الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 635الرجوع إلى "الثقافة"

فى السياسية الدولية :, الجامعة العربية فى مهب الرياح

Share

مرت بالجامعة العربية أزمات وأحداث ، تعرضت أثناءها لخطر التصدع والانحلال . لولا أن أدركت رجالها عناية الله وحرارة الإيمان . ولو درى العرب أن جامعتهم أصبحت غصة في حلق الصهيونية والاستعمار ، لتحالفوا وتألفوا ، ولعضوا على جامعتهم بالنواجذ ، وضحوا بنزعاتهم الشخصية ، وتعاونوا على البر بها وتقوى الله في وحدتها .

إن الرياح تهب على بناء الجامعة من كل جانب ، فهي تواجه امتحاناً عصيباً لقوتها وعزمها ويقظتها ووحدة رأيها ، وها نحن نرى معظم الصحف والمجلات الأوربية والأمريكية تحمل عليها ، وتحاول الانتقاص من قدرها ، وتتهم الدول العربية بأنها لا نستطيع الدفاع عن نفسها حتى ولو أعطيت السلاح في يدها ، وتعيرنا أنا نجتمع في الجامعة وقلوبنا شتى ، وأن بالجامعة محورين متعارضين ، يتربص كل منهما للآخر ، ويعلم الله أن الاستعمار هو الذي يلعب دوره الخطير في هذه الأيام ليهدم الجامعة العربية على رءوس أصحابها حتى لا تكون وحدة .

لقد كانت الجامعة العربية في نظر انجلترا والولايات

المتحدة حصن الشرق العربي ضد العدوان السوفييتي ، وكان ذلك عندما أهابت تركيا بهما ألا يتركا ظهرها مكشوفاً أو ضعيفاً ، واقترحت أن تصل الدولتان على تقوية ظهرها في الشرق الأوسط ، ولما كانت الدول العربية هي ذلك الظهر المنشود ، كان لابد من تشجيع التكتل العربي في صورة من الصور ، فهللت تلك الدول جميعها للجامعة وكبرت ، ولم يكن إذ ذاك في الإمكان أبدع مما كان . ثم سمعنا أن الكتلة الشرقية بدورها ترحب بالجامعة وترجو على يديها الخير والبركة .

قد سئمت الدول العربية تلك الدعايات التي ترد إليها تارة من الشرق وتارة من الغرب ، فهي تدرك تماماً أن الجانبين يخطبان ودها قبل كل حرب ، حتى إذا انتهت أدارت تلك الدول الكبرى ظهرها للعرب ، وضربت بوعودها عرض الحائط ، وخلقت لهم المتاعب في بلادهم ، ولن بنسى العرب آخر هدية اشترك في تقديمها لهم دول الكتلتين الغربية والشرقية معا ، وكانت الهدية - والعياذ بالله - هي دولة إسرائيل ، ووجد العرب أنفسهم يحاربون

الشرق والغرب في أرض فلسطين .

ثم تلقت إسرائيل الغوث والعون من كل جانب ، حتى من تركيا التي تربطها بالعرب علاقة روحية قديمة ، ومكث العرب على مضض ولم يقولوا لتركيا " حتى أنت يا يروتس " ! .

وقد ذكرت الصحف هذا الأسبوع أن وزير الخارجية التركية الجديد " السيد فؤاد كوبرولو " ينوي زيارة العواصم العربية لكي يتفاهم على أربعة موضوعات هي :

أولا : إزالة سوء التفاهم الذي حدث بين تركيا والبلاد العربية بعد أن اعترفت ركيا بإسرائيل وأنشأت معها علاقات اقتصادية .

ثانياً : التفاهم على الموقف الذي سيقفه العرب إذا هاجم الاتحاد السوفييني تركيا .

ثالثاً : بحث فكرة تأليف حلف للشرق الأوسط يضم بعض دول المنطقة الشرقية من البحر الأبيض .

رابعا : تنظيم المشاورات السياسية والعسكرية بين دول الشرق في حالة الطوارئ .

