الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 116الرجوع إلى "الثقافة"

فى الطفولة المشردة

Share

من بضع ليال خلت سممت من الرديوي صدرا من الاحاديث القيمة والأزجال الطريفة التي القيت في حفلة ) الطفولة المشردة ( . وما إن انصرف الرديو إلي إذاعة أخري ، حتى شغل حديث هؤلاء الطفل المشردين دهني ، وملك علي نفسي .

هذا بصري يتعثر فيهم في كل شارع من شوارع القاهرة ، وكل جادة من جوادها ، وكل زقاق من أزقتها . لا يخلو منهم مكان ، في ليل أو في نهار !

ناحلو الأجسام ، بادو العظام . حتى كانما شدت الجلود عليها شدا ، فلم تفسح بينهما لغير العروق مسلكا . وهذه وجوه مغيرة ، كأنها بعثرت لتوها من جدث . وهذه عيون حبري ، لا تكاد تقع على شيء حتى تتحول مسرعة ، خشية ان يعتريها الكروه من الناحية الأخرى ، فهي في فزع دائم وورع مقيم . دائمة الوثب والمتواري خلف الجدران ، تحسب كل صيحة عليها . ولا تحسب عينا مفتوحة إلا لتصيبها ، ولا رجلا ماشية إلا لتركلها ، ولا بدا مرسلة إلا لتهيأ للبطش بها !

ولقد نحسب ، في بعض الحين ، انها أصابت من هذا العدو ) جمهرة الناس ( الغرة ، ووافقت منه الغفلة ، فسرعان ما تنقض انقضاض العقاب هي عقبة سيجارة . فإذا هي التقطها ولت مسرعة تضرب ذات اليمين وذات الشمال ، فرار من الطلب الدراك ليس له انتهاء ، ولقد تراها في تلك اللحظة ، لحظة الأمن . وهي تنبش الزبل في وعائه القائم في بعض الطريق ، لعلها تصيب كسرة أو فضالة من طعام!

هي أشباح تغدو وتروح ، كأنها أضغاث حلم ثقيل ! وكثيرا ما تسمع منها سمالا ينبيك عما يمزق الرئة ويتطلع منها إلي الضلوع

جرم يجبن أخبث الأمراض ، عليه خرقة تحمل بذور أفتك الأمراض فشأنه شأن ضغث من الهشيم قد اشتعلت فيه النار ، والرياح ترمي بشرره هنا وهناك . فلا تأتي عليه النار إلا وقد تسمرت في كل ما حولها من الأشياء

مخلوقات معذبة . وهي في الوقت نفسه حشرات سامة ، تفشى العلل والأوباء في جماعات الأصحاء

والآن يحسن بنا أن نلم إلمامة يسيرة بالناحية الخلقية من هؤلاء الطفل المشردين فليس الخطب في الصحة بأشد من الخطب في الأخلاق . وانت خبير بأن هؤلاء لا يخرجون إلا من أحط البيئات ، وأشدها جهلا ، وأعظمها إمعانا في الفقر والإهواز . وهل يبعثهم على عيش التشرد إلا ان كافليهم قد ثقلوا بهم ، وصفرت أيديهم عما يرزقهم ويجمع شملهم ؟ ولقد يكون هؤلاء الكافلون ، من الآباء او الاعمام او الاخوال او الإخوة الكبار أو أزواج الأمهات - قد يكونون ممن يؤثرون الدعة ، ولا يجشمون النفس سعيا ، فلا يرون إلا أن يتركوا هؤلاء الأطفال في الطرق ليشحذوا ويجمعوا اعقاب السجاير ، ويسلوا من جيوب الغافلعين ما تطوله أيديهم ، ليظلوا هم في أكسار الا كواخ ضاجعين هانئين !

لم تفتح قط عين مخلوق من هؤلاء على دين أو على

خلق أو قانون أو أي شئ من آداب السلوك في هذا العالم ؛ فهو إنسان ، إن صدق هذا التعبير ، مفقود الضمير هو مخلوق لا يفرق بين الخير والشر ، ولا بين الفضيلة والرذيلة . ولا يميز الحرام من الحلال ، ولا يعرف ما يسوغ في الصرف وما لايسوغ . وإذا كان مسوفا ، بحكم الغريزة الحيوانية ، إلى ما يسد الجووع ، فإنه يلتمس القوت بكل ما يتهيأ له من الوسائل ، من تكد وجمع ما يعود علي شمل من اعقاب السجابر ، والفحص عن فضلات الطعام ولو في المزابل ، والسرفة ما وجد إليها السبيل . فإذا رأيته مكفوفا عن السرقة والتلصص ، في وقت ما ، فما كان ذلك لان له ضميرا يزجره ، ويخوفه عاقبة السرقة عند الله وعند الناس . بل لان بعينه ان من يؤخذ في سرقة ، يعاقب بالحبس الرهق أو بالجلد الموجع الآلم

ولقد نري هذا المخلوق ، إذا خلا بأمثاله ، يكاثر بما اكتسب في يومه من الرذائل من سرقة أو غش أو إيقاع اذي بمن لم يلحقه منه الذي ، أو بتضليل من استهداء السبيل . يفعل هذا في زهو يشبه الافتتان.

