مشكلة كوريا شرارة تشتعل فى الشرق الأقصى يقف العالم أمامها خائر الأعصاب مشتت الفكر لا يدرى هل ستزيد شعلتها ولهيبها أم ستخمد الجذوة بعد قليل ؟ .
هذه الشظية التى اشتعلت فى الشرق الأقصى هزت الدول ورؤساء الدول ، وجمعت بين أمم كثيرة ووحدت بين أمخاخ عديدة لمواجهة الشعلة والعمل على إخماد أوارها بخطب اللسان تارة ، وبشن الحرب تارة أخرى
وأريد هنا أن أتعرض بالحديث عن هذه الكوريا التى استحوذت مشكلتها على الألباب ، فأخذت بجمعها وأمسكت بزمام العالم ، فأسلس العنان للتفكير والتدبير والتحفز والوثوب .
يسكن كوريا حوالى ثلاثين مليون نسمة ، وتنقسم قسمين : قسم فى شمالها ، وقسم فى جنوبها ، والأول معقل للشيوعية ، والثانى معقل للديمقراطية ، يفصل بينهما خط وهمى يقولون عنه إنه الخط الثامن والثلاثون من خطوط العرض ، بيد أن هذا التقسيم لا يقوم على أساس اقتصادى ، أو قومى ، أو أى أساس من الأسس .
والقسم الشمالى من الناحية الاقتصادية يحتل موارد الفحم ومناجمه ، كما يوجد به المنشآت الكهربية والدور الصناعية ؟ أما القسم الجنوبى فيمتاز باحتوائه على أخصب الأراضى من الناحية الزراعية .
وقد دخل الأمريكان جنوب كوريا ، كما دخل الشيوعيون شمالها ، وذلك فى شهر سبتمبر عام ١٩٤٥ ؛ وقد قرر الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية تأليف لجنة تتكون من الأمريكان والروس كى تضع برنامج حكومة مؤقتة فى داخل كوريا ، وقد قامت عقبات كبيرة لوقف تأليف هذه الحكومة ووضع برنامجها لاستمساك الشيوعيين بشمال هذه البلاد ، وبالرغم من أن الحلفاء بعد الحرب الأخيرة قد قرروا أن من حق كوريا الاستقلال ، وقد انتهى الموقف أخيرا بقيام حكومتين داخل هذا البلد ؛ فقامت حكومة شيوعية فى الشمال ، والأخرى أمريكانية فى الجنوب ، وقد عرض شأن هاتين الحكومتين على هيئة الأمم المتحدة ، وقد قررت لجنة هيئة الأمم السياسية أن تنكر وتستنكر قيام الحكومة الشمالية ، لأن الانتخابات التى
أقامتها قد رفضت واستنكرت رقابة هيئة الأمم عليها ، أما الحكومة الجنوبية ، فقد أقرتها اللجنة السياسية ، وذلك منذ عام ١٩٤٨ . وقد بدأ خلاف كبير بين وجهات النظر السياسية والاقتصادية بين حكومتى الشمال والجنوب ، وقد أفضى ذلك إلى النزاع الأخير والحرب الأخيرة التى تطورت إلى تدخل المعسكر الأنجلو - أمريكى
وأريد أن نلمح إلى كوريا من ناحية القانون الدولى زيادة عما سلف ؛ فأقول : إن كوريا كانت دولة تابعة ذات سيادة جزئية ، بيد أنها ظلت تعتبر من الشخوص الدولية ؛ وذلك يرجع إلى استمرار وجود ممثلى الدول الأجنبية السياسيين والديبلوماسين ممثلين لدى حكومة سيول عاصمة كوريا ، وقد جعلت اليابان لها فى كوريا المستقلة مستشارين ماليين وديبلوماسيين يترأسون الإدارة فيها ، وكانت اليابان قد ضمنت استقلال هذه البلاد فى عام ١٩٠٤ ، وقد استطاعت اليابان أن تستحوذ على الإدارة السياسية لكوريا ، كما سيرت أمورها الخارجية بعد أن استولت على الموانى والتلغرافات والتليفونات وسواها من وسائل المواصلات . . وهكذا كانت كوريا من ناحية القانون الدولى وصلتها باليابان واعتبارها شخصا دوليا . .
يقول رفعة الأستاذ على ماهر باشا فى ( القانون الدولى العام ) : " وما دام مبلغ التبعية غير محدود ، فإن هذه الحالة لا تدوم طويلا ؛ لأن العلاقات إما أن تزيد ، وإما أن تضعف ، والدولة التابعة إما أن تتقدم إلى الاستقلال التام ، وإما أن تلحقها الدول المتبوعة بها ، كما فعلت اليابان بكوريا فى سنة ١٩١٠ " .
