هذا العيد الأضحى موسم الابتهال إبتهال الحجاج في حجهم ، وفي طوافهم وسعيهم ، ووقوفهم بعرفة ، وابتهال المسلمين عامة في صلاة العيد ، وعقب كل صلاة في أيامه وقد لفتني هذا إلي نوع من الأدب راق جدا في الأدب العربي ، ولكن لم يلتفت إليه مؤرخو الأدب ، أحببت عرض نماذج منه لنتبين قوته وروحانيته وبلاغته
والابتهال في اللغة التضرع ، والاجتهاد في الدعاء والإخلاص لله فيه ؛ ومن ثم استمد روحانيته وقوته من موقف المبتهل حيث يتحرر من شؤون الحياة الدنيا وأعراضها ومشاكلها ومشاغلها ، ويتفرغ إلي ربه ويناجيه ، ويسمو عن المادة وحقارتها ، فكان بذلك أدب روح لا أدب مادة . وقد صدر هذا الأدب في العصور المختلفة من عصر النبي ( ص ) إلي اليوم ، كلما شعر الإنسان بعجزه لجأ إلي ربه ؛ وهو موضع دراسات طريقة في تطوره ونواحيه .
فمن أبتهالات النبي ( ص ) اللهم أنت ربي ، لا إله إلا انت ، خلقتني وأنا عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك علي ، وابوء بذنبى فاغفر لي ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت
ومنها :
الهم اهدني لأحسن الأعمال وأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا انت ، وقنى سيئ الاعمال وسيئ الأخلاق ، لا يقي سيئها إلا أنت
ومنها :
الهم إني أسألك رحمة من عندك تهدى بها قلبي ، وتجمع بها أمري ، وتسلم بها شعني ( ١ ) وتزكي بها عملي ، وتلهمني بها رشدي ، وترد بها الفتى ، وتعصمني بها من كل سوء .
ومنها :
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا .
ومنها :
اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع ، ومن دعاء لا يسمع ، ومن نفس لا تشبع ، ومن علم لا ينفع .
ومن ابتهالات علي بن أبي طالب .
ثم إنك آنس الآنسين لأوليائك ، وأحضرهم بالكفاية المتوكلين عليك ( ٢ ) ، تشاهدهم في سرائرهم ، وتطلع عليهم في ضمائرهم ، وتعلم مبلغ بصائرهم ، فأسرارهم لك مكشوفة ، وقلوبهم إليك ملهوفة ، إن اوحشتهم الغربة آنسهم ذكرك ، وإن صبت عليهم المصائب لجأوا إلي الاستجارة بك ، علما بأن أزمة الأمور بيدك ،
ومصادرها عن قضائك . اللهم إن فههت عن مسألتي أو عميت عن طلبني ، فدلني على مصالحي وخذ بقلبى إلي مراشدي ، فليس ذلك بنكير من هداياتك ، ولا بدع من كفاياتك . اللهم احملني علي عفوك . ولا تحملي علي عدلك
ووقفت لأبي حيان التوحيدي علي جملة ابتهالات في الغاية من الجودة والحسن والقوة اقتطف منها ما يمثلها
فمنها
" اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك ، ومن الأمل إلا فيك ، ومن التسليم إلا لك ، ومن التفويض إلا إليك ، ومن التوكل إلا عليك ، ومن الطلب إلا منك ، ومن الرضا إلا عنك ، ومن الذل إلا في طاعتك ، ومن الصبر إلا على بلائك ؛ وأسألك أن تجعل الإخلاص قرين عقيدتي
والشكر على نعمتك شعاري ودياري ، والنظر إلي ملكوتك دأبى وديدنى ، والانقياد لك شأنى وشغلي . والخوف منك أمني وإيمانى ، واللياذ بذكرك مهجتي وسروري
ومنها :
" اللهم إليك أرفع عجزى وبجرمى ( ١ ) ، وبك استعين في عسري ويسري ، وإياك أدعو رغبا ورهبا ، فإنك العالم بتسويل النفس ، وفتنة الشيطان ، وزينة الهوي . وصرف الدهر وتلون الصديق ، وباثقة الثقة ، و فنوط القلب وضعف السنة ، وسوء الجزع ، فقني اللهم ذلك كله ، واجمع من أمري شمله ، وانظم من شألي شتيته
واحرسني عند الغني من البطر ، وعند الفقر من الضجر وعند الكفاية من الغفلة ، وعند الحاجة من الحسرة ، وعند الراحة من القولة ( ٢ ) وعند الطلب من الخيبة ، وعند المنازلة من الطنيان . واسألك أن تجعل صدري خزانة توحيدك ، ولساني مفتاح تمجيدك ، وجوارحي خدم طاعتك ، فإنه لا عز إلا في الذل لك ، ولا غني إلا في الفقر إليك ، ولا راحة إلا في الرضا بقسمك ، ولا عيش إلا في جوار المقربين عندك .
