كان المغفور له الشيخ عبد العزيز البشري عضوا عسكريا من أسرة كتاب الثقافة ، كما كان علما من أعلام الأدب العربي ، فإن كان القراء قد حرموا نفتات قلمه الجديدة فإنا نشر قطعة من آثار قلمه الباقية على الدهر في مناسبة ذكري وفاته التي وقعت في يوم السبت الماضي الخامس والعشرين من شهر مارس .
في حضرة الرئيس ( سعد )
ملء ، السمع ، ملء القلب ، ملء ، البصر . لو حاول بكمل جهده ألا يكون رجلا عظيما ما استطاع ، وهيهات لامرئ أن يملك عن نفسه ما شاء لها الله ! وقد سوي الله له هذه العظمة من يوم مدرجه ، فكان طالبا عظيما ، وكان قاضيا عظيما ، ثم تناهت إليه زعامة أمة ، فهو فيها ملء السهل والجبل .
بحسبك أن تراه لتعرف أنه سعد ، ولو لم يوعي ، إليك أحد بأنه سعد ، وكيف يختلط عليك أمره ، وهذه يد القدرة قد دلت عليه بدلاائل نبئات بأنه ، وإن كان من الناس ، إلا أنه أعظم الناس .
بسطة في العلم والجسم ، بسطة في العقل والحلم ، وعزم تتزايل الجبال دون ان يتزلزل ، ويقين تتحول الأرض عن مدارها ولا يتحول ، ومنطق يصول في الجلى حتى لتحسبها الجحافل قد بدا كنت بسيوفيها وعواليها ، وبلطف في السمر حتي لتتمثل أسراب الكواعب وسوست حليها وتضوعت منها قوالبها .
وما إن رأيت ولا سمعت برجل فسح الله تعالى له في البيان ، وأمكنه من نواصي الحجة كما فسح لسعد ومكن لسعد . ولقد تتقدم عباراته في الأمر تظن أنك قد بلغت منه الغاية ووقعت على الصميم ، وتمنعت منه بالحصن القوي ، فما هو إلا أن يرسل عليك الحجة حتى تري أنه ملك الرأي عليك من جميع أقطارك ، وأنك سرعان ما وقعت أسيرا في يديه تنقلب فيهما تقلبا ، وهيهات لك الخلاص إلا أن تنزل من أمرك على الإذعان والتسليم.
وأن أنس لا أنس ليلة مضت من عشر سنين حاور فيا مستشارا كان في محكمة الاستئناف ، معروفا بشدة الجدل ، في مسألة فقهية ، وكلما أنحط الرجل فيها على رأي أزعجه سعد قطار إلي غيره ، حتى إذا ظن أنه تمكن في أفجوحه ثار عليه بالحجة فوتب إلي سواه ، وما زال به
صدرا من الليل بنشره ويطوبه وينقله من رأي إلي رأي ، ويحوله من قول إلى قول ، حتى داح الرجل ووهن ، ولم يبق فيه فضل لحوار ولا جدال !
ولا أدري أكان ذلك من سعد مجرد تهد للرأي ، وتعقب لموطن الصواب ، أم أنه إنما كان يتلعب بالرجل تلعبا لينزله على معرفة قدره ، ففي نفس ذلك المستشار غرور ، وفي أنفه ورم ! أم هي المخيلة تبعثها في النفس شدة التمكن من النفس ، وإنه ليلذ لها احيانا الا تمنعك بذلك الواقع الذي اطمأننت به ، والحق الذي استرحت إليه ، فما هو إلا أن تسول بالحجة عليك حتى نري أنك إنما كنت تقبض على الهواء ، وأن صرحك الذي أقمته تفرق عنك تفرق الهباء ، فتتولى منخذلا عن يقينك وقد ضربك الشك : أكنت مخدوعا عن الواقع ؟ أم أن هذا الواقع دون قوء سعد فهو بصرفه بحجته كيف يشاء ؟ لا أدري يومها ماذا كانت إربة الجبار ، والله أعلم .
وسعد قد علت به السن وشاب رأسه ، على أنه ، بسط الله في عمره ، ما زال يمرح من قطنته القوية في أفتى الفتوة ، وأمرع الشباب . ولو كتب لك الظفر ساعة بمجلس هذا الذي دوت الدنيا كلها بمجده لنعمت بما لا يلحقه الوصف من عذوبة طبع في عذوبة مجلس ، وحديث كأنه قطع الروض رف آسه ونسر بنه ، وتضوع ورده وياسمينه ، وبديهة كأنه يقرأ منها في كتاب ، وكانها تستوحي الغيب فليس بينها وبين الغيب حجاب ، ونادرة تشيع فيك الطرب ، وتهزك من إعجاب ومن عجب ، إذ هو فيما يرسل من القول ، في جده ومزاحه ، لا يعدو ما ينبغي له من تحشم ووقار .
وإنه لقبل عليك بكل لطفه حتى يفرخ روعك ، ويفسح لك في جوانب القول لتقول ، وإنه لياريك في منزعك ، ويدارجك في حديثك إلى أن يرسلك على سجيتك ويسترسل معك ، حتى إذا ما اطمأنت إليه وظننت أنك في مساجلة رجل مثلك ، خانته عبقريته ، فوئب به ذهنه
إلي ما لا يتعلق به ذهنك ، فإذا أنت قد طرت كل مطير ، وإذا الطبيعة تأتي يرغمك ورغمه إلا أن تشعرك أنك في حضرة سعد زغلول !
بالله هذا الرجل ! وإنه ليعرض في الأمر فيقول فيه مقالا ، وإنك لتقرر بادي الرأي غاية ما تعاهد الناس من حجة ، وأقصي ما تعارقوا من دليل ، فإذا هو قد وقع في تدليله على ما لم تقع عليه ظنون الناس ، وارتفع إلي ما تتعلق به أذهانهم ففتح في المنطق فتحا جديدا وأتى بما يبهر ويروع ، وكيف لسعد ألا يرتفع على مذهب حجة الناس ، وقد رفعه الله على الناس ؟
وسعد وافر الشعور بعظمته ، مزدحم الشعور بأنه إنما يتحدث على آمال أمة ، فهو مهما باري المجلس في فنون أحاديثه ، ومهما تدلي به السمر إلي تلك الأسباب الدائرة بين الناس ، يرفه بذلك عن نفسه وعن صحبه ، يطفر الفينة بعد الفينة إلى حديث الوطن فيشك فيه معني جليلا ، ثم يعود فيصيب ما شاء الله من حديث القوم ، اعلمت أن سعد الا يصلح إلا للوطن ، وأن الوطن لا يصلح إلا بسعد ؟
أريد أن أكتب عن سعد ، ومن الغرور أن أظن بقلمي الوفاء بوصف سعد مهما تفرج في جوانب البيان ، فان البيان إنما يجري في غايته إلي ما تعاهده الناس من الطبيعة ومن الناس ! أما تلك النفحات الإلهية التي يرسلها الله تعالى في العصور الطوال ثنيا بعد ثني ليقبل أهل الأرض الذلة ، ويهديهم من الضلة - فذلك ما تعجز عنه اللغى ويقصر من دونه البيان .
وبعد فإذا أردت أن تصف للناس سعدا فلن تستطيع أن تصفه بأبرع من لفظة (سعد ) فقد جمعت من وجوه المعاني مالا يبلغه الكلام ، وإن قدرته العقول وتعلقت به الإفهام .

