الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد السابعالرجوع إلى "الرسالة"

فى العيد ...

Share

فى ذات مساء اشتد فيه الصراع بين بواكر الربيع وأواخر الشتاء , ارتفع من بين ضجيج القاهرة ولغط النهار الراحل, طلقات ضعيفة من مدفع عتيق .. وتألقت فى شرفات المآذن الشم مصابيح الكهرباء بغتة    فعلم الناس بمقتضى التقاليد أن غدا يوم العيد.. !

راح قوم يقضون ليلهم بين وحشة القبور ورهبة الموت،  في غير إدكار ولا اعتبار ولا خشية! وبات آخرون يتعهدون  كباش الأضاحي بالعلف، ويشحذون لصباحها المدى  والسواطير ...!

وأصبحت القاهرة دامية البيوت، حامية المطابخ،  شديدة الجلبة: وبيوت الله التي نزل فيها العيد من السماء،  تنتظر المؤمنين للصلاة والدعاء، فلم يغشها إلا فئات من  العمال والبوابين والخدم!.

أما السراة والأوساط، فقد خرجوا من هندام الأمس،  واهتمام اليوم، يستقبلون العيد في القهوات والحانات، بين لعبة  النرد الصاخبة، وأحاديث الدواوين المعادة! فإذا تلاقى في  الطريق صديقان، أو تراءى في القهوة قريبان، تبادلا في فتور  تحية العيد، ثم مضى كل منهما لشأنه!!

ذلك هو العيد أو ما يقاربه فى مصر وفى سائر البلاد العربية !. فلولا مرح طافر يقوم بالاطفال فى هذا اليوم لعطلة المدارس , وجدة الملابس , وسحر النقود ، وفتنة اللعب لمر كسائر الأيام حائل اللون تافه الطعم بادى الكآبة !

فليت شعرى ماذا حاق بنا من الاحداث والغير حتى غاضت ينابيع المسرة فى القلوب , وماتت احاسيس البهجة فى النفوس , وتحللت أواصر المودة بين الناس , وآل أمر العيدين - وهما كل ما بقى فى أيدينا من مظاهر الوحدة الدينية والعزة القومية - الى هذه الصورة الطامسة والحال البائسة ؟!

لا نستطيع أن نتهم حسرة الحزن على الماضى، وذلة الضعف فى الحاضر, فان أعياد اليهود وإن فقدت بذلك مظهرها الاجتماعى , لم تفقد روعة الدين فى الكنيس , ومتعة

الأنس فى البيت , وجمال الذكرى فى الخاطر.

وأعياد إخواننا في الوطن  والجنس والمجد والأسى من  نصارى الشرق لا ينقصها  الرواء والإخاء واللذة.

كذلك لا نستطيع أن نتهم المادية والمدنية، فانهما - وإن جنَتا على بعض الأخلاق الكريمة كالإخاء والإخلاص  والمروءة والرحمة - لم تجنيا على نزعات السرور في النفوس، ولم تقضيا على غرائز اللهو في الطباع، بل ازداد الناس بهما في  ذلك شراهة وحدَّة.

والأعياد الأجنبية التي تشهدها مصر في ذكرى الميلاد  وورأس السنة غاية في نعيم الروح والجسم، وآية في سلامة  الذوق والطبع، وفرصة ترى فيها القاهرة -وهي متفرجة-  كيف تفيض الكنائس بالجلال، وتزخر الفنادق بالجمال،  وتشرق المنازل بالأنس، وتمسي الشوارع وبيوت التجارة  ودور اللهو مسرحا للحسن، ومعرضاً للفن، ومهبطاً للسرور،

وتصبح أعياد القلة القليلة مظهراً للفرح العام، ومصدراً  للابتهاج المشترك!

وهى من وراء ذلك كله من أقوى العوامل فى توثيق العلاقة بين الله والانسان بالصدقات , وبين الاصدقاء والأقارب بالهدايا، وبين الكبار والصغار باللعب . وبين الانسان والانسان بالمودة

إذن ماهى الاسباب الصحيحة التى مسخت حياتنا هذا المسخ , وشوهت أعيادنا هذا التشويه , فجعلت أظهر المظاهر فيها خروفا يذبح ولا يضحى , ومدافع تساعد المآذن ولا تجاب , وأياما كنقاهة المريض كل ما فيها همود ونوم وأكل ؟؟

الحق أن لذلك أسبابا مختلفة ، ولكنها عند الرؤية والتأمل

ترجع إلى سبب رئيسى واحد: هو غيبة المرأة عن المجتمع الاسلامى ... ذلك السبب هو علة ما نكابده من جفاء فى الطبع , وجفاف فى العيش، وجهومة فى البيت , وسآمة فى

العمل، وفوضى فى الاجتماع.

كرهنا الدور لاحتجاب المرأة, وهجرنا الاندية لغياب المرأة، وسئمنا الملاهى لبعد المرأة , وأصبحنا كالسمك فى الماء , او الهباء فى الهواء , نحيا حياة الهيام والتشرد , فلا نطمئن إلى مجلس , ولا نستأنس لحديث!

فإذا لم تصبح المرأة في البهو عطر المجلس، وعلى الطعام  زهر المائدة، وفي النَّدِي روح الحديث؛ وفي الحفل مجمع  الأفئدة، فهيهات أن يكون لنا عيد صحيح، ومجتمع مهذب،  وحياة طيبة؛ وأسرة سعيدة!.

اشترك في نشرتنا البريدية