ومنها
اللهم إليك نشكو قسوة قلوبنا ، وعل صدورنا ، وفتنة أنفسنا ، وطموح أبصارنا ، ورفث ألسنتنا ،
وسخف أحلامنا ، وسوء أعمالنا ، وفحش لجاجنا ، وقبح دعوانا ، ونلزق ظاهرنا ، ونمزق باطننا - اللهم فارحمنا وارأف بنا ، واقبل الميسور منا ، فإننا أهل عقوبة وانت أهل مغفرة ، وانت بما وصفت به نفسك احق منا بما وسمنا به أنفسنا ومن قبل ذلك وبعده فأطب
عيشنا بنعمتك ، وأرح أرواحنا من كد الأمل في خلقك ، خذ بأزمتنا إلي بابك ، وأذقنا حلاوة قربك ، واكشف عن سرائرنا سوائر حجبك ، ووكل بنا الحفظة ، وأرزقنا اليقظة حتى لا نقترف سيئة ، ولا نفارق حسنة ، إنك قائم على كل نفس بما كسبت ، وأنت بما نخفي وما نعلن خبير بصير
ومنها :
اللهم أنت الظاهر الذي لا يجحدك جاحد إلا رأيته الطمأنينة ، واسلمه اليأس ، واوحشه القنوط ، ونردد بين رجاء قد نأي عنه التوفيق ، وامل قد حفت به الخيبة ، وسر قد أطاف به الشقاء ، وعلانية قد أناف عليها البلاء ) عقله عقل طائر ، وليه اب حائر ، وحكم حكم جائز ، لا يروم قرارا إلا ازعج عنه ، ولا يستفتح
بابا إلا أربح دونه ، ولا يقتبس ضرما إلا أجج عليه ؛ عثرته موصولة بالعترة ، وحسرته مقرونة إلي حسرة ؛ إن سمع زيف ، وإن قال حرف ، وإن قضى جزف ، وإن احتج زخرف ؛ ولو فاء إلي الحق لوجده ظلا ظليلا ، وأصاب تحته مثوي ومقيلا . . وانت الذي فعلك يدل عليك الأسماع والابصار ، وحكمتك تعجب
منك الألباب والأسرار . لك السلطان والمملكة ، وبيدك النجاة والمهلكة ، فاليك المفر ومعك المقر ، ومنك صفوف الإحسان والبر - أسألك بأصح سر ، وأكرم لفظ ، وأفصح لغة ، وأتم إخلاص ، وأشرف همة ، وأفضل نية ، وأطهر عقيدة ، واثبت يقين ، ان تصد
عني كل ما يصد عنك ، وتصلني بكل ما يصل بك ، وتحبب إلي كل ما يحبب إلياك ، فإنك الأول والثاني ، والمشار إليه في جميع المعاني ، لا إله إلا أنت .
