هو الشرق مهد الحضارات الأولى . وأقدمها فى الشرق الأدنى الحضارة المصرية والحضارة الأشورية البابلية ، وأقدمها فى الشرق الأقصى الحضارة الهندية والحضارة الصينية . وجميعها نشأت فى أحضان الأنهار العظيمة فالذى عليه جميع من استقصوا تاريخ الصين من قدماء ومحدثين أن حضارتها القديمة ترعرعت وازدهرت فى سقى نهر بن كأرض الجزيرة ، وهما النهر الأصفر " هوانج هو " والنهر الأزرق " يانج تسى كيانج " . وذلك ان الجنس الصينى النازح من منابته الأصلية فى أواسط آسية إلى
شرفها قد صحب النهر الأصفر حتى البحر ، ثم انساحت أفواجه ما بين النهرين التاريخيين . ولم يلبث هؤلاء المستوطنون أن وتبوا من السهول الطبيبة اللينة على الحزون الغليظة الصلبة فى الصين الجنوبية . وما يزال بين أهل الشمال وأهل الجنوب حتى بعد تمام الفتح وتطاول الأحقاب فوارق واسعة الشقة بعيدة المدى ، بقدر الفوارق الجغرافية ما بين السهول من الغرين والطينة الصفراء الدسمة وبين الأودية الضيقة الفجاج الجبلية .
قبل التاريخ
والصين كسائر الأمم الذاهبة الإعراق فى القدم ، لم يشهد التاريخ ميلادها . فلا غرو أن كانت الكلمة فى بيان خبرها قبل التاريخ للخرافة والأساطير مثلى غيرها . فهى تروى لنا عهد الأسرة السماوية ، ثم عهد الأسرة
الأرضية ، ثم الأسرة البشرية . وجملة هذه العهود الأولى أربعون وخمسمائة قرن . يجئ بعدها ثبت الملوك الاقدمين ، ونكتفى من أسمائهم باثنين أو ثلاثة . فهذا ملك اسمه " انتشرت الوكون " ، وآخر اسمه " حك حطبة بأخرى تقدح نارا " ، وغيره يكنى " الاطار والقب " . وظاهر أن هذه إشارات إلى مراحل الحضارة الأولى فى حياة الدولة الناشئة . فواحدة تصور لنا قيام المساكن واستقرار القوم ، والأخرى مرحلة تسخير النار ، والثالثة اختراع العجلة واستخدامها فى النقل .
ويذكر الصينيون على رأس عهدهم التاريخى اسم " فو - هي " ، قبل ثلاثة أو أربعة آلاف سنة قبل ميلاد المسيح ويزعمون أنه هو الذى علمهم الصيد فى البر والبحر ، وتأنيس الماشية وتربيتها ، وزودهم بالمحراث الأول ، وهداهم إلى ضرب من حساب الأيام ، وهو الذى شرع لهم نظام الزواج ، وجعل الرجل قواما على الاسرة ، وإليه يرجع الفضل فى اختراع الكتابة الصينية .
وأقبل خلفاء " فو - هى " على هذه الخطة العمرانية من اختراع للآلات الزراعية ، واستخراج لخواص النبات الطبية ، ووضع المكاييل والموازين ، وتقرير لمناسك الدين وغير ذلك . فنحن نسمع عن " هوانج تى " الذى أهلك الدبية النفشية فى البلاد ، ورتب التقويم القمري ، ورسم باختصاص السحرة ، وأمر بالتقريب للأرواح . ثم "باو " الذى دبر المياه ، فأجرى السواقى والأنهار وأقام المصانع والسدود ، ونظم الرى والصرف . و " شون " مبدع التقويم الشمسى وأول واضع لقانون العقوبات . كما نسمع عن " يو " البطل الوطني الذي قاد امته من ضفاف النهر الأصفر إلي ضفاف النهر الأزرق ، فقامت على يديه الدولة وتوطدت أركان الملك .
ويلاحظ أن مدة حكم الواحد من الحكام الأولين على ما جاء بالتواريخ الصينية أطول مما يمكن أن يمتد له أجل أحد من بنى الإنسان . فالشأن فيهم كما قدمنا لا يعدو أنه تصوير المراحل التى مرت بها حضارة الصين ، وإن كانت الفترات المزعومة أقل مما ينبغى تقديره للانتقال من مرحلة إلى مرحلة فى سير الحضارات .
