الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 601الرجوع إلى "الثقافة"

فى السياسة الدولية :, مشروع شومان

Share

... فى ٩ مايو عام ١٩٥٠ اقترح مسيو روبرت شومان Schuman وزير خارجية الحمهورية الفرنسية باسم حكومته اقتراحا للجمع بين موارد الفحم والصلب لأوربا الغربية ، وقد ترك هذا المشروع مفتوحا لدول أوربا الآخرى التى ترغب الدخول والاشتراك فيه ، وقد انضمت الدول إلى هذا الاقتراح ولكن انجلترا خالفت ذلك ...

ويقول (الجورنال ديجبت) فى عدده الصادر فى ٤ يونيه ١٩٥٠ : إن حكومات فرنسا وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا ولكسمبورج وهولنده وقد قررت متابعة أعمالها وجهودها فى سبيل السلام والتكتل الأوربى وفى سبيل التقدم الاقتصادى والاجتماعى إنما تريد أن تحصل على فوائد جمة من ذلك الغرض الحالى المشترك ، كما أنها بهذا المشروع الشومانى تريد أن تهيىء لها سلطة جديدة كبيرة ، ولم تصدق الحكومة البريطانية أنها تستطيع أن تشترك مع الست الدول الآخرى التى وقعت على المذكرة المشتركة فى هذا الشأن ، وقد سرت الحكومة الفرنسية حين فكرت فى أن بريطانيا قد تقبل الاقتراح

الذى تقدمت به لأجل تقدم المداولات والمخابرات وتدبير الأمور .

.. ويوافق مسيو بول هنرى اسباك رئيس وزارة البلجيك السابق على الدعائم الأربع التى قام عليها مشروع شومان ، ورأيه فى ذلك رأى يعتد به نظرا لسلطته ومركزه السياسى والاجتماعى ، وقد رأينا ذلك فى العدد الذى صدر فى ٧ يونيه ١٩٥٠ من جريدة ( البورص اجيبسيين ) وفى نفس مقال الرئيس اسباك فى نفس هذا العدد من الجريدة يذهب جنابه إلى أن يوم ٩ مايو ٩٩٥٠ ربما يكون ذا أهمية أولية كبرى فى تاريخ الهيئة الأوربية وإيجاد السلام ...

وفرنسا فى تمهيدها الأول لهذا المشروع إنما تريد أن تجعل الدول الأوربية تسلم أولا وقبل كل شىء بالأسس الأولية لهذا المشروع وهى أن تقبل مبدأ الجمع بين موارد الفحم والصلب ثم العمل على تكوين هيئة جامعة فوقها سلطة مركزية تستطيع أن تملى أحكامها وقراراتها على حكومات البلاد التى اشتركت فى المشروع ...

بيد أن بريطانيا لم توافق على هذا ؟ نظرا لأن ذلك فى رأيها يجعل هنالك سلطة أعلى من السلطة الوطنية ، وهذا ما تتحاشاه ؛ وهى ترى أن الفحم والصلب من أسس الثروة الاقتصادية فى بلادها ؛ تلك الثروة التى قامت على دعائمها الثروات السياسية والاجتماعية والثروات الآخرى ؛ فوضع هذه الأسس الهامة تحت سلطة دولية أو سيادة أعلى من سيادة قوميتها أمر يتنافى مع منطقها ، ويتنافى مع أسس سياستها التى تحبو على أرضها بهدوء وحمود واتزان ..

وهذه النقطة هامة فى الموضوع كل الأهمية ؛ فأنا لا أرى عجبا فى إجماع دول أوربا على السير فى هذا المشروع ، مشروع شومان ، وخروج إنجلترا على هذا الإجماع وعدم الاشتراك فيه كالدول الآخرى ؛ وذلك لأن هذه صيغة سياسية قد تواضعت السياسة الإنجليزية منذ قرون على السير على نهجها والدلوف مع خطوط رسيمها دون انحراف أو اعوجاج أو تغير وتبديل ، إلا ما اقتضت الضرورة واقتضت الظروف ..

وأسوق مثلا محسوسا فى تاريخ القرن التاسع عشر ، وذلك فى (المحالفة الرياعية) التى تكونت من الدول الأربع : النمسا ويروسيا وانجلترا والروسيا ، بعد فشل محاولات قيصر الروسيا فى (المحالفة المقدسة) التى اقترح برنامجها بعد إحداث الحروب النابليونية ومؤتمر فينا الذى عقد فى سنة ١٨١٥ لتنظيم شئون أوربا بعد هذه الحروب ، وكانت تلك الدول الأربع قد تعاقدت فى هذه المحالفة على الاحتفاظ بالسلم فى البلاد الأوربية ، وخاصة فرنسا وإسعاد شعوب هذه البلاد ، كما تعاقدت على أن تهيمن على الشئون الأوربية وتراقبها واحدة واحدة لتتخذ إزاءها الخطوات المطلوبة ، ودخول انجلترا فى هذه المحالفة ، إنما كان يستند ضمنا على ألا تدخل الدول الأربع المتحالفة فى شئون الدول الداخلية والخاصة بها أو تهيمن عليها ؛ فلما رأت أن المحالفة إنما كانت ترمى

