الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 602الرجوع إلى "الثقافة"

فى النقد الأدبى, " السخرية " Satire

Share

ماذا دهاك يا صاحبى ! أراك غريب الأطوار غريب الأساليب ! فأنت تستعمل أسلوبا فى ظاهره الرحمة ومن باطنه العذاب . ولقد أحسست فى عباراتك وكلماتك أصداء سخرية شديدة وتهكم عنيف . وما أظن إلا أن السخرية من بدائع هذا العصر الحديث ومن نبات هذه الحضارة الحديثة . وإذا كانت الحضارة تتكون على حد تعبير ول ديورانت من عناصر أربعة هى : الموارد الاقتصادية والنظم السياسية والتقاليد الخلقية ومتابعة العلوم والفنون ، فإنى أظن أن هذه العناصر قد تعددت وتنوعت فى هذا العصر الحديث . وما أظن إلا أن السخرية من نتيجة هذا التعدد وهذا التنوع !

قلت وقد ارتسمت على ثغرى ابتسامة ساخرة عريضة : كلا يا صاحبى ! فالسخرية فن قديم من فنون الأدب ، وإن الناظر فى الأدب العربى والآداب الأجنبية يلاحظ أن السخرية كانت منتشرة فى هذه الآداب بشكل ملحوظ وبصورة ملموسة .

وقد تستعمل هذه السخرية ابتغاء التلهى أو التسلى أو يكون الغرض منها التشفى . والأصل فى السخرية علي حد تعبير دائرة المعارف البريطانية النظر إلى العيوب الإنسانية والتهكم على المثالب الخلقية والنفائص الجثمانية ؛ وكان أركيلوكس Archilockus الأستاذ الأول لهذا الفن عند الإغريق ؛ ففى خلال الآثار الأدبية التى وصلتنا عنه يمكن أن نستشف روح الهكم على المجتمع والسخط عليه والزهد فيه . وقد اشتهر غير اركيلوكس سومونيدس Somonides ، واشتهر هيبوناكس  Hipponx  كذلك . ولكن السخرية استعملت فى الريف بمعنى أوسع ، وما لبثت تفشت وانتشرت فى الدراما واكتست بصبغة أدبية رائعة فى أسلوب شعرى ممتاز . وظهرت السخرية فى شعر ارستوفان ، وظهرت فى إيطاليا عند كثير

من الشعراء المقلدين لآثار الإغريق . أما عند الرومان فقد ظهرت السخرية فى مسرحيات هوراس Horace وسيشرو Cicero  وكنتيليان Quintilian. وقد اصطبغ التهكم عن هوراس بصيغة فلسفية مهذبة مشذبة . ولكن عندما انقسمت الدولة البيزنطية ظهرت روح التهكم بشكل ملحوظ ملموس ، وألف كثير من القطع الساخرة الساحرة ، ونظم كثير من الأساطير التى تدل على السخرية بطريق مباشر أو غير مباشر ، وتنم عن التهكم بشكل ملحوظ أو مستور ، مثل رينارد الثعلب Reynard the fox ؛ وقد اشتهر صمويل بتلر فى الأدب الإنجليزى بروح التهكم والسخرية . واشتهر جون دريدن بها كذلك ، ولاسيما فى قصيدته إبشلوم واكتيوفيل Abshalum and Achitophel

التى نظمها للدفاع عن الملكية ضد شافنسبرى ، ويمكن أن تعد رحلات جيلفر لسويفت ، كما يمكن أن نعد بعض إنتاج إديسون من الأدب التهكمى اللاذع ؛ ولقد اشتهر فولتير فى الأدب الفرنسى فى القرن الثامن عشر بتهكمه الشديد وسخريته اللاذعة التى لا يجاريه فيها أحد . وذاع التهكم فى الأدب الفرنسى الحديث منذ القرون الوسطى ، وتمثل فى القرن السادس عشر فى شعر دى بلاى  Du Bellay ورابليه Rabelaie ، وقد اشترك الاثنان فى تأليف أربعة مجلدات ؛ كما ظهرت السخرية كذلك عند ريتيه وماكت وبوالو  Bolieae ، وظهرت فى القرن السابع عشر فى الفن الشعرى . أما فى القرن الثامن عشر فظهرت عند جلبرت وأندريه شنبيه ، وجرت السخرية فى القرن التاسع عشر فى مجراها الطبيعى فى الصحف والمجلات والأشعار ، وكان من أعلامها أوجست باريه وفيكتور هيجو وغيرهما من شعراء القرن التاسع عشر . وظهر التهكم كذلك فى إيطاليا عند