عهد الأسر المالكة :
كان نظام الحكم فى ذلك الاوان كنظام العشائر توكل فيه ولاية الامر لن ينتخبه شيوخ القوم من بينهم ، حتى ولى أمرهم " نا - تو " فصار الملك على يديه وراثيا . وتعرف الأسرة الحاكمة الأولى باسم " هيا " وخلفتها بعد قرون أسرة " شائج " ثم جاءت بعدهما أسرة "شو "
وليس يصح قبلها تاريخ يقينى عن الصين ، ومدة حكم ملوكها أطول مدة عرفها التاريخ ( من ١١٢٢ إلى ٢٤٩ قبل المسيح ) . ولم تلبث الامبراطورية أن صارت على عهدهم إقطاعات على كل إقطاع امير بتوارث إقطاعه أبا عن جد ، وللامبراطور عليهم السلطان الأدبى والسيادة
الروحية . وقد بلغت عدة الدويلات الصغار فيما بين النهرين الأصفر والأزرق بضمة ألوف ، وكان يتنازع السيطرة عليها خمسة أو ستة من أصحاب الامارات الكبار ، فنشبت بينهم حروب وجرت وقائع تتغنى بها وتأتى على نفسها مأثورات القوم نظما نثرا . على أن الذى جعل هذه الحقبة من تاريخ الصين انبه ذكرا وأجل خطرا ، لا يتصل بأحداث السياسة والملك ، ولايمت إلى معارك القتال ومواقف الأبطال ، وإنما هو ظهور الحكمة على لسان " كونفشيوس " و " منسيوس " و " لاوتسى " .
قيام الوحدة الصينية :
وإذا كان الحكماء الثلاثة قد مضوا يدعون إلى الخير ، ويضمون للصين قواعد المجتمع ونواميس الأخلاق باقية مخلدة ، فان الأمراء أصحاب القطائع قد مضوا فى التقاتل والتناحر مبادرين إلى الشر استجابة للأطماع وحبا فى الغلبة على سائر الملك والاستئثار بالسلطان كله . وما برح الاقوياء منهم يبتلمون الضعفاء ويستغرقون ما بأيديهم ، حتى صارت البلاد التى كانت من كثرة الامارات مثل رقعة الشطرنج مجتمعة في مملكتين : مملكة " تسين " مملكه " تسو " . وكان أعلهما أصلا أهل حرب وجلاد بطبيعة وقوع هذه وتلك على التغور ما بين الصينيين والهمج .
فاحداهما " تسين " بمقاطعة شنسى الواقعة فى منحنى النهر الأصفر كانت موكلة بمدافعة أفواج الجنس التركى مغلا وتترا وهونا وغيرهم فى الشمال ، وكلهم بدو من الرعاة الرحل . و الاخرى " تسو " بمقاطعة هوبى قائمة فى وجه أبناء البلاد الأقدمين الأصليين ، وهم على حال الفطرة ،
ومعاشهم على سيد الأوابد من الخيل والسائمة ، فلما أن تم للأولى احتواء اقاليم الشمال ، واستوعبت الثانية أقاليم الجنوب ، التقت الأسر ثاني الحاكمتان وجها لوجه ، وقام فى مطلع هذا الفجر البعيد من التاريخ أول نزال عظيم بين
الشمال والجنوب . فكتبت الغلبة لامارة " تسين " وكان من أثر ذلك فيما يقال أن غلب اسمها على البلاد كلها ، فعرفت من ذلك الحين باسم الصين . ونادي الأمير الشاب الجرئ القلب الشديد البأس " وانج تشنج " بنفسه عاملا على الصين جميعا ، وتسمى باسم " شو هوانج تى " أى الامبراطور الأصفر الأول (٢٤٦-٢١٠ قبل المسيح ) وراح يعمل على ترسيخ قدمه وتمكين ملكه واستجماع الأمر له .
النظام الجديد :
صرف الامبراطور كل همه إلى جعل الصين أمة ، وتوحيد هذه الأمة . فوقق فى ذلك التوفيق كله . ولقد أزال النظام الاقطاعى ، ومتجشم لا زالته ما يجشم ، وقسم الصين إلى أعمال ، أقام عليها من قبله عمالا مسئولين أمامه . فلم يعد الأمر بعدها موزعا ، وتركمت فى يده أزمة الحكم . ولكى يكون قضاؤه على النظام الاقطاعي مبرما لا رجعة له ، ارتأى أن يقطع كل صلة بالماضى .
ويزيل كل أثر له فى الأذهان . وإذ كان لا سبيل إلى ذلك والمخلفات الموروثة والأخبار المأثورة عند القوم فى الموضع الأرفع من التجلة والإكرام ، فقد أجمع رأيه على عزم ينته عنه ما للسلف من قداسة واعتبار ، فأمر بالأسفار أن يحرق جميعها بما تضمنت من خير عن تاريخ الصين القديم ، وإسناد إلى نظمها العتيقة . واستتبع ذلك اضطهاد شيوخ العلم وحفظته القائمين على ثرائه وأمانته ومن اجترأ منهم على المخالفة أو المراجعة فى أمر الكتب ألحقه بها ،
يصلى حيا لهيبها ويكون نصيبه نصيبها . ولولا أن بعض ذوي الشكيمة والعناد الذين لم تصدهم خشية النار
قد أفلح فى إخفاء بعض الكتب ولم يفتضح تدبيره ما خاص إلينا شئ من أسفار كونفشيوس المقدسة وسائر الذخائر الأدبية التالدة .
