الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 183الرجوع إلى "الثقافة"

فى الميزان الجديد

Share

يحدثنا التاريخ عن شاعر يوناني  اسمه فرينيكوس قالوا إنه عرض على المسرح الأتيني رواية " الفينيقيات " عن معركة سلامين وجاء اسكيلوس فعرض لنفس القصة في روايته الرائعة الفرس " . وكم كانت دهشة الحاضرين عندما راوا هذا الشاعر العظيم يبتدى مسرحيته بالبيت الأول من دراما فرينيكوس . وحار الجمهور في تفسير هذا الاستهلال وقال قائلهم ولم ابتدا أسكيلوس بمطلع رواية فرينيكوس في نفس الموضوع ؟ وأجاب ذوو النظر منهم : إنها لا ريب تحية يوجهها اللاحق للسابق ذكرت هذه الواقعة التاريخية عندما هممت بإتخاذ هذا العنوان " في الميزان " للدلالة على ما أريد من الكتابة عن منتجات أدبائنا المحدثين ، فهو صدي لكتاب صغير قديم اشترك فيه الاستاذان الفاضلان العقاد والمازني بنفس العنوان

ولقد تناول الأستاذان إذ ذاك شوقي والمنفلوطي بتجريح قوي لا يزال وقمه بنفسي رغم تراخي الزمن ، وهو نقد يشفع لصاحبيه فيه ما يلوح في نغماتهما من حرارة وايمان ، وإن كنت أذكر انه أصابني بأذاء ، إذ كنت شابا صغيرا وكان المنفلوطي بأسلوبه الرقيق قد مس نفسي وكل  شباب هذه البلاد لا شك معترف لذلك الرجل يتفتح قلبه لنسمات الحب ومعاني الجمال ، وإنه لمن الظلم ان نسلبه مجده                                                                                                                                                                                   ككاتب الشباب في مصر . الكاتب الذي لا يد له .

والآن وقد نهض جيلنا يحق لنا بل يجب علينا أن نحصى التراث لنري ماذا عمل من يكبرنا سنا وماذا بقي علينا أن نعمل ، لنسير على بينة كما ساروا واثقين من أن مراجعة القيم ورسم النهج وتخطيط الافق هو دائما من عمل الشباب في أول مراحل نضجه ، إذ سرعان ما تسلمنا

الحياة بطول معاشرتنا لها إلي المحافظة ، اللهم إلا أن تستثقي العبقريات الفذة التي تظل شابة بل طفلة أبد السنين ، ومن اللين أنه لا بد في كل نزعة ثائرة مجددة من شيء كبير جدا من السذاجة أو ما يسميه الناس سذاجة نستطيع معها أن نستخف بالصعوبات وأن نعمى ولو مؤقتا عما تستهدف له من أخطار عند ما تجاهد في سبيل الحق من بأيديهم القوة والبطش .

والناظر في أدبنا الحديث يلحظ أن الجيل السابق قد نجح في شيء وأخفق في أشياء .

وأكبر ظواهر الاخفاق فيما يبدو لي هو خضوع ذلك الجيل لضغط الهيئة الاجتماعية . نعم إنني لا أجهل أن امتداد الزمن بالحياة كثيرا ما ينتهي بنا إلي الصلح معها ، فالشيوخ عادة أكثر رضي وتفاؤلا من الشبان الساخطين المتشائمين . كما أعلم أن طول التجارب كثيرا ما يبصرنا بحدود الممكنات لم نكن نفطن لضيقها أيام حدئقنا . بل إن كل تجربة عبء يث يثقل خطانا . وأضيف إلي ذلك أنه قد يكون من الخير لحياتنا الاجتماعية أن ترتد هجماتنا عن بعض المقومات التي في تهوضها ضرورة لاستقامة الأمور واطرادها على نحو يشفع فيه الثبات لكل ما عداء . بل وبقلبي من اليقظة ما يبصرني بأن للحياة المادية على حقارتها قسوة كثيرا ما تلين أصلب العزم ؛ وثمة الطموح وإغراء الشهرة وسحر الجاه وشهوة السلطة الزمنية وما إلى ذلك من نزعات فردية جديرة بالاحتقار ؟ ولكي رغم كل هذا أتساءل : مابال معظم كتابنا قد انتهوا بالكتابة عن " محمد " ؟ أهو إيمان من يشعر بإقترابه من اليوم الآخر ؟ ذلك ما نرجوه . ولكن ثمة أمر لاشك فيه ، وهو أننا قد وصلنا من التزمت حدا نبرئ منه كل الأديان على السواء . ولكن جائني يوما أن رأيت أحد كتابنا المعروفين باتساع أفق التفكير يدعوني إلي أن

