الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 621 الرجوع إلى "الثقافة"

فى النقد الأدبى, القبح والعمل الفنى

Share

هربرت ريد من الشخصيات اللامعة فى المحيط الفنى لكثرة ما ألف فى الفن والنقد الفنى ، حتى يعد الآن من أبرز الكتاب فى إنجلترا ، ونحن نطالع فى أوائل كتابه " معنى الفن " رأيا هاما ، فيه لفت للنظر إلى معرفة علاقة الفن بالجمال . فيشير إلى أننا نحاول أن نعد كل ما هو جميل فنا ، وأن كل ما هو فن فهو جميل ، وأن ما ليس جميلا لا يكون فنا ، وأن القبيح يتنافى مع الفن . وهو بطبيعة الحال يستنكر هذا الفهم للعلاقة بين الجمال والفن ، ويذهب إلى أن الفن ليست له صلة ضرورية بالجمال . وهذا الرأى فى الواقع يلفتنا لا إلى علاقة الفن بالجمال فحسب - وكيف هى غير ضرورية - بل أيضا ينبهنا إلى أن الفن له شأن بغير الجميل أو بالقبيح دون أن يغير ذلك من حقيقته كفن . فإذا كانت فلسفة الجمال وثيقة الصلة بالفن أو فلسفته ، فإن فلسفة القبح - ذلك الوجه المقابل - لا تقل عنها مساسا بالفن أو فلسفته ؛ لأن الفن كما يعبر عن الشئ الجميل فهو أيضا - كما لوحظ - يعبر عن القبيح . وتأخذ المشكلة صورة أخرى فنتساءل : كيف يستوى الجمال والقبح فى نظر الفن ، أو كيف يتخذ الجمال والقبح مادة للفن ؟ والسؤال التالى بطبيعة الحال هو : كيف يرضى الناس عن الفن الذى ينقل إليهم الشئ القبيح رضاءهم عنه حينما ينقل إليهم الشئ الجميل ؟ .

هذه المشكلة التى لفت إليها ريد ليست فى الواقع حديثة ، فإن فلسفة القبح قد سارت منذ اللحظة الأولى موازية لفلسفة الجمال . فنحن نذكر أن أرسطو اعتبر الفن يصور الناس كما هم أو خيرا مما هم أو شرا مما هم ؛ وهو يصورهم شرا مما هم فى مجال الكوميدى . والمضحك فى نظر أرسطو ضرب من القبيح ؛ فالكوميدى إذا فن ينقل ما هو قبيح . وكذلك يلاحظ أرسطو ملاحظة تعد متممة للرأى الأول

وتتكرر كثيرا ، وهى أن الفن التقليدى Imitative غالبا ما يكون التقليد فيه مقبولا ولو أن الشئ المقلد أو المنقول يكون غير مقبول . وعبارة أرسطو فى كتابه " Poetics " ترجمة بنشر ص ١٥ : ( والسبب فى أن الناس يستمتعون برؤية الشبيه هو أنهم بتأملهم فيه يجدون أنفسهم يتعلمون ويستنبطون الأفكار وربما يقولون : " آه ! هذا هو ! " ؛ لأنه إذا حدث أنك لم تر الأصل فإن المتعة لن يكون سببها التقليد ، وإنما ترجع إلى الإتقان أو اللون أو أى سبب آخر من هذا القبيل ) . وأرسطو حريص على أن يشير إلى أن إثارة الذهن والشعور بالإعجاب متعة ، ولذا كانت هناك متعة فى العمل الفنى رغم خلو محتواه من الجاذبية .

