( مهداة إلى الأستاذ الكريم الدكتور شوقى ضيف )
كثيرا ما تسمع النقاد يقولون هذا شاعر رسام ، وهذا شاعري موسيقى ، وذاك رسام يرسم موسيقا ، وذاك موسيقى بصور بالألحان ، فتحس فى مثل هذه الأقوال أن أحد الفنون قد تعدى مجاله الخاص به إلى مجال فن آخر ، وحاول أن يقوم مقامه فى التعبير والأداء . وأقول " مجاله الخاص به لأن الفنون تختلف فيما بينها فى المادة ، ومن ثم تختلف على أساس المكان والزمن ؟ ففن الرسم يعتمد على المكان . والموسيقا تعتمد على الزمن ؛ فإذا حاول الرسام ان ينقل حقائق الزمن فى صوره ؛ فقد فنه بعض خصائصه المميزة وكذلك هو الشأن فى الموسيقا ، فإنها حين تنحرف عن الاتجاه الزمني الخالص تفقد شيئا ما .
والتمثال فنى ، صحيحة فنيته ، لأنه مستقل عن الزمن وقطعة الموسيقا صحيحة لأنها بمنأى عن المكان ، ولا بد للفنان من أن ينفى احدهما - الزمن أو المكان - ويثبت الآخر وإن كانت عملية النفى والإثبات تحتاج إلى جهد كبير وتركيز تام . فإذا انتفى الزمن من عالم التمثال وانتفى المكان من جو القطعة الموسيقية كان كل منهما مطلقا .
وعالم المكان هو الذى يكسب الصورة عند الرسام ما لها من خصائص ، وهذا العالم يضم ما هنالك من اشجار وصخور وبيوت وناس ومناظر وأضواء وظلال وكل ما تقع عليه العين ، ولا بد للرسام من لحظة تتركز فيها كل قواه الفنية فى النظر إلى المكان مجردة عن الزمن ، أى أن على الرسام أن يتصور تلك الأشياء تصورا مطلقا وتمر به لحظة من اللحظات وقد انعدم الزمن بالنسبة إليه .
كذلك هو الشأن فى القصة الطويلة ، فهناك قصة حرة فى الزمن مقيدة من حيث المكان ، يحتشد فيها الزمن ويتحرك دون أن نعرف متى ينتهى ، فإذا اتضح الهدف الذى يجرى إليه ظهر القدر على مسرح الحوادث فصرف بيده القوية كل شئ وانتهت القصة . وهناك قصة تتخذ المسافة مجالا لها فتجىء شخصياتها ثابتة فى صفاتها وطابعها لا يغيرها الزمن ولا يفنيها ، ولكنها تتحرك وتعمل وفقا لطبائع ثابتة ، وعمر الزمن فى مثل هذا النوع من القصص بطئ حتى ليخاله الإنسان متوقفا (١ ) .
وكذلك هو شأن الشعر ، فإذا وجدت شاعرا يقف بك عند الصورة وينسى كل شئ عداها ، وتصبح الحركة الخارجية فى قصيدته بطيئة أو متوقفة - تقريبا - فاعلم أنه إلى ناحية الرسام أكثر جنوحا منه إلى ناحية الوسيقى .
وذو الرمة شاعر رسام يجىي على اعتبار المكان فيما ينقله من صور ، وفيه ما فى الرسام من خصائص ، فهو قد بيترك الأشياء تتحرك من حوله ويتخذ موقف المصور وينسى كل شئ أمامه إلا المنظر الذي يريد إخراجه ، وتحس وأنت تقرأ قصيدة من قصائده أن الحركة فى الناحية الزمنية ( الموسيقية ) تكاد تقف ، وأن الشاعر قد انفصل عن كل ما حوله وتأنى فى النظر وشمله استغراق تام ليخرج لما يراه صورة كاملة ، فتسمية صاحبته ليست ظبية أو كالظبية فحسب - كما اعتاد الشعراء أن يشبهوا صواحبهم
ولكنها كالظبية التى أخذت تراثها تبدو من بعبد فى فم واد بين منعقدات من الرمل ، فى وقت هو بين النهار والليل ، وعلى جانبى هذا الوادى أشجار ظليلة . وهكذا اجتمع فى هذه الصورة كل ما يتطلبه المصور ارسم منظر طبيعى .
غير أن ذا الرمة لا ينسى وهو يؤدى مهمة الرسام ، أنه شاعر ، وانه لا وجود للشعر بغير الزمن ؛ فلذلك تجده يصور ويزيد فى الحركة الداخلية أثناء تصويره حتى لا تقف الصورة جامدة أو باهتة . وهذا جهد مضاعف ، ولكن ذا الرمة يبلغ فيه الغاية ، لأنه متأثر بما يرى ، يشعر بتجاوب بينه وبين المناظر التى يرسمها ؛ فإذا أراد أن يصور رحلة حمر الوحش إلى الماء في جوف الصحراء وقف موقف الرسام ، ولكنه آثار الحركة فى كل ما يداخل الصورة ؛ فالحمر متدافعة فى مشيها تقترب من الماء . فإذا أحست نبأة حددت آداتها متوجسة ، ثم اصباها خرير الماء "
فأرسلت أعناقها لتشرب فأعجلها الصائد المتحفز المترفب بسهم من سهامه راح طائشا ، قدماتت تلك الحمر " تدوم في الأرض " . . ويستعين ذو الرمة على إبراز الصورة باألفاظ تحمل فى جرسها ما يريده من دلالة كما يستعمل الرسام الألوان .