أريستو فى القرن السادس عشر بين عامى ١٥١٢ - ١٥٣١ , وتصور السخرية عند أريستو حياة الشاعر  وأفكاره وروح العصر ، وظهرت فى إيطاليا عند الفبيرى وأرتين كذلك ، وامتدت إلى ألمانيا فبعث فى أدب ويلند Weiland وليسنج Leising . ولئن لم تطع على شعر نيرون  ووردزورث روح العصر والوصف لكانا من أبرع شعراء السخرية فى الأدب الإنجليزى .

ولكن ثاكرى يعد من أبرع كتاب المقالة التهكمية فى الأدب الانجليزى ، وكذلك الحال مع شارلز ديكنز الذى كان قوى النظر فى الحياة والأحياء وقل مثل ذلك عن جورج اليوت التى كانت متأثرة بغرض نبيل وهدف سام فى نقدها ، وقل مثل هذا عن باراك الذى كان كتابا رساما الحياة الفرنسية ومثاليها ونقائصها ؛ ولكن السخرية أخذت عند برناردشو طابعا مميزا ممتازا ، لأنه صبغها بصبغة الكاريكاتير ؛ فهو ينقد المجتمع الإنجليزى ، وهو يسخر من مقومات الحياة الحديثة . وهو يصب جام غضبه على كثير من التقاليد البالية ، وهو ينقد نظام السجون ويكتب في ذلك فصولا طوالا ، وهو يتهكم على الأدب الإنجليزى ، ويرى أن شكسبير سرق فلسفته من مونتى وتاريخه من بلوتارك وموضوعاته من بانديللو . ويرى أن الزمن كفيل بأن يغير كل شئ . وبأن يتغلب دائما على المواضعات الاجتماعية والدينية .

والواقع أن السخرية على اختلاف ألوانها وتباين صنوفها لا تتعدى أن تكون أحد أنواع أربعة تكلمت عنها دائرة المعارف الفرنسية لاروس ، وهى السخرية الدينية ، والسخرية الأخلاقية ، والسخرية السياسية ، والسخرية الشخصية .

ومن الطبيعى أن تقابل بعض ألوان السخرية بالامتعاض من كثير من الناس ، وإنى لأذكر فى هذا المقام قول لا بروير La Bruyier .

" قد لا يستسيغ أحد السخرية التى تجرح الآخرين ... ولكن فاجعلى الضحكات لك يا سيدتى هذا ما أريد أن أقول . ووجهى  قوارص السخرية لى إن كنت تشائين " هذا حديث السخرية فى الأدب الأوربى ، ولكننا إذا ما تلمسناها فى أدبنا العربى وجدنا بعض ألوان السخرية فى

الأدب الجاهلى عند شعراء المعلقات وغير شعراء المعلقات , ولكنها كانت سخرية بسيطة ساذجة ليس فيها تعقد الحضارة ولا تصعب المدنية ، وكانت مستمدة من البيئة الجاهلية والطبيعة الصحراوية . وقد أطلق مؤرخو الأدب على هذه السخرية هجاء , ولكن الهجاء ليس فى الواقع سخرية . إنما الهجاء لون من ألوان السخرية ، والهجاء ضد المدح فى اللغة . أما السخرية فقال عنها الأخفش : سخر منه وضحك منه وبه . وهزأ منه وبه كل يقال ، والاسم السخرية بوزن العشرية ، وقال تعالى : ( ليتخذ بعضهم بعضا سخريا )