أسقط من حديث لي بالرديو كلة " حوريات " ترجمة لعرائس الغابات المعروفة في الأساطير اليونانية خوفا علي من ان يتهمني احد بالروق عن ديني لاستعمال لفظة وردت في القرآن وأنا بصدد الحديث عن خرافات الوثقية اليونانية !

إذا بقي لنا أن تعود إلي التقاط الأسلحة التي ألقاها سابقونا إلى الأرض وان نناضل دون حرية الرأي وكرامة الفكر البشري وتقديس حقوقه غير باغين ولا معتدين .

وكان نجاحهم أوضح ما يكون في المجال الفني ، إذ استطاعوا أن ينتقلوا بالنثر العربي الحديث بل وبالشعر في السنوات العشر الأخيرة من اللفظ العقيم إلى التعبير المباشر ومن الصنعة إلي الحياة : من " حديث عيسى بن هشام " إلي " دعاء الكروان " ، وكان " الميزان " وأمثاله من كتب سابقينا في هذا التطور فضل كبير ، ولقد استطاع كتابنا ان ينقلوا معني الأدب وفن الكتابة كما يفهمه الأوربيون إلى المتخلفين منا بحيث لم يعد اليوم لأنصار المذهب اللفظي السقيم في بلادنا نفوذ يذكر .

وسار الزمن سيرته فلم نعد نري " موازين " حتي أصبح النقد عندنا إما سبابا أو إعلانات ؛ فهذا يريد أن يحطم " الأصنام " والجهرة العظمي لاعم لها إلا أن ترضي هذا أو ذاك بالأعلان عن كتبهم إعلانا متنكرا في صيغة النقد الآدبي . وأكبر ظني أن معظم هؤلاء النقاد المحترفين لا يقرأون ما يكتبون فيما عدا العنوان أو بعض صفحات .

وليس هذا بالنقد الذي يستطيع الجمهور أن يثق به فيعمد إلي قراءة ما يستحق أن يقرأ او رؤية ما يجب ان يري من مسرحيات وافلام ، على نحو ما نري في المجلات الأوربية التي تحرص في الباب الهام الذي تخصصه للنقد على الأمانة في هداية الجمهور أمانة مستنيرة صادقة الذوق .

وليس هذا بالنقد الذي يدرس عن قرب ما يريد أن

ينقد ، فيولد ما فيه من معان يضمها تحت بصر القاريء الذي لا يملك عادة من الوقت ولا من الخبرة ما يستطيع معه أن يستخرج من النص كل ما فيه . بل إن الناقد الحقيقي قد يضيف إلى النص الشئ الكثير يخلقه خلقا بفضل ما في الكتب الجيدة من قدرة على الايحاء ، وهذا من حقه بل من واجبه ، ما دام لا يتعسف فيخرج العاني غير مخرجها أو يحملها ما لا تطيق . وفي الحق أن النقد الجيد خلق جديد ، إذ سيان أن نحبس ونفكر ونعبر بمناسبة كتاب أو بمناسبه حادثة أو مشهد أو إنسان وكل تفكير لا بد له من مثير .