ومن عجيب ما يروى عن هذا الامبراطور العجيب أنه كان أطيب الناس نفسا بقبول مشورة النصحاء - وهم فى كل بلد كثيرون - ولكنه كان إذا ظهر فساد النصيحة أمر بالناصح المتنطس ، فألقوه فى مغطس يغلى بالماء غليانا ، جزاء لسوء رأيه وغروره بنفسه .
ولا ريب فى أن القارئ يلمس فيما تقدم شدة حفيظة الإمبراطور على المشايخ العلماء لوقوفهم فى وجه التجديد . فلم يكن برضهم إلا أن يبنى الحال فى أخص مطالب الدولة ونظم الحكم وفى سائر الأشياء كما كان منذ الاف السنين ، وأن تبقى الإدارة كلها فى أيديهم ، وأن يظلوا على سنتهم جامدين . ولقد أورد المؤرخ الصينى الكبير
"سى - ما - نسين " منطوق خطاب ألقاه احد وزراء الامبراطور بين يديه . ومثل هذا الخطاب لا محالة أصدق بيان للحالة . ومنه قوله : " فأنتم يا صاحب الجلالة أول من تحقق على يديه هذا السعى الجليل . لقد بنى صاحب الجلالة اليوم مجدا سيبقى علي ألوف السنين . ذلك لعمر الحق ما يقصر عن إدراكه الفقهاء لأغبياء الجامدون . فالسادة الفقهاء لا يهتدون بهدى الحاضر ,
ولا ينهجون سبيله ، وإنما اشتغالهم بالعهد القديم يعيدون فيه النظر ويكثرون فيه المقال ، يقصدون من ذلك إلى الحط من قدر النظام الحاضر والغض من شأنه ، فهم يوقمون الريبة ، ويشيعون الفتن فى الرءوس السود أبناء الصين . . "
وإذا فالمشايخ العلماء لم يكونوا مشايخ علماء فى نظر الامبراطور ، بل أعداء الدولة ودعاة الرجعة ، وعناصر الشغب والفوضى . وكذلك الأسفار المقدسة لم تكن فى
نظر الامبراطور أخبارا ومواعظ وأدبا ، بل قيودا وعراقيل من وراء القبر ، يفرضها الغابر الميت على الحاضر الحى . ومن ثمة عمد إلى الضرب على أيدى المشايخ العلماء والتنكيل بهم ، وأراد إلى إحراق الأسفار التالدة ، حتى لا يبني لها أثر ولا يعرف عنها خبر .
ولم يقتصر نشاط الامبراطور على الشئون الداخلية بل أعلى أحسن البلاء في مدافعة العدو الخارجى . فقد كانت قبائل الهون الرحل فى منغوليا لهم الغلبة على الأقطار الشاسعة من بحر اليابان إلي جبال أورال ، وقد شرهت نفوسهم إلى خيرات الملكة الصينية المتوسطة ذات التربة الصفراء الدسمة والسهول المخصبة الغنية ,
ولكن " شئ هوا نج تى " صمد لهم ورد عدوانهم مرارا ، ثم أقام فى حدود الأقاليم الشمالية دونهم سدا وهو المعروف بالسور الأعظم ، ويمتد مائتين وألف ميل من إقليم تشين سى فى الغرب حتى البحر شرقا ، ومتوسط ارتفاعه ثمانية أمتار وعرضه ستة ، وبين كل مسافة وأخرى مرقب عال حصين ،
وفى مواطن الخطر يقوم فيما يلى السور ثان وثالث ، وقد قضى الامبراطور بأن من يترك من العاملين فى بناء السور ثلما مثل سم الخياط فعقابه الموت . ولا مرية فيما اقتضى هذا البنيان الضخم المتين من عظم الجهد وشدة النصب . وأكبر الظن أن الطاغية قد سخر فى الملايين الذين سخرهم لبنائه ألوف العلماء المضطهدين ممن اعتد ذنبهم
أخف من ذنب إخوانهم المشايخ الخمسماية المحرقين فالامبراطور له سياسته فى الداخل والخارج محدودة واضحة كما مر بنا ، وله كذلك فى تنفيذها طرائقه التى رأينا ، ولا شك في أنها طرائق قد اختص بها . وليس يعرف التاريخ محاولة للانفصال عن الماضي والقضاء على روح المعارضة للتطور والرقى أجرأ وأعتف وابعد مما ذهب إليه " شى هوانج تى " ولكن النظام القديم كان أعمق جذورا وأوكد تائلا وأتم تعبيرا عن روح البلاد من أن تمتنع عودته إلى الظهور . ففى اليوم الذى مات فيه الامبراطور المجدد مات معه نظام الحكم الجديد ، وعادت البلاد كما كانت خاضعة لنفوذ المشايخ العلماء ورهن احكام الكتب القديمة ، وأصبح اسم المصلح العظيم تنصب عليه العنة الأبد فى مصنفات المؤرخين الصينيين .
( له بقية )