والأصل فى التسخير التذليل ؛ ولقد ظهرت السخرية فى بعض الأشعار الجاهلية كما قلت , ولكنها ظهرت فى صدر الإسلام وعصر بنى أمية بشكل أبشع وأشيع ، ولاسيما عند جرير والفرزدق اللذين كان يحاول كل منهما ان يقدح فى الآخر قدحا عنيفا ذميما ، ويتفنن فى الصور التى تحط من قدره وتصغر من شأنه , بل قد يقذع فى السخرية إقذاعا ويفحش فى التهكم افحاشا فتدفعه السخرية إلى ذكر العورات والحرمات دون تهيب ودون توقر ، وكذلك ظهرت السخرية عند الأخطل فى بعض أشعاره . ولكن عند ما جاء العصر العباسى والتقت الثقافات المختلفة والحضارات المتباينة من تركية وفارسية وهندية ونصرانية ويونانية ورومانية ، وجدنا الشعراء يلجا كثير منهم إلى النسب والشعوبية . ودفعت الشعوبية كثيرا من الشعراء إلى السخرية والتهكم والهجاء . فكان الشاعر يفخر بأنه

عربى ابن عربى سدى ولحمة ، ويقدح فى الشاعر الآخر ويزعم أنه أعجمى ابن أعجمى سدى ولحمة كذلك . ولأجل ذلك يتفنن الشاعر فى عرض السخرية تفننا بديعا برغم أنها سخرية إن صح هذا التعبير ؛ ولكن ينبغى ألا ننسى أن الجمال ليس هو التعبير عن الشئ الجميل فحسب . وليس الجميل على حد تعبير ف . جاريت معناه الصحيح أو المليح فحسب . وليس الجمال معناه السماء الزرقاء ولا القمر المتألق , ولا الربيع الموثق ، ولا الشجر المورق ، ولا الطير الصادح فحسب . وليس الجمال معناه الوجه الصبوح ، والعيون السوداء أو الزرقاء ، والشفاه اللمياء ، والشعور الشقراء أو الليلاه فحسب ، بل هنالك جمال آخر يتمثل فى العاصفة

الهوجاء والشيخوخة الموقرة ، ويتمثل فى أفات الألم وصفحات المآسى .

فهنالك سخرية فى الشعر العربى مضحكة الصور بشعة المناظر . ولكنها جميلة إلى أبعد حدود الجمال . وهنالك سخرية فى الشعر الأوربى والفن الأوربى فيها بؤس وفيها يأس ، ولكن فيها جمال ما بعده جمال . فبعض اللوحات الفنية عند رامبراندت Rambrandt  تصور الرجال المسنين القذرين ، وبعض التماثيل لميكل انجلو تمثل الرقيق المهينين العانين المعلقين ، ولكنها برغم هذا كله لا تقل فى روعتها عن أى صورة جميلة أو تمثال بشرى جميل .

فإذا كان ذلك كذلك فى الفن فما بالك بالأدب ! فهنالك تصاوير أدبية لشكسبير كتصويره للمك لير , ذلك الرجل الطاعن فى سنه الطفل فى عقله المشرد فى حياته ، لا يقل فى قيمته الفنية عن تصويره لبطل عظيم آخر كهملت أو أنطونيو أو قيصر . وهناك تصاوير أخرى لوردز ورث تمثل التسول الذى يسير وتيدا ،وتصاوير لتوماس هاردى لقاطع الأعشاب البائس اليائس وهو يجوب حيران أسفا بين المروج الخضراء ، لا تقل فى قيمتها الفنية عن الصور الأخرى التى تمثل جمال الطبيعة أو جمال الوجوه والأجسام ...

ولكن لم نذهب بعيدا وأمامنا أدبنا العربى وفيه صور متعددة عن السخرية فى المنزلة الأولى من الجمال . وقد ظهرت هذه السخرية فى العصر العباسى كما قلت آنفا بشكل واضح ، ولا سيما عند بشار بن برد الذى كان شاعرا ساخرا إلى حد بعيد ، وذكر صاحب الأغانى أن بشارا قال الشعر ولم يبلغ عشر سنين ، ولما بلغ الحلم خشى من معرة لسانه . وقال صاحب الأغانى كان بشار يقول : ( هجوت جريرا فبعد عنى واستصغرنى ولو أجابنى لكنت أشعر الناس ) وقال الأصمعى : ( بشار خاتمة الشعراء , والله لو ان أيامه تأخرت لفضلته على كثير منهم ) وقال الأصمعى كذلك : ( إنه يعجب بشعر بشار لكثرة فنونه وسعة تصرفه ) ، وكان يشبه بشارا بالأجنبى . ويشبه مروان بزهير . قال أبو حاتم : ( سألت أبا يزيد مرة أخرى عنهما فقال : مروان أجد وبشار أهزل ) فحدثت الأصمعى بذلك فقال : ( بشار يصلح للجد والهزل ومروان لا يصلح إلا لأحدهما ) .

