في أيام الربيع الأولى من كل عام ، عندما تستيقظ الطبيعة من نومها ، وتتشح بثوبها الاخضر الجميل ؛ عندما تصافح خدودنا الانسام العطرة ، فتملأ الرئتين وتتغلغل في حنايا القلب ؛ في هذه الأيام الرائعة ، يطغي علينا حنين مبهم إلي لذاذات مجهولة ، وشوق غامض إلي القفز والمرح والسعي وراء المخاطرات ، والتمتع بمباهج الربيع ومفاتنه ! بعد ذلك الشتاء القاسي ، أقبل شهر مايو ، فغمرني بالرغبة في الانطلاق من جميع القيود . كانت هذه الرغبة كالحمى تسري في دمي ،و كالتيار ينساب في عروقي ، في عنف وقوة ! وعندما استيقظت ذات صباح ، لمحت خلال نوافذ غرفتي ، فوق سقوف المنازل المجاورة ، سماء
مايو الصافية تغمرها الأشعة الذهبية ! . . كانت البلابل الطروبة في اقفاسها تهلل لمقدم الربيع ، وتحييه بأغاريدها العذاب ، والصبايا الفاتنات ينشدن اغاني الحب والجمال وأصوات المرح من الشوارع المزدحمة تصافح اذني وفى فيض من النشوة الجارفة غادرت المنزل دون أن ادري إلي أين تقودني قدماي !
الطبيعة حولي كلها ضاحكة : البسمات تتراءي على الوجوه ، والسعادة تغمر كل شئ حتى النسيم . . وكأنما لمست القرية الصغيرة كف ساحر ! وبعد لحظات وجدتني أولي وجهي شطر السين ، واصعد إلي إحدي تلك الزوارق الصغيرة الذاهبة إلي سيري سين ، مدفوعا بحنين لا يقاوم إلى الأحراش والغابات!
كان سطح الباخرة مزدحما ، وكانت جارتي امراة : فتاة صغيرة حسناء ، ذات رأس صغير فاتن ، وشعر كاشعة
الشمس تتموج غدائره على عارضيها وتنساب إلى جيدها في فتنة وإغراء .
أخذت أحدق إليها في نهم ، فأدارت وجهها إلي ، ولم تلبث ان اسبلت جفنيها ، ثم افترت شفتاها عن مشروع ابتسامة . ابتسامة فتانة طروب ، أحسست معها أن الكون بأجمعه يبتسم : الطير ، والشجر ، والنهر ، والأمواج الطروبة المتدفقة!
انساب الزورق الصغير فوق مياه النهر بين الضفاف الحالمة ، وكانت الطبيعة كلها زاخرة بالحياة ، ورفعت جارتي عينيها فقابلتا عيني ، ولكنها في هذه المرة ابتسمت بطلاقة . كم هي ساحرة هذه الابتسامة ! وكم هي رائعة هذه النظرة التي كشفت لي عن عوالم مجهولة من الإسرار الغامضة لقد استطعت ان انقذ من عينيها إلي أغوار عميقة فيها كل مباهج الحياة ! وكل الشعر الذي نحس به في احلامنا ! وكل الفرحة التي تهفو إليها أرواحنا! وتملكتني رغبة مجنونة في أن أضمها بين ذراعي ، وأحملها إلي مكان بعيد حيث اهتف في اذنيها بأشجي اغاني الحب . .
كنت على وشك أن اتحدث إليها ، عند ما أحسست بمن يربت على كتفي ، فأدرت وجهي لأري امام عيني رجلا في متوسط العمر . . حدق في قليلا ، ثم قال :
إن لدي حديثا أريد أن أرويه لك
وكأنما لمح ما ارتسم على وجهي من امارات التأفف والضيق . فأردف
حديثا مهما . .