وكما قلت إن المشكلة ظلت تنتقل على أقلام الباحثين ، ويهمنا الآن مجرد استعراض الآراء المختلفة فيها . تساءل بلوتارك : هل يمكن أن يصير ما هو قبيح حقا جميلا فى الفن ؟ فإذا أجبنا بنعم فهل يكون العمل الفنى موافقا ومناسبا أصله ؟ وإذا كان لا فكيف تعجب بمثل هذا العمل ؟ فى الحقيقة إن الشئ القبيح لا يمكن - كما يرى بلوتارك - أن يصير جميلا ، ولكن التقليد يثير إعجابنا عندما يكون مطابقا . صورة الشئ القبيح لا يمكن أن تكون صورة جميلة ، وإذا كانت فلا يمكن أن تكون متساوقة مع أصلها . فالجمال ، والتقليد الجميل ( ليس المقصود عمل صورة جميلة بواسطة هذا التقليد ، والمقصود النجاح فى التقليد ) هما شيئان مختلفان تمام الاختلاف . والسبب فى أننا نعجب بمثل هذه التمثيلات فى الفن هو العلاقة التى تنشأ بين ذهننا وبين ذكاء الفنان ومهارته بالضبط ، كما تتفق لعب الحيوانات وعقلية الأطفال فيعجبون بها .

وهنا ما يزال بلوتارك - مثل أرسطو - يتكلم عن

استجابة ذهننا لمهارة الفنان وذكائه . فى حين أنه من المهم أولا وقبل كل شئ أن يكلمنا عن العلاقة بين ذكاء الفنان وأهمية الأشياء التى يصورها ، لأنه كما ينقل إلينا الشئ الجميل - فى نظرنا أو كما هو معروف لنا - فإنه كذلك ينقل إلينا ما هو قبيح فى حد ذاته ، أو فى نظرنا ، أو كما هو معروف لنا أيضا . والمتعة التى تحدث لنا بسبب مهارة الفنان فى نقل القبيح تحمل فى طيها ضمنا أن ما هو قبيح كل القبح ، ولكنه معجب فى الفن ، فيه شئ يستطيع الإدراك أن يفهمه على أنه جميل . وهذا الإدراك بطبيعة الحال هو إدراك الفنان أولا وإدراك المستمتع بفنه ثانيا .

وأفلوطين لا يوافق أرسطو وبلوتارك على الأهمية التى أعطياها لمهارة الفنان فى التقليد ، وينزع منزعا روحيا فيرى المعنى من عمل العقل ، وأن الصورة هى التى توصف بالجمال أو عدمه ، والشئ القبيح هو الذى يكون غير قادر على الحصول على صورة عقلية متميزة ؛ ومن هنا كان الجمال فى الصورة فقط لا فى المادة .

وأهم ما نلاحظه عند بركة Berke بخصوص القبح هو أنه لا يجد مانعا من أننا نقبله فى الفن مثلما نقبل العواطف المؤلمة ويلذ لنا مشاهدتها فى الحقيقة ، لأنها بمجرد اعتبارها عواطف تعد ممتعة وإن كانت مؤلمة ( كما يمكن أن يقال ) فى محتواها . كذلك الأمر بالنسبة للقبيح ؛ تكون مهمة الفنان دائما أن يرتفع بالحقيقة إلى مرتبة الشبه الفنى ( الجمالى ) بدلا من أن يهبط بها إلى مرتبة الحقيقة النافعة ( أى المجردة ) وعلى هذا الأساس يمكن أن يقال إن الحقيقة يمكن أن ينظر إليها نظرة فنية إذا لم تكن تلك النظرة قاصدة إلى المتعة العملية . والطبع الفنى يتكون فى غياب هذا النوع من المتعة . وكلما كان الفن والحقيقة فى مستوى واحد لا يكون هناك مجال لتشخيص الجمال بتعمقنا قراءة الحقيقة ، بل سيحدث أننا سنرى الجميل على حقيقته والقبيح على حقيقته . وإذن فالمتعة الفنية تحدث عندما تكون الحقيقة - وإن كانت تعبر عن قبيح - معبرا عنها التعبير الفنى .

ويأتى " لسنج " فيرفض حجة أرسطو فى حدوث الأثر الممتع لتقليد الحقيقة غير الممتعة مشيرا إلى أن القبح فى

الصورة يحدث أثره غير المقبول منفصلا تماما عن الرجوع إلى أى مصدر لوجوده الحقيقى ، فمهما قيل من مهارة فى التقليد فالمظهر أو الصورة ما تزال قبيحة مثل الحقيقة . و " لسنج " على وجه العموم يخرج القبيح من ميدان الفنون الجميلة ، أو بمعنى آخر يفصل بين القبيح والجميل .

