الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 601 الرجوع إلى "الثقافة"

فى النقد الأدبى, الأرضية فى الأدب

Share

هناك قواعد فى الفن لا يتقيد بها الفنان وهو شاعر بها  مقدر لها ، وإنما يحس بها فى عمله إحساسا بديهيا ، بعيدا  عن التقرير والوضع . وهذا النوع من القواعد فى العمل  الفنى يكون من فرط بداهته غير قابل لأن يصاغ فى قالب  أو يوضع فى قضية أو يرسم فى حد ، فتصير من هذه الناحية  شبيهة بقطعة الخيش التى يتحتم على الفنان أن يضع تصاويره  ورسومه عليها أو مماثلة للمسلمات التى توجه الفكر ، والغرائز  التى ترشد الإنسان بدون أن تكون واضحة المعالم مفهومة  الأغراض . وتنشأ هذه القواعد فى معظم الأحوال عن  الضرورات أكثر مما تنشأ عن الرغبة فى التجميل والتزيين ،  وتنتج من حب الإنسان لمجاراة الواقع والظروف أكثر  مما تنتج عن الميل إلى التحلية والإبداع .

فأنا الآن مثلا أخط كلماتى على ورقة بيضاء وأجرى عليها بالعبارة تلو العبارة والفقرة وراء الفقرة . ولم يفرض على أحد الكتابة على ورقتى هذه من أجل أن أخرج مقالا أو قصة ما . ولكنى أحسست بالضرورة أن عملى لن يأخذ سبيله إلى الحياة فى حروف المطبعة إلا على ورقة من هذه الشاكلة . فليست الورقة التى أسطر عليها كلماتى غير ضرورة صناعية ولازمة من لوازم الأداء البعيد عما يقتضيه الفن الخالص . ويصعب القول عن الورقة فى هذه الحالة ، إنها جزء من العمل الفنى ، ولكن يصعب فى الوقت نفسه الحكم عليها بأنها ليست ضرورة من ضرورات العمل ، وقاعدة من قواعده الخفية . ومن يدرى ! فلعلنى - لو لم أجدها ، ولم يتيسر لى الحصول عليها - أخرج أعمالى

على صورة أخرى من صور التعبير الفنى التى تتلاءم مع الأدوات المستخدمة فى الإجراء والإبراز .

فأنا إذا بإزاء قاعدة من قواعد الفن البديهية عندما أخرج القلم من جيبى وأحضر ورقة تحت يدى من أجل أن أكتب هذا المقال . وليست الأصول الكتابية وحدها هى التى أخضع لها مقومات عملى ووسائلى فى التعبير . وكذلك الأمر فى اللوازم التى أصبحت تحيط بالكاتب المعاصر وتؤثر عليه ، والتى لم يكن الكاتب فى العصور السالفة يعرفها أو يدرى عنها شيئا . فالأديب في الآونة الحاضرة مضطر إلى وسائل جديدة غير الوسائل القديمة المتبعة فى الإخراج الوظيفى بالنسبة إلى العمل الأدبى .

وأدوات الاتصال الجارية الآن بين كل من الأديب والجمهور مخالفة لتلك التى جرى على استعمالها القدماء ودخلت فى حدود اعتبارهم . فهناك المحاضرات العامة والأحاديث الخاصة والمناظرات والإذاعات الشفاهية والكتابات الصحفية ، والكتب التى يقصد بها قوم معينون وتروج فى فترة بالذات ، والكتب التى يقصد بها قوم آخرون وزوج فى كل الفترات . وقد يحسب الإنسان أن هذه الوسائل لا تتدخل فى طبيعة العمل الأدبى ، ولا تؤثر فيه ما دامت لا تعدو أن تكون مظاهر خارجية بعيدة عن الجوهر واللباب ، أو لأنها غير متصلة بالفرار الذى تستقر فيه المواهب الفنية والملكات الإبداعية . ولكن الحقيقة هى أن هذه الأدوات لها تأثيرها البالغ على حياة الأدب والفكر ، وخطرها الكبير فى توجيه الفن وتغيير القواعد

والأصول . وكثيرا ما تحدث هذه التحولات البسيطة . فى الأدوات الفنية ، انقلابات هائلة من ناحية مجرى التفكير وأساليب الفن والتعبير . شأن الأدب فى ذلك كشأن الصناعات والتجارات التى كانت وسائل العمل والنقل سببا لإحداث التغييرات الجوهرية فى خطوط سيرها وفى الأشكال التى تطورت إليها .