فإذا رأيت هذا منه فاعذره ، فهو لا يدري البتة أنه يجرم ، بل إنه لا يدي البتة ما الإجرام ؛

وبعد ، فإذا جاشت في صدر هذا المخلوق عاطفة ، فالحقد الشديد على هذا المجتمع ) الأثم ( الذي لا ينفك يؤذنه او يحاول إذاه اني وجده ، وتجهد في الحيلولة بينه وبين الكسرة يمسك بها الرمق ، ولو التمسها في وعاء السرجين ، وبنفس عليه حتي بالضجمة في ظل جدار على عذار الطريق

هو مملوء حقدا واضطغانا على هذا المجتمع . ولو وجد السبيل لحرقه بنار السعير . فاذا كتبت السلامة من العلل لهذا الشقي الصغير ، وقدر له ان يشب وبكبر ، فانظر أي صائل فاتك من هذا الغلام يكون ؟ فانك حاشا له أن يزجره عن أعظم الإجرام زاجر من ضمير

أو من دين أو من رحمة أو من قانون !

وبعد ، فان هذا الصنف من الاطفال يشغلون ، مع الأسف العظيم ، نسبة غير يسيرة من مجموع الأمة . فلا ينبغي ان يزهينا اطراد الزيادة في العدد ، إذا كان قدر عظيم من الزائدين من هذا الطراز

على أنه لو تيسر لنا أن نسقط جميع هؤلاء من التعداد ، لأنه لا جدوي منهم على الأمة ، بل لأنهم غير اكفاء للحياة . لو تيسر لنا ان نسقطهم من الحساب لهان الخطب ، ولكنهم في جسم الأمة عضو متأكل ، لا يلبث ان يمتد بالفساد وأسباب العطب إلي ما حوله من الأعضاء فهم أداة متنقلة جوالة لنشر الأوبئة في الصحة وفي الأخلاق . إلي ما يؤذون به غيرهم من السرقة والعدوان .

إذا فكيف الحيلة في دفع هذا البلاء الكبير عن البلاد ؟

الهم إنني لا أظن أن العلاج النافذ في أن نبث الجمعيات وتجمع الاموال لنتلقط هؤلاء الغلمة من الطرق والأزقة ، ونحشرهم في الملاجئ والمصحات

نعم ، ليس يجدينا هذا كثيرا في دفع هذا البلاء ، ما دامت هذه البيئات قائمة على هذه الصورة ، وما دامت الأرحام فيها تدفع الأطفال من غير حساب !

إن الداء لا يحسم بتلقط هؤلاء المشردين وحشرهم ذلك المحشر ، مهما تهيأ لنا الملاجئ ويحصل في ايدينا من جلائل الأموال .

لست أزعم أن إنقاذ هؤلاء الأطفال بابوائهم إلي الملاجيء ، وتعليمهم ما يفتح عقولهم ، وينير بصائرهم ، ويوقظ ضمائرهم . وتمرينهم في الوان من الحرف تجديهم إذا انحدروا إلي ميدان الحياة - لست أزعم ان هذا القدر لا يجدي ولا يفيد . بل أزعم انه يفيد بعض الفائدة . على أن هذه الفائدة لا تعدو تلطيف العرض ، ولكنها

لا تحسم العلة ولا نجتث جرثومة الداء .

إن من تدفع الآرحام كل يوم من هذه البيئات هم أضعاف أضعاف من يستطيع الخيرون السعى إلي إنقاذهم على هذا الوجه ، بحيث يري المصلحون ان سيلهم سيظل متدفقا على المدن لا ينقطع له مدد .

والرأي الذي أري ، أن يبدأ المصلحون العاملون يبحث هذه المعضلة الخطيرة من عند أولها ، لا من عند آخرها ، بالنظر في رفع المستوي العقلي والصحي في تلك البيئات الوخيمة ، وتقييد الزواج بالقدرة علي كفالة الولد ، أو السعي إلى منع تسرب الولد إلى هذه الحياة ، ما دامت هذه سبيله في الحياة . على أن يجيز ذلك ائمة الشرع الكريم . ولا ضير ، بل من الخير أن يظل هذا الإنقاذ قائما حتى يكتب لحسم الامة البرء والشفاء ، من هذه العلل والأدواء .

اشترك في نشرتنا البريدية