موسيقى الشعر عنصر فعال فى العمل الشعرى بحيث لا يمكن تقويمه دون اعتبار هذا العنصر والالتفات إليه من حيث صلته بالمعنى الذي يصوره الشاعر . يقولون إن الشاعر الفلانى قد شهر بتوليد المعانى ، وهم يقصدون الإبداع والخلق ، ولكن هذا الكائن الذى يتمخض عنه الشاعرى ، مهما أوتى من الغضاضة والبضاضة ، ومهما اكتملت فيه الأعضاء واستوت القسمات ، فسيظل هذا الكائن فى حاجة إلى تفضية الحياة والحركة التى يسبقها عنصر الموسيقى أو ينفثها فى أعضاء هذا الكائن ، وإذا بهذا العنصر الذى لا ينفصل مطلقا عن العمل الشعرى ، يلعب دورا من أخطر الأدوار فى إبراز هذا المخلوق مرحا طروبا أو عابسا كثيبا ، متصل الأنفاس أو متقطعها ، سريع الحركة أو وثيدها ، قريرا هادئ أو ثائرا فائرا ؛ فإذا كان الشاعر عابسا ساعة التوليد أو الإبداع إذا بك تلحظ هذا الكائن أو هذا الوليد قد نزل يستقبل الحياة مقطب الجبين ، وإذا كان الشاعر قد عانى الإجهاض المضنى جاء وليده معقد الخلقة مزدحم القسمات ، ويضنيك بدورك أن تستشفه وتتبينه . . وهكذا يتولى عنصر الموسيقى تحريك أعضاء الكائن أنواعا من الحركات ، وبعضها الألوان المعينة التى تمكن الناظر إلى تلك الحركات وهذه الألوان من أن يستشف الظلال النفسية التى نقلها الوليد عن أبيه ، أو الشعر عن صاحبه .
ومن هنا تتبين لنا الصلة الوثيقة بين عنصر الوسيقى فى العمل الشعرى ونفس الشاعر بكل ما يحيط بها من أجواء وما يلابسها من أحوال ، من جهة ، كما تتبين لنا ، من جهة أخرى ، قيمة هذا العنصر فى تلوين العمل الشعرى وبث الحركة فيه . ويمكن ، لمن يشاء ، أن يتخذ من هذا مبدأ عاما فى النقد ، فيمتحن العمل الشعرى أول ما يمتحنه من
جهة موسيقاه ، فإذا وجد ذلك الكائن الحى يبدو فى سن الطفولة ، وشعره أشيب ، أو يبدو شيخا هرما ومع ذلك فهو يتراقص ، أو أن يكون هذا الكائن بطبيعته حزينا كئيبا ومع ذلك يبدو مرحا . أو قل على العموم ، إذا كان هناك تنافر بين الكائن بطبيعته ) والمقصود المعنى فى أصله ( . وبين قسماته وسماته وحركاته ، أو بوضوح بين المعنى والموسيقى التى تبرزه ، فعندئذ لا يكون من الصعب عليك أن تنكسر هذا الوليد ، أو على الأقل تنكر أنه قد ولد ولادة طبيعية ثم نكون معاملتك للشعر بعد هذا على ذلك الأساس ، وهو أنه شعر لم تصدق فيه الوصلة النفسية ، وإنما كل ما قد اكتسبه من موسيقى ، فهو من تلك الموسيقى التى توحى بها الألفاظ فى حد ذاتها بعبدة عن نفس الشاعر واستعمالاته الخاصة . وعكس هذا الكلام فى جملته صحيح .
لكل كلام موسيقاه ، سواء أكان شعرا أم نثرا ، ولكن الفرق بين موسيقى الشعر ، وموسيقى الكلام ، هو فى هذه الوصلة النفسية بين الشاعر وشعره ، تلك الوصلة التى تشخصها الموسيقى تشخيصا بينا ، فإذا بنفسية الشاعر تتراءى من خلال شعره ؛ وهى وسيلة إذا أردنا الوصول إلى الشاعر نفسه وهي غاية إذا أخذنا عمله الفنى واعتبرناه وحدة .
