوا الشيطان فصدهم عن الجمال . وأخيرا ليت الزمان ربيع كله .

اشترك في نشرتنا البريدية