فهذه اللوازم كلها ليست من قواعد الفن فى شىء . ولكنك تعجز عن إخراجها من دائرة القواعد الفنية مع ذلك . فهى من قبيل الضرورات البديهية التى يراعيها الفنان من غير أن يشير إليها ، وبدون أن يستحضرها استحضارا وجوديا فى عقله أثناء التحرير والكتابة . والناقد الأدبى لا يفعل شيئا أكثر من أن يلفت نظر الأديب أو الفنان إلى هذه اللوازم العصرية ، أعنى اللوازم التى تتجدد من عصر إلى عصر ، كما يعيد نفسه لها ، وكيما يلائم بين عمله الأبدى وما تفرضه عليه من الواجبات . والتاريخ الأدبى وتاريخ النقد على الخصوص إنما يسجلان هذه التوجيهات  التى كان من عمل النقاد أن يقوموا بها ، وأن ينبهوا  الفنانين إليها من حين إلى حين .

فمن ذا الذى ينكر أثر الطبيعة - عندما ظهرت - على آداب القرن الماضى وأواخر القرن السابق عليه . ومن ذا الذى  يرى الصحافة الآن بآدابها الشكلية الخاصة ، ولا يعترف بما  أحدثته من التغيرات الجوهرية فى الأصول الذاتية للأدب ،  وما أجرته على قواعد الكتابة من أنواع التبديلات . ثم  انظر فى الأحاديث المذاعة بالراديو ، أو فى قاعات المحاضرات  العامة ، وتمعن فيما تخضع له هذه الأحاديث من الضرورات .

فستجدها شيئا آخر غير تلك الضرورات التى سار عليها العرب القدماء فى الأمالى ودروس الجوامع ، ولقد نشأ عن الاختلاف الوضعى للقوانين والأصول اختلاف فى نوع الفن وفى طريقة الأداء . وهذه كلها ما كانت لتظهر لو لم تتغير الأرضية الفنية لدى الكاتب فى عصر عما هى فى عصر  سواء .

فقد أحدثت المدنية بظروفها المختلفة أثرا كبيرا فى الأدوات الصناعية عند الأدب ، وجعلته - بالتالى - خاضعا لمستلزمات البيئة . ونقاد الفترة الماضية فى نهضتنا الأدبية الحديثة ، إنما هبوا فى وجه شوقى وأضرابه من شعراء المدرسة  القديمة وكتابها لهذا السبب عينه ، وليس لسبب آخر .

فهم قد شعروا بالمدنية المعاصرة شعورا قويا جعلهم يسيرون  فى الحياة بهديها ، وبمضون فى الإنتاج على ضوئها ،  ويخضعون مقاييسهم وأنظارهم وتجاربهم لها . ومن ثم  نشأ التعارض فيما بين كل من المزاجين . فشوقى وأضرابه  ينكرون الأوضاع الحديثة ويخرجون عليها ، ولا يقرون  فى أنفسهم بما تلزمهم به الحياة من حولهم . أما النقاد الذين  هاجموه وأنحوا عليه باللائمة ، فإنما فعلوا ذلك بقصد إحداث  التغيير اللازم مجاراة للأساليب المستحدثة ، ومن أجل  تنبيه الأذهان إلى تلك الشرائط والأصول التى ينبغي  للأديب أن يصل بوحيها إن لم يخضع لها نفسه إخضاعا  كاملا .

ومما ينبغى أن نلاحظه فى هذا المقام أنه لا وزن على الإطلاق لشعور الضعة والامتهان الذى يجده القارئ بإزاء هذه التحولات ، بل لا ينبغى قط أن نضع من قيمة أدب من الآداب لأنه نظر فى الملابسات من حوله ، وتأمل في الظروف التى تحيط به ، ثم خرج معبرا عن التجربة التى يحياها  داخل ذلك الإطار المغلق . فهذا هو نوع الأدب الذى تعتز به ، وهو وحده الذى يكون معبرا عن محنة الإنسان من وقت لآخر ، ويكون حاويا لتلك المشاعر الدقاق التى تمر بالأفراد إبان الحرج وعند توارد الأزمات ، ولا بد بالتالى أن ننصح الأدباء من أجل أن يلتفتوا إلى هذه الحقائق من حولهم حتى يخرج أدبهم حاويا لصدق الشعور وجمال التعبير ودلالة الحياة . فتكون هذه المسائل أدعى إلى الشرف والنباهة عند الكاتب المنتج منها إلى الشناعة والتحقير . وعلى الناقد فى هذه الأحوال أن يؤكد حقيقة الأشياء

الخارجية وأن يبدأ من نقطة جديدة ، وهى تلك التى تضع الوسط المعاشى والظاهرات المحيطة فى قمة الملاحظات والقواعد المرعية فى نتاج الأديب . أو بعبارة أخرى الناقد الأدبى ملزم - وهو صاحب الفضل فى التوجيه والإرشاد - بأن ينظر إلى العمل الأدبى الماثل بين يديه على ضوء هذه التجارب التى يمر بها والظروف التى ينبع منها والمواقف التى ينفذ خلالها . وبذلك تصير الأرضية هى القاعدة البديهية  الأولى فى كلا الحالين : فى حال الإنتاج وفى حال التلقى .