ويقول رفعته أيضا فى الدول ذات السيادة الجزئية " الدولة التى لها حكومة أهلية تامة السلطة فى الداخل ، ولكن لدولة أجنبية نصيب فى إدارة أمورها الخارجية تكون دولة ذات سيادة جزئية ؛ ومهما كان العنوان الموسومة به بين الدول ، فإنها فى الواقع دولة تابعة ، والدول الأجنبية التى تتولى أمورها دولة متبوعة " .
هذه بعض معلومات عن كوريا من ناحية القانون الدولى عرضتها لأهميتها ؛ ولأننا فى هذا الوقت الراهن فى
حاجة إلى كل معلومات عن هذا البلد الذى يستحوذ على لب السياسة الدولية فى هذه الأيام
وروسيا فى حرب كوريا الحالية تقف موقفا عجيبا يفيدها فائدة تفرح لها كثيرا ، فنحن نجد أنها قد استفادت فوائد وبدت أمامها أمور تود أن تقف وتطلع عليها وتعرف مداها . .
فأول كل شئ يدل موقف روسيا على قوة شخصية وعلى اتزان بالنسبة إلى حماس المعسكر الأنجلو - أمريكى وخروجه عن حد الاتزان إلى امتشاق الحسام ، وروسيا تريغ أن تطلع على قوة دول ذلك المعسكر ، كما أنها تريد أن تجرب بعض الأسلحة الروسية الجديدة فى ميدان القتال مما ظهر أخيرا فى الحرب الكورية ، ومما عجب له المحاربون الأمريكانيون ؛ ثم أضيف إلى ذلك أن روسيا تحب أن ترى المواقف الدولية التى تتمخض عنها حرب كحرب كوريا تزعزع أقدام السلام فى هذا العالم المهتاج كموقف دول الشرق مثلا
كما لا ينسى كل عاقل أنها تود أن توجه الانتباه إلى قطعة شرقية بسيطة لم يكن أحد ليسمع عنها إلا نادرا مثل كوريا ، للاهتمام بمسألتها والحرب فيها وإفناء قوى العدو ، لتتمكن هى من تعزيز الموقف والمكانة الحربية والعسكرية والاستراتيجية فى المواقع الهامة الأخرى كإيران وتركيا وألمانيا الشرقية . . والعالم وخاصة الشيوعى منه ينظر إلى عدم تهور روسيا كأمريكا فى مسألة المحافظة على السلام وحرب كوريا ، فتظهر أمامه وأمام سواه هذه الروسيا بمظهر المسالم المتزن ، كما أن الروسيا بهذه السياسة تحتفظ لنفسها بخط الرجعة . .
والمعروف أن مندوب روسيا قد ترك هيئة الأمم ومجلس أمنها منذ زمن بسبب عدم تمثيل الصين الشيوعية وإحلال مندوبها محل مندوب الصين الوطنية ، ومن هذا يفهم أن هنالك هوة سحيقة بين المعسكرين الكبيرين ، والروسيا تريد تمثيل الصين الشيوعية فى مجلس الأمن ، والأمم الديمقراطية تأبى ذلك ؛ فما الرأى لو أن الروسيا أرادت إثارة الحرب الكورية أن تجبر مجلس الأمن على قبول ذلك الممثل الشيوعى الصينى ، أو أن تمهد لذلك القبول بطريق سياسى بارع ، ثم لو أن الأمر فى حرب كوريا
تطور زيادة على ذلك وتدخلت الصين الشيوعية فيها تدخلا عسكريا ؛ فإن الحالة سوف تزداد ولا شك سوءا وتعقدا ، وسوف يكون ذلك تثبيتا لدعائم الصين الشيوعية وسبيلا لاتفاقها النهائى والبلشفى مع روسيا الشيوعية . وإن أمريكا والدول الرأسمالية معها لتحس بمرارة كبيرة وهى تأبى أن تسلم بقبول الممثل الصينى الشيوعى لأنها قد أهملت أمر الصين ولم تنظر بحكمة إلى عواقب الأمور ، وكانت تهزأ بقوة الجيش الأحمر والطابور الخامس الشيوعى ونفوذه ، وهى تدفع اليوم الثمن غاليا وعاقبة التقصير حسرات وحسرات ، يدلنا موقفها السريع من حرب كوريا بوضوح على هذه الحسرات
لقد دلتنا التطورات فى الحرب الكورية على أشياء قمينة بالنظر ، بل تستحوذ على الاهتمام وتتطلب الانتباه ، دلتنا على أن الروسيا فى السنين الأخيرة لم تكن نائمة بل كانت تصنع المدافع والطائرات والقنابل والدبابات ، ودلتنا على أن النطاق الحديدى الذى حفت به حدودها السياسية إنما كان سياسة بديعة استطاعت بها تعمية الخارجين عن هذا النطاق فى الوقت الذى تكد فيه وتكدح فى سبيل رفع الذروة الصناعية والحربية والعسكرية فى داخلها ؛ ودلتنا على أن هنالك رتابة فى تطور أمريكا الحربى والسياسى بالرغم مما بلغته من شأو وقوة .