وليس هذا بالنقد الذي يستطيع أن يساهم في توجيه الأدب وجهة الأمانة العقلية والصدق في النغمات . وما أحوجنا إلي الأمانة والصدق في كل مظاهر نشاطنا المادية والروحية ! وهما في مجال الروح الزم ؛ والأدب فيما اري اقوى عامل في مراجعة القيم وتفنيد باطلها من صحيحها ، والأدب أسلم مناهج حياتنا . وإنه لمن الاجرام ان ننزله منزلة السلع فنجامل هذا الكاتب أو ذاك بأن نتحدث عن كتابه كما نعلن عن " صابون النمر " أو " اسبرو الروماتزم " وذلك في غير نفع لأحد . فالكاتب نفسه لا يخدعه هذا النفاق ، وإلا كان من الغفلة بحيث لا يستحق أن يسمى كاتبا ، والجمهور قد طالت خديعته حتى استيقظ ففقد الثقة في الكثير مما يقرأ عن الكتب والكتاب .

وأنا أعلم بعد ما ستتطلب هذه الصفحات من جهد ، ولكنى مقدم لغرضين : أولهما وانبلهما ان احاول ان أكون هادئا أمينا لجمهور القراء . أسبقهم إلى قراءة ما يقع تحت يدي من الكتب الجديدة ، فإن وجدت فيها خيرا أظهرت ذلك الخير ، ودعوت غيري إلي مشاطرتي إياه ، وإن لم أجد حدثت القراء عن تجربتي لعلها تنفع غيري ، ولو في تلك الحدود الضيقة التي يفيد فيها الناس من تجارب غيرهم .وثانيهما أن أكون عونا للكاتب

الجيد على أن يؤدي رسالته لدي الجمهور ، سواء أكان هذا الكاتب ناشئا ينبعث عنه الامل ام منتهيا قد وفق إلي أن يخلف علي " رمال الزمن " وقع أقدامه ؛ بل من يدرينا ؟ لعل منهم من يستحق او سيستحق ان نستبدل له " رمال الزمن " بصخوره " وإن كنت أظن أن هذا لا يزال أملا .

وإنه ليسرني أن أقود الجمهور خلال ما يكتب أدباؤها الذين انتهوا إلي أوج المجد ، ولكن على شرط أن لا يقع هؤلاء الكتاب فريسة لنجاحهم نفسه ، فتعقم نفوسهم بالزهو وتفسد أمانة عقولهم ، فلا يأخذون أفلامهم بالجهد معتمدين على ما اكتسبوا من مجد أو شهرة ، وكم لدينا من كتاب قد أصبحنا نحس بأنهم لا يشقون في العناية بما يكتبون ، بل ولا في التفكير فيه ، لوثوقهم - فيما يظنون - من إقبال الجمهور عليهم ، ولو كانت كتابتهم عذرا وسخافة . وأصحاب المحلات والمطابع يقبلون بلهفة ما يقدمون إليهم ، إذ يضمنون من ورائه الرواج المادي بفضل حمق الجمهور في تعلقه بالأسماء أكثر من تعلقه بقيمة ما يقرأ . وفي هذا استخفاف بعقلية القراء اليقظين ذوي النظر السليم ، كما أن فيه قضاء مبرما على الكتاب أنفسهم وخسارة كبيرة تنزل بتراثنا الروحي وثقافتنا الراهنة التى تريد أن نبنيها بناء أصيلا والتي ما زلنا عند الحجارة الأولى من أساسها . وكتابنا الأفاضل يعلمون حق العلم أن أول واجباتهم إن كانوا حريصين على المجد الحقيقي ، المجد الذي يفلت من طوفان الزمن ، المجد الباقي لا تهريج الجماهير ، هو أن يأخذوا أنفسهم بالجهد المتصل والمراقبة المستمرة والقسوة اليقظة في المقال وفي الكتاب بل وفي الحديث إلي الناس مجرد حديث يتبدد أنفاسا ، فالتفكير أمر شاق والعبارة عنه أشق .