وليس يتسنى لدارس أن يفهم لم تجىء الصور عند ذي الرمة غريبة - وهى غريبة حقا - إلا إذا ذكر دائما أن ذا الرمة مصور ، وأن البعد أو القرب من الجسم المرئى له آثره فى اخراج الصورة . وأكثر صور ذي الرمة قد رسمت من بعد لأن الصحراء بابعادها الشاسعة قد أثرت فى تصوره وتصويره . فعودته النظر إلى الأشياء من بعيد . فالجوزاء قد مالت على الأفق كأنها قطيع من بقر الوحش تدلى على جبل من الرمل طوله أيام وعرضه كذلك :
وقد مالت الجوزاء حتى كأنها .
سوار تدلى من أميل بقابل
ولا يمكن للإنسان أن يتصور الجوزاء قطيعا من بقر الوحش إلا إذا آمن أن ذا الرمة إنما اعتاد رؤية مثل ذلك القطيع وهو سائر فى الصحراء ، وانه كان يراه من بعيد ، وابن الظبية قد نام على الأرض ملتفا على نفسه كأنه
دماج نبتة من الفضة نسيته إحدي عذارى الحى ملقى فى ملعب العذارى :
كأنه دماج من فضة نبه
فى ملعب من عذارى الحى مفصوم
ولابد لفهم هذه الصورة من أن نقدر مسافة معينة بين ذي الرمة وولد الظبية وإن كانت أقل من المسافة فى صورة الجوزاء وقطيع البقر . ويقول ذو الرمة أيضا :
ويضحى به الرعن الحشام كأنه
وراء الثنايا شخص أكلف مرقل
ومعنى ذلك أن أنف الجبل الأقصى وقد غاص فى السراب يشبه فرسا أحوى يضرب لونه إلى الحمرة ، وهو ظالع فى مشيته يتحامل على نفسه وقد تأخر وراء الخيل . ولست أظن أن هذه الصورة عادية ، ولا بد أن نتخيل وراءها شيئا يوضحها ، فليس يكون الجبل الذي يبدو غارقا بعضه فى السراب فرسا أعرج إلا إذا قدرنا بينه وبين الناظر إليه مسافة بعيدة .
وكذلك قل فى كثير من صور هذا الشاعر ، بل إن ذا الرمة لينحاز إلى جانب الرسام انحيازا شديدا ، فيقلب الزمن فى تصوره إلى مكان ، ويستحضر ماضيه استحضارا ذهنيا أو عاطفيا ، ثم يقيم بينه وبين هذا الماضي مسافة كبيرة . فأى إنسان يتراءى له ماضيه الذى كان يلهو فيه ويلعب " بركة صغيرة " من الماء يسبح فيها ، إلا إنسان ينظر إلى ماضيه من علو شاهق ( ١ ) وذو الرمة فى تصوره هذا على خلاف المألوف ، لأن الناس حين يتصورون ماضيهم يقربون المسافة بينهم وبينه حتى بلامس ماضيهم حاضرهم ويطغى عليه . غير أنه يخالف المألوف لأنه تعود أن ينظر إلى المحسوسات من بعيد ، وكذلك هو فى قوله :
فدع ذكر عيشى قد مضى ليس راجعا
ودنيا كظل الكرم كنا نخوضها
ولا يكون الماضى كظل الكرم إلا حين يكون بعيدا في نظر المخيلة .
فإذا نحن لم نأخذ بقانون البعد والقرب فى صور ذى الرمة تراءث لنا صورة غريبة ؟ وقد مات ذو الرمة شابا ، فكان ماضيه فى الواقع قريبا من حاضره ، وكان مصورا والمصور كثيرا ما ينقل عن الزمن ، من أجل ذلك ربما كان قانون المسافة خير ما يفسر بعد الماضى فى مخيلته ، إلا إذا افترضنا أن لحظات التصوير فى حياته كانت قليلة وأنه كان بعدها يفرغ إلى نفسه ويتامل دنياء وما أصيب به من إخفاق فى
حبه ، فيحس ببطء الزمن ويرى نفسه فى الشباب قد أصبح شيخا . وهذا ما يصدق فى الواقع على الجانب الآخر من شعره وهو الجانب الغزلى الملىء بالدموع والحسرات ؛ وفى نسبية الزمن تعليل هذه الناحية ، فإن ذا الرمة مات شابا بحساب السنين القمرية أو الشمسية ، ومات شيخا لأنه أحس بعمره يمضى بطيئا متشابه الأيام .