وتذهب الصحف إلى أن أمريكا تفكر أن تستعمل القنبلة الذرية فى حرب كوريا لإرغام الشيوعيين على الرجوع إلى ماوراء خط ٣٨ ، وندعو الله ألا تضطر إلى ذلك يوما ما والحقيقة التى تبدو للعاقل أنها لو استعملت هذا السلاح الفتاك فى هذه الحرب ، فإن ذلك لاشك سيدل على ضعف قوتها فى الأسلحة الأخرى ، خصوصا وأن الشيوعيين أنفسهم لم يستعملوا القنبلة الذرية فى حربهم فى كوريا ، كما أن كوريا نفسها بلد صغيربالنسبة إلى القنبلة الذرية وكان العالم يظن أن فى مقدور أمريكا فض نزاعه وإرجاع المياه إلى مجاريها فيه ببعض من الدبابات وبقليل من الطائرات
أما ما كان من موقف مصر تجاه هذه المشكلة الحالية فالكل يعرفه ويتحدث عنه ومنهم المحبذ والمؤيد والمعارض والناقد ، يتلخص هذا الموقف فى أن مصر تمتنع عن إعطاء
صوتها فى مجلس الأمن . وذلك لسببين بينتهما الحكومة المصرية فى قولها : " إن النزاع المعروض ليس فى حقيقته إلا مظهرا جديدا من مظاهر الخلاف المستحكم بين الكتلتين الغربية والشرقية ، ذلك الخلاف الذى يهدد سلام العالم وأمنه وإن هناك قضايا اعتداء على شعوب وعلى سيادة دول أعضاء فى هيئة الأمم المتحدة ووحدة أراضيها ، وقد رفع أمر هذا الاعتداء إلى الهيئة فلم تعمل على وضع حد له كما تعمل الآن فى حالة كوريا " .
ودهش العالم لهذا الموقف الجديد الذى ينم فى حقيقة مبناه وفى أعماق معناه عن مرمى بديع ترقى له الأمم المتوسطة والصغرى ، ذلك المرمى هو تبكيت هيئة الأمم ومجلس أمنها الذى أطاح بتلك القضايا التى دعاها تصريح الحكومة المصرية ( قضايا اعتداء على شعوب وعلى سيادة دول أعضاء فى هيئة الأمم المتحدة ووحدة أراضيها ) وإيقاظهما من سباتهما الطويل وعدم اكتراثهما المهين بالأمم والشعوب والدول الصغيرة المنكوبة فى سيادتها ووحدة أراضيها . وكان ما كان من تذمر مندوب انجلترا فى مجلس الأمن من موقف مصر .
إن العالم اليوم يواجه أزمة من أشد الأزمات ، والواجب على كل الدول وعلى كل الجهود أن تتكتل وتتجه صوب غرض واحد هو السلام ، السلام العالمى الذى يحلم به كل مخلوق على وجه هذه الغبراء ، يحلم به العصفور فى عشه الأمين . ويحلم به الحطاب فى جوف الغابة ، وتحلم به الأم الوادعة والطفل الصغير والحمامة الطائرة والابن الرضيع
ولن يأتى هذا السلام وذاك التكتل إلا على أساس متين تقدمة الدول الكبرى فى نياتها الحسنة التى تبديها محققة فى إعطاء الحقوق إلى أصحابها ورد السيادة إلى أربابها وعدم تمزيق الوحدات أو تفريق التوائم والبلدان حينئذ تنفض المشاكل ويبقى غرض واحد هو : السلام ولا شئ غير السلام ، ومن التوجه إليه يأتى ومن تكتل الجهود يتحقق . ومن الشعور بالسيادة والكرامة وحسن النيات الدولية يتعزز ويتكرم ، ويصير قانونا من قوانين الوجود كما يجب أن يكون دائما