وكثيرا ما كانت أمثال هذه الضرورات مجهولة لدى الكتاب والنقاد ، وكان الجهل بها سببا فى حدوث كثير من الاختلافات والمشاحنات ، مع أنها جميعها لو فهمت على هذا الوجه لاستطعنا أن ندرك تماما قيمة العمل الفنى فى العصور المختلفة . وكان من الممكن كذلك أن يتخطى الأدب مشاكل الانتقال سليما لو رأى أمثال هذه المسائل عند مراحل التصعيد والارتقاء .

ومن هنا نحس بأن العمل الفنى لا يخضع للقواعد الشكلية الموضوعة فحسب ، وإنما يجرى أيضا وراء تيارات خفية لها أثرها الواضح ولها عملها البين . وهذه التيارات التى تمضى فى الخفاء وتعمل من وراء ستار هى صاحبة الأثر  الأكبر فى توجيه الآداب وإحداث التغيير والتشكيل بين ضروبها . لأن التغيير قلما يتناول فى الآداب أصولها الشكلية  المرسومة ، وكثيرا ما ينصب على الروح التى تبعث على  التذوق والتفضيل ، والتى تلزم الكاتب بشئ دون شئ .

بل نريد أن نقول بعد ذلك إنه من الممكن أن تحدث تحولا فى الأدب بأن تحدث تغييرا فى الظروف . والناقد الواعى هو الذى يحاول أن يوجد تغييرات فى ملابسات الفن والوقائع المحيطة به على الصورة التى يريدها قبل أن يصدر أوامره إلى .  الأديب ذاته ، بأن يقول كلاما معينا أو يخرج فنا خاصا . وبذلك نستطيع أن تلفت نظر الناقد إلى أنه يملك إحداث التغيير الذى يريده فى الأدب بأن يجعل الظروف الخارجية على نحو بالذات .  ولا تزال فى مصر متأخرين من ناحية فهمنا للأرضية

الأدبية ، ولم نزل بعيدين عن الجو الذى نعمل فيه . وقد نشأ  ذلك عن أمرين : أولهما صدوفنا عن البيئة التى نصدر عنها فى تصوير مشاعرنا وفى إنتاج آدابنا نتيجة لضعفها الشديد وعدم إمكانها أن توحى لنا بشئ ذى غناء . أعنى أنها أقل من أن تكون أرضية لفن من الفنون . وثانيهما أنه أجدر بنا الاشتغال عن أنفسنا بتلك التحف الجميلة التى أبدعها الفكر الغربى فى حضارته التى أوشكت على الأفول . فنحن لا نعمل لأنفسنا ، وإنما لأبناء الجيل القادم الذين ترجو أن نوطد لهم دعائم حياة أدبية ممتازة وبيئة حية وأرضية ذات قيمة . ولذلك نحس بضرورة العمل المتصل فى ميدان الترجمة  والنقل وفى مجال التبشير للعالم الغربى .

ولو حاولنا على ضوء الحقائق المتقدمة أن ندرس أرضية الأدب فى مصر لوجدنا صعوبات شتى ، أهمها وأولاها بالعناية  هى مشكلة التعليم . فالتربية لم يكد يعترف بها أحد فى مصر  على الرغم من الجهود التى يبذلها الرؤساء كما يجعلوا من  أنفسهم مربين ، وعلى الرغم من المزاعم التى ينشرونها  على الناس فى كل ساعة وفى كل يوم . ولو صدقنا فى عزمنا  على دراسة التربية الصحيحة لاستطعنا أن نخرج فئة من  المتعلمين أفضل من هذه الفئة التى لا تهوى شيئا وتعشقه  بقدر ما تهوى الأمية وتعشق الجهل . .أستغفر الله . . . فإنها  لتكره أن يكون لواحد منها ذوق يعيش به أو شعر يدرك  الكون خلاله . لكأنما خلقت لتباعد بين نفسها وبين الفن  بقدر ما يسعها أن تباعد ، وكأنما قفزت إلى العلم محرومة  من البطانة الموافقة له ومن الثمار التى يخلفها العلم فى نفوس  المقبلين عليه والباحثين فى فروعه .