ومنها :
اللهم إني أسألك جدا مقرونا بالتوفيق ، وعلما بريئا من الجهل ، وعملا مربا من الرياء ، وقولا موشحا بالصواب ، وحالا دائرة مع الحق ، وفطنة عقل مضروبة في سلامة صدر ، وراحة جسم راجعة إلي روح بال ، وسكون نفس موصولا بثبات يقين ، وصحة حجة بعيدة
من مرض شبهة ، حتى تكون غايتي في هذه الدنيا موصولة بالأمثل فالأمثل ، وعاقبت عندك محمودة بالأفضل فالأفضل ، حياة طيبة أنت الواعد بها ، ونعيم دائم انت المبلغ إليه . اللهم لا تخيب رجاء هو منوط بك ، ولا تصغر كفا هي ممدودة إليك ، ولا تعذب عينا فتحتها بنعمتك ، ولا تذل نفسا هي عزيزة بمعرفتك ، ولا تسلب
عقلا هو مستضئ بنور هدايتك ، ولا تخرس لسانا عودته الثناء عليك فكما كنت أولا بالتفضل فسكن آخرا بالإحسان ، الناصية بيدك ، والوجه فان لك ، والخير متوقع منك ، والسير علي كل حال إليك ؛ البسي في هذه الحياة البائدة ثوب العصمة ، وجلسنى في تلك الدار الباقية بزينة الأمن ، إنك على ذلك قدير
ومنها :
اللهم أعذنا من جمع الفقر ، وربية المنافق وتجليح (١) المعاند ، وطيشة التحول ، وفتية الكسلان ، وحبلة المستبد ، وفنور العقل ، وحيرة المخرج ، وحسرة الحوج ، وقلتة الذهول ، وحرقة السكول ، ورقبة الخائف وطمأنينة المغرور ، وعقلة الغرور ، واكفنا
مؤنة اخ يرصد مسكونا إليه ، وعكس موثوقا به ، ويبخس ) ١ ( معتمدا عليه - وغلب إيماننا بالغيب على يقينا بالعيان ، واحرسنا من انفسنا فإنها ينابيع الشهوة ومفاتيح البلوي ، وارنا من قدرتك ما يحفظ علينا هيبتك ،
وأوضح لنا من حكمتك ما يقلبنا في ملكوتك ، وأشع في صدورنا من نورك ما يتجلي به حقائق توحيدك - وألف بيننا وبين الحق ، وقربنا من معادن الصدق . واعصمنا من بوائق الخلق - اللهم إنك بدأت الصنع وأنت أهله ، فعد بالتوفيق فإنك أهله
ومنها :
اللهم إياك أسأل لسانا سمحا بالصدق ، وصدرا قد ملئ من الحق ، الهم اشكو إليك تلهفي علي ما يفوتني من الدنيا وأنني في طاعة الهوي ، جاهلا بحقك ، ساهيا عن واجبك اللهم إليك المفر من دار منهو مها لا يشبع ، وخاتمها لا ينفع ( ٢) ، وطالبها لا يرتع ( ٣) وواجدها لا يقنع - اللهم انقلنا عن مواطن العجز ، مرتقيا بنا إلي شرفات
العز ، فقد استحوذ الشيطان ، وحبست النفس وساءت العادة ، وكثر الصادفون عنك ، وقل الداعون إليك ، وكل المراعون لأمرك ، وفقد الوافقون عند حدودك ، وخلت ديار الحق من سكانها ، وبيع دينك بيع الخلق ( ١ ) ، واستهزي بناشر مجدك ، وأقصي المتوسل
بك ، الهم فأعد نضارة دينك ، وأفض بين خلقك بركات إحسانك ، واقمع ذوي الاعتراض عليك ، واهنك استار الهالكين لستر دينك - اللهم إني أسألك أن يخصني بإلهام أقتبس الحق منه ، وتوفيق بصحبتى وأصحبه ،
ولطف لا يغيب عني ولا أغيب عنه ، حتى أقول لوجهك واسكت إذا سكت بأذنك ، وابين إذا ابنت بحجتك واعبد إذا عبدت مخلصا لك ، وإذا مت أموت منتقلا إليك . اللهم فلا تكلنى إلي غيرك ، ولا تؤيسني من فضلك
ومنها :
اللهم قبض لنا فرجا من عندك ، وأتح لنا مخلصا إليك ، فإنا قد تعبنا بخلقك ، وعجزنا عن تقويمهم لك ، ونحن إلي مقاربتهم في مخالفتك أقرب منا إلي منابتهم في موافقتك ، لأنه لا طاقة لنا بدهمائهم ، ولا حيلة لنا في شقائهم .
اللهم تولنا فيما وليتنا حتى لا نتولى عنك ، وآمنا مما خوفتنا حتى نقر معك ، واوسعنا رحمتك حتى نطمئن إلي ما وعدتنا ، وفرق بيننا وبين الغل حتي لا نعامل به
خلقك ، وأغننا بك حتى لا نفتقر إلي عبادك ، فإنك إذا يسرت امرا تيسر ، ومهما بلوتنا فلا تبلنا بهجرك ، ولا تجرعنا مرارة سخطك ، قد اعترفنا بربوبيتك عبودية لك فعرفنا حقيقتها بالعفو عنا ، والإقبال علينا ، والرفق بنا يا رحيم .
هذا قليل من كثير مما في الأدب العربي من هذا الباب ، وهي كما تري تتدفق قوة وتفيض روحانية وتسمو معنى ، إلي رصانة بلاغية ، وموسيقى دينية ، فلو عني بها مؤرخو الأدب كما عنوا بالادب المادي من الغزل ، والمديح ، والفخر ، والهجاء ، لظهر الأدب العربي بصورته الكاملة من مادة وعقل ، وشهوة وروح ! ولعلي اعود بعد إلي هذا الموضوع .