والواقع أن بشارا طرق باب الهزل كما طرق باب الجد . ولجأ إلى السخرية فى جده وهزله وتفنن فى عرض سخريته فقال يسخر من عباس بن محمد :

إن الكريم ليخفى عنك عسرته      حتى تراه غنيا وهو مجهود

ولبخيل على أمواله علل           زرق العيون عليها أوجه سود

والواقع  أن السخرية فى هذا البيت الأخير بشعة الصورة إلى أبعد غايات البشاعة ، قبيحة إلى أبعد حدود القبح ؛ فقد صور بشار علل البخيل الذى يقتر فى ماله ضاربا الأسباب مبديا المعاذير بعيون زرقاء ، على وجوه سوداء . ويمكن يا سيدى أن تتصور العيون الزرقاء عندما تطل من أوجه سود فيبدو المنظر مرعبا رهيبا قد يرتجف منه جسدك ارتجافا وتقشعر منه أطرافك قشعريرة .

ولكن بشارا لم يكن الشاعرى الساخر الوحيد فى العصر العباسى ، إنما جاء بعده شعراء ساخرون آخرون كأبى نواس ، وكان أبو نواس شاعرا من أروع وأبرع الشعراء فى السخرية , وسأذكر لك ياصاحبى مثلا من أمثلة الهجاء عند أبى نواس لنتبين سلاطة لسانه وحدة بيانه وذكاء جنانه .

رأيت الفضل متكئا           ينافى الخـــــبز والسمكا

فأسبل دمعه لما                رأنى قادما وبكى

فلما قد حلفت له             بأنى صائم ضحكا !

وليس من شك فى أن هذه الصورة الساخرة تدعو إلى الضحك حقا والى الاعجاب حقا ، ولكن الفن الهجائى الذى وصل إلى ابن الرومى بعد بشار وأبى نواس كان سبابا وشتما , وذكرا للحرمات والعورات فى أكثر مظاهره وظواهره ؛ فاستغل ابن الرومى السخرية استغلالا حسنا ، ونأى عن هذه الأمور جميعا .

ويظهر أن ابن الرومى كان يستخدم هذا السلاح لأنه شعر يضعف فى حسه ؛ فكان إذا لكبه إنسان سلط عليه لسانا قاسيا مرا ، وجرحه ليشفى غليله وينقع غلته ، فسخرية ابن الرومى سخرية أساسها الضعف والحرمان لعدم الحيلة وتلمس الوسيلة ، إلى جانب أنه كان شخصا متطيرا الى أبعد حد ؛ فقد زعموا أنه رجع إلى داره لأنه وجد فننين متعانقين على هيئة لا . وكان قلما يغشى المجالس ، ولا يحسن

السياسة ولا مداراة الناس ولا مصاحبة الأصدقاء ولا خصومة الأعداء ، وكان ابن الرومى رقيق الإحساس إلى حد بعيد ، لكثرة الفواجع التى ألمت بساحته والنوازل التى هدت كيانه . وكان ابن الرومى رائع التصوير صادق التعبير ، معانيه تميل إلى التجسيم والتجسيد مبتكرة فى أغلب الأحايين ، وقد قالوا إن عبقريته نوع من العبقريات اليونانية التى تتلخص فى الحرص على الحياة والإفراط فى حبها والتعلق بلذاتها ، ولكن السخرية فى شعره كانت تتخذ خطوطا كاريكاتيرية عجيبة . استمع إليه يقول فى ذم بخيل :

يقتر عيسى على نفسه           وليس بباقى ولا خالد

ولو يستطيع لتقتيره               تنفس من منخر واحد

وقد انتشرت السخرية بعد ابن الرومى عند المتنبنى وأبى العلاء وغيرهما ، ولكن سخرية أبى العلاء كانت سخرية من الحياة ومن قيمها ومن معاييرها . فهو يقول :