ولقد أصبحت الصلة الجارية بين الكاتب وجمهوره حقيقة من الحقائق وعنصرا من عناصر الأرضية التى تؤثر فى العمل الأدبى وتوجهه بل إن هذه الصلة نفسها هى التى تخلق مجموعة من القواعد والأصول التى يطبقها الأديب على  نتاجه . وقد لا يشعر الأديب بما تفرضه عليه هذه الصلة من  الالتزامات ، ولكنها تجرى فى عروقه وتثقل على خاطره  بصورة واضحة أتم الوضوح فى الآونة الحاضرة . والأديب

المسكين الذى حكم عليه الزمن أن يظهر فى مصر ، محروم من  القارئ إلى حد معيب ( ومن الناشر بالتالى ) . فلا يكاد يجرؤ واحد من الكتاب أن يبدع شيئا لغير هؤلاء الأميين الجهلاء الذين حدثتك عنهم ؛ وحسبك أن تقرأ كتابا مهدى إلى هذه الطائفة ومقدما إلى هذا النوع من الجمهور ، حتى تشعر بالغصة وحتى تقف على حقيقة المشكلة ، وتعلم أين ما نحن  فيه بالقياس إلى أصحاب هذه المهن فى عالم الغرب وتلك هى  أم المصائب فى الإنتاج الأدبى عند كتابنا ، وأكثر الإشكالات  إنما تنشأ من أن المدارس لم تستطع أن تربى فى الأبناء ملكة  القراءة والتزود من المعرفة واستطعام الفنون ، إلى جانب  ما ربته فيهم من الملكات وما حفظتهم من المذكرات .

ولو كنا نعرف ، أو لو كان النقاد يعرفون هذه الحقيقة من زمن طويل ، ويدركون قيمة الأرضية بالنسبة إلى الإنتاج الأدبى ، لاستطاعوا أن يفعلوا شيئا من زمن بعيد وأن يخطروا المشرفين على التعليم بهذه الحقيقة ، وهى أن وجود  الكاتب متوقف على ظهور طائفة من القراء الذين يحسنون  الفهم ويحسنون التذوق . وقد يظهر الكاتب الممتاز على  الرغم من الجمهور ، ولكنه سيضطر إلى الانتظار طويلا حتى  ينال الإعجاب وحتى يكسب اعتراف الناس به .

هل تعرف قيمة الأرضية فى لوحة من لوحات الرسم ؟ وهل حاولت يوما أن تلمس كيانها بتأملك فى الفراغات الماثلة بين الألوان ؟ وهل وجدت فى نفسك يوما رغبة فى أن تلاحظ الجموع الغفيرة التى يظهر من بينها الزعيم قبل أن تحاسب ذلك الزعيم ؟ وهل حاولت أن تتعرف على الناس من أفعالهم العادية المتكررة على طول الأيام قبل أن تلتفت إلى الأحداث الخطرة التى يقومون بها والأفعال الضخمة التي يأتونها كل عام أو كل عامين ؟ وهل سعيت من أجل النظر فى الظروف المحيطة بأدوات الصناعة الأدبية وفى الجو  الذى يحف بالفنان من ناحية الشكل قبل أن تبحث عمله وتنقد فنه ؟ .

إنك إن فعلت فستعرف ما هى الأرضية .  بل ستقف بذلك على الشىء الكثير ، خصوصا إذا حاولت

أن تتبين المسائل فى غير جلبة ولا ضوضاء . إن القواعد المرسومة الواضحة لا تؤدى أعشار ما تؤديه التيارات الحفية  التى تترك أثرا فى الفنون بغير أن تراها ، والتى تعمل فى  الأذواق من غير أن نحس بها ، والتى تنتهى بنا إلى  الانقلابات المعروفة فى تواريخ الآداب على اختلاف أنواعها  دون أن تتخذ أسلوبا إيجابيا محددا . انظر إلى الموت لتعرف  الحياة ، وتعرف على الفراغ لتدرك الملاء ، وقف على  حقيقة الأرضية الأدبية لتميز الآداب الصحيحة من الآداب  الفاسدة . ولرب أشياء أهملناها وأغفلنا قدورها كانت صاحبة الفضل الأول فى تحويل مظاهرنا الحضارية وإعلاء شئوننا العامة .

اشترك في نشرتنا البريدية