ولست أشك في أن الدول العربية جميعها سترحب أكبر الترحيب بزيارة وزير الخارجية التركية لتعبر له من عواطفها الودية نحو الدولة الإسلامية الكبرى . ولكنها سوف تعتب علي تركيا في شخص معاليه . ذلك الموقف المحبب الذي وقفته تركيا بإزاء كارثة فلسطين ، إذ اعترفت بدولة إسرائيل قبل أن يعترف بها دول أوربية وغير أوربية لا تربطنا بها وشائج القربى وعلاقات المورة الروحية القديمة ، بل إنها سمحت لها منذ صيف عام ١٩٤٩ بإيفاد قنصل صهيوني إلى اسطنبول ليشرف على حركة اليهود الراغبين في الهجرة إلى إسرائيل ، وقد كان هذا الفصل بالذات من دعاة الحركة الصهيونية ومنظميها وهو " فكتور اليشار " الذي استطاع في مدى شهرين أن يرسل من تركيا وحدها حوالى ثلاثين ألف يهودي من الشباب الأقوياء ، في الوقت الذي كانت فيه الدول العربية في حالة حرب مع إسرائيل .

إن الدول العربية على استعداد أن تنسى إساءة كل من أساء إليها على شرط أن يعيد هؤلاء النظر في موقفهم بإزائها ، وألا يحرموها من تسليح جيوشها على أحدث النظم والأساليب ، وألا يفرضوا على سبعين مليونًا من

العرب صلحاً شائناً مع حفنة من اليهود طردوا وشردوا مليونًا من العرب لا يجدون المأوى ولا يستطيعون العودة إلى أملاكهم وأوطانهم .

لقد أنفقت الولايات المتحدة ملايين الدولارات لإعادة تسليح تركيا والنهوض بجيشها إلى مستوي الجيوش الحديثة ؛ وها هي ترى الآن أن معنوية تركيا يزعزعها أن بابها الخلفي مخلخل غير محصن ، وهي في الوقت نفسه تأبى أن تدع لأصحاب هذا الباب أن يصلحوه ويقيموه بأنفسهم ، حتى لا يتعارض هذا الإصلاح وهذا التحصين مع الطفلة المدلة إسرائيل . وهي سياسة لن تجديهم فتيلاً ، لأن العرب لن يسمحوا لغريب أن يرابط في ديارهم لحراسة بابهم .

إن إسرائيل ، التي يريدون فرضها على العالم العربي دولة لها أطماع سجلتها في كتب مؤلفيها والخرائط التي رسمموها لها ، إلى جانب أنها دولة لا يؤمن جانبها في يوم من الأيام ؛ والأمثلة على ذلك واضحة كل الوضوح في نقضها بعهودها ومكرها السئ بأهل فلسطين . وقد كانت تلك الدولة إبان اشتباكها مع العرب طفلة يدعيها ثلاثة آباء ، هم : العم سام ، والسيد جون بول ، والرفيق ستالين ، فلما شبت عن الطوف أنكرت أباها الأخير وأدارت له ظهرها - وقد لا يطول ذلك - وانضمت الآن صراحة إلى المعسكر الغربي بعد أن ضحكت على ذقن الروس في أول الأمر وأوهمتهم أنها رسول الشيوعية في الشرق الأوسط . وصدقتها روسيا وأوحت إلي دول أوربا الشرقية التي تدور في فلكها - وبخاصة تشكوسلوفا كيا - أن تغمر الصهيونيين بالأسلحة والذخائر ، ولم يكن ذلك حبا في سواد عيون اليهود ، ولكنها ظنت - وبعض الظن إثم - أن إسرائيل ستصبح محلب الروس في الشرق . ولا أدري كيف فات القوم أن إسرائيل لا تستطيع أن تعيش بين أعدائها العرب على مواردها الخاصة ؛ فهي دولة طفلة ، ترضع ثدى الإنجليز تارة ، وثدى الأمريكان تارة اخرى ، ولن تصل إلى دور الفطام إلا إذا صالحها العرب ، لكي ترضع دماءهم وهيهات ! .