وهناك خطاب فريد بعث به شللر إلى جوته ويظهر لنا فيه أثر فكرة شليجل فى الجمال والقبح حيث يقول شللر : يخطئ الكثيرون فى إرجاع فكرة الجمال إلى محتوى العمل الفنى بدلا من معالجته ؛ ثم إنهم بعد ذلك يحتارون بطبيعة الحال عندما يجدون أنفسهم - لاعتناقهم هذه الفكرة عن الجمال - بسبيل إدراك الجمال فى تمثال أبولو فى الڤاتيكان والتماثيل الأخرى التى تشبهه والتى يكفى محتواها لجعلها جميلة ، بجانب تمثال لواكون . . أو غيره من التماثيل المؤلمة أو الوضيعة ؛ وهكذا الشأن فى الشعر . . . وبودى لو تمحى هذه الفكرة من الوجود ومعها كلمة الجمال نفسها التى اتصلت بها فى الحقيقة كل تلك المعارف الزائفة ، وأن يوضع مكانها - كما هو المعقول - كلمة الصدق Truth ، بأكمل معانى الكلمة .

ومن هذا الخطاب يتبين لنا أن اعتبار المحتوى هو مقياس الجمال أو القبح خطأ ، لأنه لا يفهم مطلقا أن يكون محتوى أبولو جميلا ومحتوى لواكون قبيحا ، ومع ذلك يعجب الناس بكلا التمثالين ويجدون فيهما متعة فنية . وإن لم يكن هذان المثالان من أبولو ولواكون يصوران الفكرة فى صدق ، لإمكان فهم محتواهما فهما آخر غير الذى فهمه الفيلسوف ، فإن الفكرة فى حد ذاتها على كل حال تهدف إلى أن الجميل والقبيح يصلحان - وقد صلحا فى المثالين - لأن يكونا مادة للعمل الفنى الممتع . وإذا ما بلغت الحيرة بالنفوس أمام هذا التناقض العجيب لم يكن هناك بأس من أن نمحو كلمة الجمال من الوجود لنزيل هذا التناقض الذى تحدثه الاصطلاحات من جهة والذى لا يعبر عن حقيقة ثابتة محدودة ، ومن جهة أخرى لنضع مكانها كلمة الصدق الذى هو جوهر الفن .

ثم يأتى هيجل . وهو يفرق بين الجمال فى الطبيعة والجمال فى الفنون بأن الأول لم يحدث بقصد التأثير الفنى

أو الجمالى . ومعنى ذلك ان العملية الفنية فى حد ذاتها تكتسب جمالها من التأثير المقصود إليه بواسطة الفنان . ومهما عبر لنا الفنان عن شئ قبيح - بمفهوم هيجل - فإنه مع ذلك لن يقدم لنا عملا قبيحا .

وهيجل يعتبر القبح شيئا نسبيا ، وتسيطر عليه تماما فكرة التطور بين الكائنات ، فإذا كانت أول صور الكائنات هى الجمادات كان جمالها أقل نسببا من صورة الكائنات التى عليها والتى تتمتع بلون من الحياة وهى النباتات ، وهذه بدورها فى جمالها أقل نسبيا من الحيوانات التى تتميز فيها الحياة صورة أوضح ، حتى إذا كانت أعلى صور الحياة هى صورة الإنسان كان الإنسان أجمل المخلوقات . فعلى مقدار ما يستمتع الكائن بالحياة يكون نصيبه من الجمال ؛ وإذا فكل الكائنات جميلة وإن كان ذلك جمالا نسبيا ، وكلها بالتالى صالحة لأن تكون مادة للعمل الفنى . ولكن متى إذا يكون الكائن قبيحا أو ما هو مفهوم القبح عند هيجل ؟ يكون الكائن قبيحا عندما تبدو لنا صفاته عكس الحيوية على وجه العموم ، أو عكس ما اعتدنا أن تعتبره صورة للوجود الحى . ولكن نعود لنكرر أن الفنان مهما عبر لنا عن شئ قبيح فإنه مع ذلك لن يقدم لنا عملا يقال إنه قبيح . وإذا كنا هنا بسبيل عرض الأفكار لا نقدها ، فإن هذا لا يمنعنا من أن نشير إلى أن الترتيب الطبيعى لدرجات الجمال بحسب الترتيب الطبيعى لدرجات الكائنات في الجمود أو الحيوية لا يكاد يستقيم مع النظرة الفنية الخالصة ، وإن استقام - عقلا - مع النظرة الطبيعية المجردة . ذلك لأننا قد نجد فى بعض الجماد من الجمال مالا نجده فى الأحياء . وكم كانت الوردة من الورود جميلة حتى لكأنها مثال الجمال ! وإذا لم تكن الوردة يمكن حسابها فى عداد الجماد فقل كم كانت الشمس أوكم كان القمر .!