تسريح كفك برغوثا ظفرت به

                   أبر من درهم تعطيه محتاجا

كما أنها انصبت على الحياة والموت :

صاح ! هذه قبورنا تملأ الرحب

               فأين القبور من عهد عاد

خفف الوطء ما أظن أديم ال

                أرض إلا من هذه الأجساد

فهذه سخرية من العباد وسخرية من الحياة ليس بعدها سخرية ، ثم عن مذهب أبى العلاء واتجاهه الفلسفى فى الحياة ذلك الاتجاه الذى اشتهر به فى التاريخ .

وقد حاول كثير من الشعراء فى العصر الحديث أن يلجأوا إلى السخرية فتفاوتت حظوظهم واختلفت أنصبتهم فى القوى والضعف والجمال والقبح . ونحن إذا ما بحثنا فى النثر العربى عن السخرية وجدنا الكاتب الأول فى هذا اللون الأدبى هو عمرو بن بحر الجاحظ الذى قال عنه المبرد : " ما رأيت أفصح من أبى هذيل والجاحظ " وقد قيل لأبى هفان : " لم لا تهجو الجاحظ وقد هجاك ؟ " فقال " أمثلى يخدع فى عقله ؟ والله لو وضع رسالة فى أرنبة أنفى لما أمست إلا بالصين شهرة ، ولو قلت فيه ألف بيت لما طن بيت فى سنه " وكان

الجاحظ يلجأ إلى الألوان العقلية والفلسفية والمنطقية فى عرض كثير من صور سخريته ، وقد يلجأ إلى المغالطة فى القياس أو السفسطة فى المنطق ليحبك صور تهكمه ولوحات سخريته ، وقد يعمد إلى نظرية الأوساط كما هو الحال فى رسالة التربيع والتدوير التى أرسلها إلى أحمد بن عبد الوهاب ، فيتفنن فى عرضها تفننا ويتنوع فى أسلوبها تنوعا .

( كان مفرط القصر ويدعى أنه مفرط الطول ، وكان مربعا وتحسبه لسعة جفرته واستفاضة خاصرته مدورا ، وكان جعد الأطراف قصير الأصابع ، وهو فى ذلك يدعى السباطة والرشاقة ، وأنه عتيق الوجه أخمص البطن معتدل القوام نام العظم ، وكان طويل الظهر قصير عظم الفخذ ، وهو مع قصر عظم ساقه يدعى أنه طويل الباد رفيع العماد عادى القامة عظيم الهامة ) .

وقال الجاحظ أيضا : ( خبرنى عن شقلون وعن أهرمن وعن كان وكان مرمرة وإيدرش وإقروش وإبرشارش وخونرث بأم وكيف صارت خونرث هذه أعمر العوالم وأيما اكثر يأجوج أم مأجوج وأيما اقصر وأيما أطول أعمارا وأيما أفضل منكر أو نكير وأيما أخبث هاروت أم ماروت وأى حوت ابتلع يونس وأى حية ابتلعت المهلب ) .

ففى هذه الرسالة تستمع إلى أسئلة الجاحظ الساخرة التى يتفنن فى عرضها تفننا عجيبا غريبا حقا ، ونفس روح الجاحظ الساخرة المتهكمة التى تنبدى فى أكثر كتبه ورسائله .

وقد لجأ الحريرى إلى السخرية كذلك فى بعض مقاماته المشهورة على لسان أبى زيد السروجى الذى كان أدبيا أدبيا واسع الحيلة يجتذب إليه الناس بجواهر لفظه وسواحر كلمه وروائع صوره ونقدائه وانتقالاته . ولكن ينبغى أن نعترف بأن السخرية فى النثر العربى بوجه خاص لم تحتل مكانا كبيرا ,  إنما تناثرت هنا وهناك فى بعض الآثار الأدبية لبعض الكتاب القدماء . ووجدت بعض مقالات ساخرة فى العصر الحديث مأخوذة عن الأدب الأجنبى كما وجدت المقالة النزالية التى قد تعرض بعض صور السخرية بين ثناياها فى ثوب ادبى قشيب

اشترك في نشرتنا البريدية