إن المستعمرين من أنصار الصهيونية يحاولون الآن التهجم علي الجامعة العربية التي باركوها من قبل عندما كان وجودها خدم أغراضهم . فلما لمسوا في أغلبية أعضائها

استقلالاً في الرأي ، واحتفاظاً بالكرامة ، أخذ دعاتهم يحاولون الحط من شأنها وخلق الشقاق بين أعضائها ، وحياكة المؤامرات لهدمها ؛ وأستطيع أن أورد لذلك مثالين لمقالين يوضحان اغراض تلك الحملة كل الوضوح . أحدهما لفرنسى شهير هو الدكتور موريس مويال الذي زار الشرق الأوسط ويراسل عدة صحف فرنسية وأمريكية ، نشره في مجلة  World Affairs وحمل فيه حملة شعواء على مصر خاصة ودول الجامعة العربية عامة ، ونادى بأن تعمل الدول على حل الجامعة العربية حتى تجد مصر نفسها في عزلة ، لأن سياسة خلق كتلتين متعاديتين في الجامعة العربية لم تجد حتى الآن فتيلاً ؛ ويقترح مويال - نفع الله به إسرائيل - أن تعمل الدول الغربية على إيجاد توازن حربي بين إسرائيل والأردن بتقوية السلاح الجوي الإسرائيلي والسلاح البري الأردني ؛ وذلك - في نظره الثاقب ؛ - تضرب الدول الغربية عصفورين بحجر واحد ، إذ تصبح تحت تصرفها قوة برية أردنية وقوة جوية إسرائيلية يمكن الانتفاع بهما عند الضرورة ، وفي الوقت نفسه لا تستطيع إحداهما أن تعتدى على الأخرى ، فإسرائيل لا تستطيع غزو الأردن دون أن يكون لديها جيش بري متفوق على جيش الأردن ، ولا تستطيع الأردن أن تمس إسرائيل التي تتفوق عليها في السلاح الجوي ! .

والمثال الثاني الذي نورده آسفين . تلك المقالات المتتابعة التي ينشرها أحد زعماء حزب العمال في انجلترا ، وهو المستر كروسمان ، الذي نصب نفسه للدفاع عن إسرائيل ومهاجمة الدول العربية ، ومحاولة إقناع الرأي العام البريطاني ألا حليف لهم في الشرق سوى إسرائيل ، وهو يعلم أن أغلبية الرأي العام البريطاني لا تميل إلى الصهيونية التي أودت بحياة عدد كبير من الإنجليز في فلسطين ، ولكن كروسمان بعث لهم أثناء زيارته لتل أبيبب في الشهر الماضى برقية نشرتها جريدة سنداي بكتوريال ، قال فيها : " إن الرجال والنساء الذين ظلوا هنا يستنكرون الاستعمار البريطاني مدى سنوات ويصفونه بأنه أصل " جميع الشرور " أصبحوا يشعرون الآن بأن الكومنولث البريطاني حليف مأمون الجانب يستطاع الركون إليه اكثر من الولايات المتحدة الحمقاء - هكذا قال - التى لا يمكن التكهن باتجاهاتها " . وأخيراً قال

كروسمان عضو مجلس النواب البريطاني وأحد زعماء العمال : " إنه حدث عندما وصل السير نوكس وزير بريطانيا المفوض إلى إسرائيل منذ عامين أن قيل له أن يتجنب السير في الشوارع في تل أبيب مخافة أن يحصبه الناس بالحجارة . أما اليوم فقد أصبح أحب الرجال الدبلوماسيين إلى نفوس أبناء الشعب الإسرائيلي " .

وقد نشر كروسمان مقالا آخر في صحيفة ( نيوستيسمان ) حث فيه على ضرورة الإسراع بإبرام معاهدة صلح بين الأردن وإسرائيل ، واستطرد قائلاً : " إننا لا نملك من غير هذه المعاهدة أساساً ثابتاً يمكن أن تقيم عليه سياستنا في هذه المنطقة ؛ وربما تبرم هذه المعاهدة فإننا نرى صديقتينا الوحيدتين تتحفزان الواحدة بالأخرى " .

وسيعرف المستر كروسمان والدكتور مويال وغيرهما من دعاة التفرقة بين العرب ، أن الجامعة العربية ستقف في مهب تلك الرياح صامدة ثابتة ، وأولى لهما فاولى أن يحثا الدول الديموقراطية على أن تعيد النظر في سياستها نحو العرب ؛ فالشرق العربي القوي بإيمانه ، الثابت على عهوده ، المدافع عن نفسه بنفسه ، خير لهم وأبقى ، من أن يعملوا على إضعافة وتحطيمه . والله من ورائهم محيط .

اشترك في نشرتنا البريدية