نهضت من مكاني وسرت معه إلي الناحية الأخرى من الزورق ، حيث أخذ يحدثني :
- يا سيدي العزيز . . عندما يأتي الشتاء حاملا معه البرد والمطر والصقيع ، يقول لك طبيبك دائما :
أكثر من ثيابك ، واحترس من البرد والزكام والتهاب الرئتين . . فتتخذ كل وسائل الحذر . . ولكن عندما يقبل الربيع بموكبه الحافل : الأزاهير والورد ، والدف ، والأنسام المعطرة ، باعثا فيك من العواطف والأحاسيس ما لا تستطيع تفسيره ، فإنك لن تجد من يقول لك : حاذر من الحب . حاذر . . إنه أخطر من البرد والزكام والتهاب الرئتين . . إنه يتربص لك في كل مكان . . وفي كل زاوية ، بأسلحته القوية وعدته الكاملة ، وشباكه المنصوبة ، حاذر من الحب حاذر . إنه لا يرحم ، ولا يرق ولا يلين . نعم يا سيدي : يجب علي الحكومة أن تعلق على الجدران إعلانات كبيرة يكتب عليها ، لقد عاد الربيع مرة اخري يا أهل فرنسا ، فاحذروا من الحب . . تماما كما نعلق على أبواب منازلنا تلك اللوحة الخالدة " احترس من الدهان " . إن الحكومة يا سيدي تهمل هذا الواجب . فلأتطوع أنا ، فأقول لك : حاذر من الحب ! إنه يسعي لاقتناصك والانقضاض عليك .
حملقت في دهشة في وجه هذا الإنسان الغريب واجبته :
- يلوح لي يا سيدي أنك تتدخل في امر لا يعنيك في قليل أو كثير...
فجاءنى رده :
- يا سيدي العزيز يا سيدي العزيز إذا رأيت إنسانا على وشك الغرق ، فهل اتركه حتى يموت ؟ . دعني اروي لك قصتي ، وستعلم بعد ذلك كيف نجاسرت أن أخاطبك بهذه اللهجة :
كان ذلك في العام الماضي في مثل هذا الوقت من السنة . . وكنت أعمل كاتبا في الأميرالية ومن نافذة غرفتي ، كان النسيم يحمل إلي أولى بشائر الربيع ، فشعرت بالحنين إلي الحرية والمتعة والمرح . ذهبت إلي رئيسي ادعي
المرض ، وأطلب منه عطلة . فقال لي : إني لا أصدق حرفا واحدا مما تزعم عن مرضك ، وعلى كل يمكنك أن تذهب إذا أردت . . ولست أدري ، والله كيف يستطيع الإنسان أن يؤدي عمله كاملا مع أناس مثلك ؟
ذهبت إلي السين ، وكان الجو رائعا ، كما هو اليوم ! فركبت الزورق إلي سان كلود . . آه يا سيدي لو ان رئيسي رفض ان ابرح مكان عملي !! شعرت بغرام جارف لكل شئ : الباخرة ، النهر ، الأشجار ، المنازل ، والمسافرين ، كنت أحن إلي شئ أعانقه ، أي شئ وعند التروكادرو صعدت إلى الزورق فتاة تحمل في يديها سلة صغيرة ، وجلست قبالتي ، كانت جميلة ، بلا شك ، ولكن . . كم تبدو المرأة لعيوننا جذابة ساحرة أكثر مما هي في هذا الجو الرائع عند مولد الربيع !
نظرت إليها ونظرت إلي بين الفينة والفينة . . تماما كما كنت تفعل مع فتاتك . واخيرا اعتقدت اننا نستطيع ان نتبادل الحديث بعد ان تبادلنا النظرات ، فكلمتها وكلمتني . . لقد كانت ساحرة يا سيدي ، ذلك السحر الغامض الذي يدير الرءوس ! وغادرت الزورق في سان كلود فتبعتها . وعندما عدنا القينا الزورق قد غادر الشاطئ فسرنا جنبا إلى جنب ، وكل ما حولنا يبسم لنا بسمات السعادة والهناءة ، والربيع الحلو يباركنا بانفاسه المعطرة
سيكون يوما جميلا في الغابة بلا شك
نعم! أليس كذلك ؟
- هل لديك ما يمنع من أن نطوف بين الأحراش ؟
نظرت إلي نظرات فاحصة ، كأنما تستشف ما في صدري من خواطر ، وصمتت لحظة قبل ان تجيب . وبعد دقائق كنا نسير جنبا إلى جنب بين الأشجار الظليلة ، ..كان العشب الأخضر وقد حمته الأغصان بظلها
زاخرا بالحياة ، وكانت الطيور لا تنفك عن الغناء !
