الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 191الرجوع إلى "الرسالة"

فى الصحراء

Share

عشقتها منذ أن عاش جسمي بين يديها أربعا وعشرين ساعة فى الخريف الماضى كذرة من رمالها فى وهج ظهيرتها , وافياء آكامها , وطفل اصائلها , واشباح دياجيها ورهبوت عوالمها ... ومنذ أن لمست يدا قوية من طبيعتها تمتد إلى قلبى فتضربه بشعلها وتعصره برهبتها , وتحمله فى اجوائها مع الهبوات , وتسقيه من آلها وسرا منها اهواجا تظمىء ولا تروى , وتتلف ولا تسعف , لانها أحلام الأرض الظامئة والاكباد الحرى .

واستقبلت العودة إليها فى ظروف موات استقبال المتطلع إلى عالم مسحور ناطق بالصمت , محى بالموت , مثير بالهدوء , منضربالشوك , مرو بالجفاف , مؤنسبالوحشة , يضج القلب فيه ضجيج الدنيا وإن صمت هو صمت الآخرة , ويحوم الفكر فه حول العقدتين الازل والابد , فتختلط الحواس وبتداخل فعلهاقتسمع العين وترى الأذن وتلمس الاضواء والألوان!

سلام عليك أيتها الذرات المتشابهة الراقدة على مهاد الأزل المة بالنشقلة على جناح الرياح إلى عوالم الأنهار والأزهار

والحيوان .. سامانة من طول الرقاد على بساط الديموم , تمثلين العقم والبساطة والصورة الأولى للأجسام ... تنظرين إلى الذرات العليا المضيئة الدائرة في فضاء ربى والراقدة أيضا على صدر الفراغ .. تحلم بالقراركما تحلين أنت بالانطلاق والفرار .. فى قلبى ذرة صغيرة معربدة لذاعة وددت لو استحالت إلى جمودك ! إذن لاراحت واستراحت من روح الحياة . إنها ذرة تحلم بالرياح كما تحلين . فهى ثائرة تريد الانطلاق من ضيق المكان .. وهى دائرة على ذلك حتى يفنى الزيت من السراج، وتخمد الوقدة التي وضعت شرارتها يد الله فى ذراتى الاولى !

نحن ركب مسيرون لا سائرون أيتها الدورات .. مسيرون بعواصف خفية فهي أهول , مكيوتة فهى أعنف , متنافرة فهى أسرع فى تحطيمنا ونقض ينائنا . فلا إرادة ولا خيرة فى النقلة , وإنما هى رياح من نوع آخر , وما أكثر جنود ربى !

سألت :كم مضى من دهرك أيها الديموم ؟... فاجابت : طفلة أنا لا أعي دورات الفلك , ولا أشيخ على الدوام ... وإنما . تقاس الأزمان وتعرف الأعمار بجفاف فى ورقة , أو تجعيدة . على وجه . وأناكما ترانى علامة ابتداء ..

وسألت :'' لمن خلق ليلك والنهار , وشمسك والقمر ؟ ومن يسمع تناوح رياحك وعزيفها على شعاف جبالك , وصفيرها فىكهوفك ؟ ومن يسمر مع نجومك , ويشهد تقاتل عناصر الطبيعة على صدرك ؟ لمن وشائع الغيوم على صفحات سمائك , وألو ان جددك وظرابك وآكامك ؟وأين كل ماصبته الشمس والكواكب على أديمك من أضواء وألوان ؟ العابرين فيك كالنسيمات والطائرين عليك كالخطرات !؟ أكل هذه الا كوان للشاه والبعران والرأعيان !؟ ويح الجمال من غير عيون نجتليه ، والجلال من غير قلوب تستوحيه , والسطور من غير قارىء !

فأجابت: سري وسحري أن أكون آبدةً عقيماً متفردة  لأني أرض الخفاء والمجهول والجن. . . الجن الذين ملأوا آفاقي  بتهاويلهم كما ملأتم دياركم بالشواخص والأجرام. . . وقد خلقت  لهم، وإن منهم قلوب الشعراء والمتأملين، السائرة مع الأضواء

والظلمات ترقبها فى الشفق والغسق، الخافقة مع الهبوات  والنسمات ترصد فعلها في المدر والوبر والدوح والورق، النائمة   في حضن جبل أو على ذراعي موجة أو فى عين نجم، أو فى عش،  أو على زهرة منضورة نقطها الندى، أو فى ناى راعٍ، أو في قبر  مهدم متفرد!

يا أم الفطرة! أريد أن أقبض قبضة من ذراتك البسيطة  التركيب، البريئة من الدنس، المطهرة من الرجس، فأحصب بها  وجوه المصانع وناطحات السحاب لعل أحجارها تذكر المهد  الأول فترعى ذممه، وتوشج رحمه، وتزيح عنها دخان البارود  لترى السماء وتسمع خبرها. . .

يا أم الفطرة ودينها، انبهامُك ترك عقل   (محمد) فى حيرة  غداة شب عن الطوق يرعى. ومجالي الفتنة والروعة فيك نادته  إلى العزلة في شعفة من شعفات جبالك يسأل الدنيا عن سرها  وأزلها وأبدها ومللها ونحلها حتى حدثته السماء خبرها، ولم ينزل  خبر السماء إلا فيك أو على حَوافيك، لأنك القدس والمطهر،  تسجد الطبيعة فيك بالإصباح والإمساء، والنجوم والجبال  والشجر والدواب. . . وإن أهل الأرض مدينون لك بالظل الذى  يجدون برده على قلوبهم وامتداده على أرواحهم؛ ولقد نشرت    (كتابك)  على الدنيا مرة فطبعت كلماته على الآفاق كلها؛  ولكن ركاما من الغيوم يكاد يخفيها، فأرسلى رياحك الحارة  تذيب الركام وتجلو كلمات النبوة. . تريد الأرض موجة جديدة  منك أيتها الصحراء، فاهتزى!

ضَحِكَت بالقَتاد والأشواك ... ضِحكةً خِلتُها بشاشةَ باكِ

أرسلتها في الصمت هَمْساً ولكن ... رَنَّ فى مسمعى صداها الحاكى

فَرْحةً بالربيع دَبَّ على الأر ... ض وليدا يثيرِها لِحراك

فرَشت فى طريقه الشوكَ والحَم ... ض ووشّت رمالها بالأراك

عجزت أن تجارَي الخَصبَ بالحب   (م)  ... وفَرش الرُّبى ونفح الزواكي فأنالت جُهدَ المقلِّ، وما يُطْ ... لَبُ من عاجز بلوغُ السماك القاهرة

اشترك في نشرتنا البريدية