الموسيقى أسرع سريانا فى النفوس من المعنى ، وليس أكثر تخمينا لأمل الإنسان من أن يقرا العبارة التى بدأت فيها الموسيقى بلون معين له فى نفس القارئ مدى يحسه ولا يجدده ، فإذا بهذا اللون من الموسيقى ينقطع به دون الذى ، فيحس يتوقف وهبوط يفسدان عليه المعنى ، أو على الأقل يقلقانه ، ويحدثان فى نفسه الضيق . ومن هنا وجب على الشاعر أن يعطينا مقادير متساوية من الدفعات المعنوية والموسيقية ، بحيث يظهر الكائن كله موفور الحركة نابض
العرق ، لا أن يظهر ذلك فى أجزاء دون أجزاء . . وعلى ذلك نستطيع أن نقول إن القصيدة بما هى مفهومة عليه من أنها وحدة عضوية متاسكة تتمتع بما يتمتع به الكائن الحى من حياة وحركة ، كذلك يمكن أن يقال إن كل قصيدة مقطوعة موسيقية ، وذلك عندما ينسجم ) إيقاعها الموسيقى ومعناها فى عمومه وجزئياته .
وليس وضع المقايبس الثابتة ثبوت الأوزان العروضية لقياس هذا الإيقاع للوسيقى وربط كل غرض من الأغراض الشعرية بنمط أو أنماط منه مختلفة يحاسب الشاعر إذا أحدث بها أدنى تلف كما تصنع عندما يختل الوزن العروضى فى يده - ليس هذا مما يستطاع ، وليس أيضا مما نرغب فيه ؛ فهو غير مستطاع لأن اهتزازات النفوس بعاطفة واحدة - خذ الحزن مثلا - يتصور عند كل نفس بصورة تخالف النفس الأخرى ، بل ويتصور فى النفس الواحدة صورا تختلف باختلاف مقدار هذا الحزن وباختلاف الظروف الملابسة ، ولا نستطيع أن نضع نحن الإطار الذى تحتم على الشاعر أن يبرز لنا صورة عاطفة الحزن عنده على أي نحو كانت فى هذا الإطار بعينه . ونحن بهذا ) إنما نترك للشاعر الحرية الكاملة فى أن يضع الإطار ويرسم الصورة التى تملأ فراغه . ولسنا نرغب فى أن نضع هذه المقاييس لأن المقاييس الثابتة دائما تكون سببا كافيا لبث روح الجمود كما هو الحال بالنسبة للأوزان العروضية . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإننا نريد أن نرى ما يصنع الشاعر نفسه دائما ، ولسنا نرغب منه فى أن يصنع ما نريد ،
وعلى هذا فأنا أعرض فما يلى صورا شعرية موسيقية لم تتحرر من الوزن العروضى ، ولكننا نستطيع أن تتبين بواسطتها ما سبق أن بسطاء فى مشكلة موسيقى الشعر .