في هذا الجو الرائع ، وبفعل الطبيعة الساحرة والأزاهير النضيرة ، انطلقت رفيقتي تجري وتمرح بين الأحراش ، واخذت اتبعها مدفوعا بسحرها إلى جانب سحر الربيع . وفي نشوة المرح بدأت فتاتي تنشد بصوتها العذب مختلف الأغاني ، وعلى الأخص اغنية " موسيت " كم لاحت لي رائعة تلك الأغنية في ذلك الوقت ! لقد هزتني هزا ، وأيقظت في روحي ما كان كامنا من مشاعر واحاسيس ! . يا سيدي لا تصحب إلي الاحراش في يوم من ايام الربيع فتاة تغني ، وعلى الأخص تلك الأغنية اغنية " موسيت "
وتعبنا بعد لحظات ، فاستلتت على العشب الأخضر والقيت بنفسي عند قدميها . . واخذت يديها البضتين بين يدي ، وحدق كل منا في عيني الآخر . يا لي من عيني المرأة ! أي قوة تلك التي تكمن فيهما . . تلك القوة التى تريد أن تقهر وتحكم وتسيطر . كم هي عميقة تلك الأغوار والمعاني التي يلمحها الرجل في عيني المرأة . فكأنما يلمح من ورائهما روحها الشفافة ! وتملكني جنون جارف ، فضممتها بين ذراعي ، واخذت اسكب في سمعها كل ما في قلبي من مشاعر وغرام ، فنظرت إلي نظرات عميقة كأنما تريد أن تعرف هل كنت صادقا فيما أقول أم لا
وبعد ساعات عدنا إلي سان كلود ولم يفارق أحدنا الآخر إلا في باريس . وعندما ودعتها ارتسمت على وجهها أمارات الحزن ، فسألتها ما بها ، فأجابت :
- إنني أفكر كم هي نادرة تلك الأيام الجميلة التي يصادفها المرء في حياته . . كهذا اليوم الرائع مثلا
. . وتقابلنا بعد ذلك في كل يوم أحد . أخذ أخذتها إلي يوجيقال ، وسان جرمين ، ولاقيت ، ويواسي ، وإلى كل مكان مقدس يقصده العشاق . . وأحببتها حبا جارفا قويا ، وبعد ثلاثة أشهر تزوجنا
إنني أسألك يا سيدي ما الذي يستطيع أن يفعله رجل وحيد ليس لديه من ينصحه . . إن الإنسان يتخيل الحياة سعيدة طيبة مع امرأة ما فيتزوجها . . وبعد ذلك لا تنفك عن تأنيبك والشجار معك ليل نهار . . وتكتشف انها جاهلة وحمقاء . . دائما تنشد على سمعك هذه الأغنية البغيضة . هذه الأغنية التي لا تطاق . أغنية " موسيت " ! تتشاجر طيلة نهارها مع الباعة ، وتروي لخدم المنازل المجاورة تلك الاسرار العائلية الدقيقة ، وتسبب لزوجها المتاعب مع كل إنسان . . وتتحدث بألفاظ غاية في القحة ، وغاية في الحمق ، وغاية في البذاءة ، حتى إن الرء لا يتمالك نفسه من البكاء عندما يتحدث إليها . .
. . وتوقف محدثي عن الكلام ، فأخذت انظر في دهشة إلى هذا المخلوق المحدود العقل . وكنت على وشك أن أرد عليه ، عندما وقف الزورق في سان كلود ، ونهضت الفتاة التي استرعت انتباهي من مقعدها لكى تبرح الزورق ،
ومرت إلي جانبي فنظرت إلي نظرات عميقة ساحرة ، وافترت شفتاها عن ابتسامة فاتنة . ثم غادرتني إلي الشاطئ ونهضت لأتبعها فأمسك في صاحبي يمنعنى ، واستطمت ان اتخلص منه فامسك بي مرة اخري من ذيل سترتى وجذبني إلي الوراء ، وصاح بي بأعلى صوته :
إنك لن تذهب . . إنك لن تذهب
والتفت حولي لاري من على الزورق يتغامزون ويتضاحكون . . ثم تحرك الزورق !
وظلت الفتاة واقفة على الشاطئ تنظر إلي في رقة وحنان ثم تختفي عن ناظري ، وقد لاحت على وجهها الجميل امارات الغضب ، بينما وقف رفيقي يفرك يديه جذلا مسرورا ، ويهمس في أذني :
يا سيدي لقد أديت لك خدمة صادقة!
( الإسكندرية )