لهذا الغرض بالذات ، وذلك بفضل متريخ زعيم الحركة الرجعية فى القرن ١٩ ، ويفضل الروسيا التى أراد قيصرها التدخل فى شئون الدول خشية عدوى الثورات فيها إلى بلاده وتركيزا للحكم المطلق فى هذه البلاد ، صارت منذ ذلك الحين عاملا قويا هداما لهذه المحالفة الرباعية ، لأن مناهجها غامضة تحتمل التفسيرات المتباينة والتأويلات المختلفة ، ولأنها رأت أن هذا الغموض يؤدى دائما إلى التدخل فى شئون الدول ومنها بريطانيا التى لا توافق بأى حال على إيجاد سلطة أعلى من سلطتها الوطنية وحريتها فى العمل وسيادتها القومية ، والتى تحول دون أى محرك يحركها غير أبنائها أو هدف بوجهها غير هدف بلادها أو محالفة تملى عليها إرادتها دون محالفة قوتها الخاصة متمثلة فى حكومتها وفى شعبها البريطاني .. تلقى ذلك حين قام مؤتمر فيرونا سنة ١٨٢٢ للبحث فى مسألة الثورة فى أسبانيا ورغبة فرنسا فى التدخل كى تقمع تلك الحركة المائجة فى أسبانيا ، ذلك البلد المجاور لها والذى يقلق مضجعها أول ما يقلق إذا ما تقلقل واهتز وقامت فيه الحركات والثورات . فالذى حطم المحالفة الرباعية انسحاب ولنجئن مندوب بريطانيا منها ليفسح مجالا طيبا لحكومته كى تهتم بأمورها وتحافظ على حريتها ونزعتها التى تتمشى مع اتجاهها ...

ولن تفهم من ذلك أن انجلترا لا تود أن تشترك مع الدول الأوربية فى مثل تلك المحالفات وهذه المشاريع . وإنما المفهوم أنها لا تمانع فيها ، إذا قامت على أساس أولى هو منح الحرية فى العمل ثم التعاون بعد ذلك على أى نص من النصوص لا يتنافى مع هذا الأساس الأولى . وما لنا نذهب بعيدا وأمامنا أمثلة بادية للعيان لا تعتورها الشكوك ولا تحوم حولها التفسيرات أو الشبهات ؛ فإننا نجد هذا الاساس الأولى فى سياسة بريطانيا فى ميثاق بروكسل وفى ميثاق الأطلنطى وفى غير ذلك من الهيئات التى ترمى إلى التعاون وتقوم على الاتحاد لأداء غاية معينة فى اتجاه معين ...

ويتساءل حزب العمال فى بريطانيا تساؤلا عجيبا ، فيقول : أين هذه الحكومة التى ترضى أن تدع رقابة دولية أو سلطة دولية تراقب صناعتها الهامة الكبرى التى هى أسس الحياة الاقتصادية فى البلاد الأوربية ! بل أين هذه الحكومة التى توافق على جعل سلطة ما تعلو على السلطة الوطنية فيها ؟ ولعله بذلك يريد أن يطبع الحكومات الأوربية بطابع حكومته ، مستنكرا رغبة هذه الحكومات إذا أيدتها فى تناسى السلطة القومية والتفكير فى رفع السلطة الدولية على الوطنية والقوميات ...

فترى بريطانيا اليوم أن حل هذه المشكلة الخاصة بمشروع شومان لا يكون إلا باجتماع وزراء الدول ليتباحثوا فى أمور هدفية ترمى إلى الاحتفاظ بالسلام فى أرجاء المعمورة ، وترمى إلى إيجاد وسائل جديدة تستطيع بها الدول رفع مستوى الاقتصاديات الأوربية وتقدم الحالة الاجتماعية فى أوربا ، مع الاحتفاظ بالحرية والتوفيق بين سياستها وروحها الذى تستمليه من القوة الموجهة لسياستها ، والتاريخ الحافل بأمثلة تلك الروح الخاصة التى لا ترغب فى التسلط الدولى وتأبى دائما إلا التمتع بالسلطة القومية .

ولكن هذا كما يبدو واضحا يتنافى مع ما ذهب إليه المسيو روبرت شومان فى مشروعه ؛ وذلك لفرق جوهرى هو أن رغبة بريطانيا هى أن تسير حسب وجهات واعجاهات عامة ، أما مشروع شومان فله أغراض محدودة ومنهج معين ...

ولا يخفى أن الدول الأوربية الغربية تود إشراك بريطانيا فى هذا المشروع لأن عدم اشتراكها يضيع على هذه الدول مكانة دولة من الدول الكبرى فى السياسة والاقتصاد ، كما أننا لو نظرنا إلى العلاقات الساسية بين انجلترا وفرنسا صاحبة المشروع نجد أنها تقوم فى هذه الأيام على أساس من الود الخالص والتواد الكامل ؛ لذا فلا شك أن الدول سوف لا تألو جهدا فى إشراك بريطانيا ، وفى نفس الوقت ستعمل كل جهدها للتوفيق بين الروح والوجهة البريطانية

وبين أغراض المشروع الشومانى ، وبالتالى سوف نرى أن بريطانيا ستشترك فى هذا المشروع على أى نوع من أنواع المشاركة ، ولا غرو فهى اليوم تطلع أولا فأولا على التفاصيل الخاصة بتطور المباحثات الخاصة بذلك المشروع الهام الذى يشغل جزءا هاما من السياسة الأوربية فى هذه الحقبة من الزمن .

اشترك في نشرتنا البريدية