عند هيجل إذا تعد مسألة الحيوية هى الفاصلة في مشكلة الجمال والقبح . ولكن هناك رأيا لا يقل أهمية عن هذا لروزنكرانز  Roscnkranz هو أنه مع اعتبارنا الصورة الناقصة أو فقدان الصحة والزيف درجتين يظهر فيهما الميل نحو القبح ، فإن القبح الحقيقى أو الصحيح لا يحصل حتى نجد صفة عدم الحرية - مع إمكان القدرة على الحرية -

معلنة - فى وضع إيجابى واضح - فى المكان الذى يجب أن يكون فى حيز الحرية .

ويسأل روزنكرانز : عندما نرى الفن ينقل القبيح مثل ما ينقل الجميل ألا يكون ذلك تناقضا عظما ؟ وإذا أجبنا بأنه ينقل إلينا القبيح فقط باعتباره شيئا جميلا ، ألا يكون نتيجة ذلك سوى وضع تناقض آخر على قمة التناقض الأول ؟ على أن ما هو قبيح لا يمكن أن يكون له وجود مستقل فى الفن . فإذا ظهر القبيح فى الفن فإنه لا يجب بالتأكيد أن يصير جميلا ، ومع ذلك فإنه يجب أن يأخذ صورة مثالية تمنحها له قوانين الجمال العامة كالتناسق والإيقاع والتناسب وقوة التعبير . وهذه المثالية لا تخفف أو تدارى القبح ولكنها على العكس تقوى الجانب الهام البارز المميز له .

وهكذا نرى أخيرا أن هربرت ريد حين لم يشترطا الجمال فى الفن إنما كان ذلك الرأى خلاصة سلسلة من النظريات فى فلسفة القبح وفلسفة الجمال تلك التى عرضناها بكل إيجاز . ولكن ما تزال لنا كلمة بشأن المشكلة نعرض فيها رأينا أيضا بكل إيجاز .

من كل ما سبق نلاحظ أن واحدا من الباحثين لم يلتفت إلى الفرق بين علاقة الفنان بالكائنات وعلاقة الأشخاص العاديين بها . فكل ما سمى قبيحا لم ندر إن كانت التسمية من وجهة نظر الفنان أم الشخص العادى . ذلك أن نظرة الفنان إلى الأشياء تختلف فى نفاذها وعمقها بحيث تتأثر بما فى أعماق الشئ أو ما هو خلف مظهره الخارجى ، عن نظر الشخص العادى الذى ألف الحكم المبنى على النظرة السطحية إلى الكائنات . والذى يحدث بالضبط - فى رأينا - أن شيئا مما اعتدنا أن نسميه قبيحا بناء على النظرة السطحية ، تقع عليه عين فنان نافذة فيحاول أن ينقله إلينا ، لا كما يظهر لنا ، بل ليبرز لنا ذلك الجانب الغائر الذى نفذ إليه فى ذلك الشئ . وغالبا ما يكون ذلك الجانب قريب المساس بعاطفة الفنان ومشاعره ، بحيث إنه حينما ينقله إلينا ينقل إلينا معه عاطفته ومشاعره . وطالما كانت العاطفة والشاعر معبرا عنها التعبير " الصادق " بمفهوم شللر السابق - كانت قريبة إلى نفوسنا محببة إليها وممتعة لها ، لأنها كشفت لها أو فسرت لها جانبا عميقا فى بعض الكائنات تفسيرا عاطفيا هو لباب الفن وجوهره . وفى ذلك يستوى ما يقال عنه فى الظاهر

جميل وغير الجميل

اشترك في نشرتنا البريدية