فليحذروا إذا أنفسهم وليحذروا النجاح

وثمة مشكلة السنما والراديو والمجلات والجرائد ، والذي لا شك فيه أن هذه الوسائل قد احتلت في حياتنا بل وحياة كل الشعوب مكانا لايدانيه مكان الكتاب ؛ والأمر في بلادنا اوضح إذ نري الاقبال على المشاهدة والاستماع اكبر من الاقبال على القراءة ، وذلك بحكم قانون اقل الجمود الذي يسيطر على حياة الكسالي من امثالنا اشد سيطرة ، والقراءة على قلتها لا تكاد تمتد إلى الكتب القوية ، بل تقتصر على الجرائد والمجلات التافهة ، وهذه حالة محزنة يجب التماس علاج لها . وأنا لا أشك في أن للمسألة الاقتصادية وفقر الناس دخلا في هذه الظاهرة ، ولكني اعتقد أن هناك ما يمكن عمله من الناحية الثقافية أيضا ، وذلك بكسب النقد لثقة الجمهور ثم دعوته إلى القراءة ، ففيها ما يرفع القلوب ويهذب الأحساسات وينير العقول ويربي الخلق ، بل فيها ما يجدد الحياة ويذهب بمللها .

وأمر السينما والمسرح والراديو والكثير من المجلات متروك بين أيد أخشى أن لا تستطيع أداء رسالتها ، بل إنها قد لا تعرف ان لها رسالة ، وهذا إجراء في حق الشعب وحق الوطن ، ولهذا يجب ان نقف عليها بعضا من وقتنا ، فهي وإن تكن أشياء فانية عابرة محدودة الأثر في تثقيف الشعوب ثقافة حقيقية ، إلا أنها واسعة الانتشار شديدة الضرر ، وليس من شك في ان من واجبنا ان نساهم في تجميل حياة مواطنينا وحمايتها والدفاع عنها إلي جانب ما نستطيع أن نكتب لأنفسنا أو للخواص من الناس

وبعد فقد حقق جيل " الميزان القديم " ما استطاع تحقيقه ، وهانحن بدور نسعي إلي ان نخطو الخطوة الأخيرة ليدخل الأدب المصري المعاصر والتفكير المصري المعاصر في التيار الأنساني العام .

وسبيل ذلك هو بلا ريب الاخلاص لأنفسنا ، فلكل نفس فيما أعتقد أصالتها ؛ ولعل في النقد ما يساعد تلك

النفوس على إدراك ما تمتاز به من عناصر تنميها فتؤتي ثمارها . وأكبر نقص في ادبنا على ما اعتقد هو بعده عن

الألفة Intimacy فهو قلما يهمس  . وهل لذلك من سبب غير ضعف الأخلاص فيه وغلبة المهارة عليه سواء في الصياغة أو التفكير ؟

كثير من كتابنا في حاجة إلي التواضع بل إلى السذاجة ليأتي أدبهم مهموسا على نحو ما انت معظم الآداب الخالدة هذا ومن الانصاف أن نقرر سببا آخر :

كثير من كتابنا على الدولة أن تنجو بهم من ضرورات الحياة لكي يحسوا لانفسهم ويفكروا لانفسهم ويكتبوا لأنفسهم في هدوء واستجمام ، فعندئذ فقط سنجد جميعا أنفسنا فيما يكتبون .

لأمر ما استطاع تيمور والحكيم وطه حسين في السنوات الأخيرة أن يكتبوا قصصا طويلة في حالة استقرار

نفسي ، بينما نري كاتبا آخر اعتقد أنه لا يقل موهبة عن أحد من هؤلاء إن لم يفق البعض بخفة روحه وسحر " الهيومر " عنده ، لا يستطيع أن ينتج غير رواية واحدة ، ثم يذهب معظم جهده الساخر في كتابه مقالات أو اقاصيص ؛ وأخيرا احتجب عن الجمهور فلم يعد يطالعة إلا مرة كل أسبوع في إحدي الصحف اليومية ، وهذه فيما اعتقد جريمة يجب أن تسأل عنها الهيئة الاجتماعية التي تفرط هذا التفريط المعيب في حقوق الروح ومنتجات الروح الخصبة الخالدة المشرقة

ولكنها حقائق مؤلة لا نستطيع نحن إزاءها شيئا ؛ وإذا فلنحاول ما نستطيع ، وهو قيادة الجمهور ونقد منتجات نشاطنا الروحي ، وليكن بدء حديثنا في المقال الآتي عن الأساطير والأدب عندنا بمناسبة بجماليون " للأستاذ الحكيم :

اشترك في نشرتنا البريدية