هذه أبيات من قصيدة لعبدالله بن قيس الرقيات يتوجع فيها لمقتل نفر من إخوانه فى الحرة :
ذهب الصبا وتركت غيمته
ورأى الغوانى شيب لعنته
وهجرتنى وهجرتهن وقد
عنت كرائها يطفن به
إذ لعشقى سوداء ليس بها
وضح ولم افجع بإخوتيه
الحاملين لواء قومهم
والذائدين وراء عورتيه
إن الحوادث بالمدينة قد
أوجعنى وفرعن مروتيه
وجبتنى جب السنام قلم
يتركن ريشا فى مناكبيه
كيف الرقاد وكلما هجمت
عيني ألم خيال إخوتيه
تبكى لهم أسماء معولة
وتقول ليلى وا رزيتية
إلى آخر هذه النغمة الحزينة . وليس هناك داع لضبط الأشياء المادية التى أبجحت هذه القطعة فى إعطاء هذا اللون الحزين من الموسيقى . قد يبدو لنا هذا لأول وهلة من هذه الحاء الصامتة فى اخر كل بيت ، وقد يكون صحيحا أن الهاء الصامتة إذا استخدمت حرف روى فإنها تصور تقطع الأنفاس عندما يتكلم المحزون شديد الحزن المتوجع كل التوجع ؛ ولكن هذا التحديد غير صحيح ، لان الشاعر نفسه قد استخدم هذه الهاء الصامنة ولكن فى قصيدة قالها فى اللهو والعبث ، واتسمت بسمة الخفة . يقول :
بكرت على عوادلى يلحنين واتو مهنه
ويقان شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنه
إن العواذل لمتنى كما أطيع أمور عنه
ولقد عصيت الناعبا ت الناشرات جيوبهنه
حتى ارعويت إلى الرشا د وما ارعويت لنههنه
ففرق بين النغمة فى هذه الآبيات وبينها فى الآبيات السابقة . هذا ما يمكن تقريره بكل سهولة ؛ فالحزن يشيع فى تلك الصورة والعبث يشيع فى هذه . ونستطيع أيضا أن تتكلم عن مقدار الحزن ومقدار اللهو ، فنقول : إن
الشاعر لم يوفق أبعد التوفيق فى الملامصقة بين كل صورة وموسيقاها ، ولكنه قد وفق على العموم فى أن يشيع فى إحدى الصورتين الحزن وفى الآخرى العبث وإن كان ذلك بقدر .
وهذه نغمة أخرى من شعر أحمد شوقى يرثى الأميرة فاطمة إسماعيل :
حلفت بالمستره والروضه المعطره
ومجلس الزهراء فى الحظائر المنوره
مراقد السلالة الطبية المطهره
ما انزلوا إلى الثرى بالأمس إلا نسيره
سيروا بها تقية نقية مبرره
نجل ستر نعشها كالكسوة المسيرة
وتنشق الجنة من أعواده النضرة
وأظنك أيها القارئ الكريم تعجب لهذه الصورة المرحة برياضها العطرة ومجالسها الزهراء ، كيف يمكن أن يكون هذا النغم مصدره ، الحزن وهو لا يشبع الحزن ، وكيف يمكن أن يكون هذا الشعر فى الرثاء صادقا وهو مرح ، إذا استطعت أن تتخيل له صورة مادية فأقرب صورة له - كما يتراءى لى - هى صورة القتيات يقفزن على حبالهن فى الروض متتابعات . وأنا معك أيها القارئ فيما تعجب منه ، ولكننى أريدك على ألا يتطرق إليك أن الذى باعد بين المعنى والصورة الموسيقية هو اختيار الشاعر لهذا البحر القصير ، فإن هذا لن يكون مطلقا هو السبب الصحيح إذا عرفت أن الشاعر نفسه قد كتب تعزية فى بحر قصير أيضا ، ولكنه نجح هناك إلى حد ما فى أن يجعل الصورة الموسيقية موائمة للسمع منسجمة معه . وذلك فى القصيدة التى عزى بها الدكتور هيكل فى فقد وحيده :
الضلوع تنقد والدموع تطرد
أيها الشجى أفق من عناء ما تجسد
قد جرت لغسابتها عبرة لها أمد
كل مسرف جزعاً أو بكا سيقتصد
ولا أرعى أنه قد وفق تمام التوفيق فى الملائمة بين الفرض والموسيقى ، ولكن الذى لا مانع من تقريره هو أنه
لا يطالعنا التنافر الشديد بين الغرض والمعنى مثلما طالعنا فى الآيات السابقة .
وكما يتبين لنا التوفيق أو عدم التوفيق فى الصورة التى تنتظم عدة أبيات ؛ فكذلك يتبين لنا هذا فى الصور الجزئية . والواقع أن نجاح الشاعر فى الصورة العامة يتوقف على نجاحه هنا . وهذا شوقى أيضا يعطينا مثالا واضحا على الإخفاق فى الصورة الحزئية فى قصيدته التى يرنى بها عبد الخالق ثروت إذ يقول :
ونفحة من قوافى الشعر كنت لها
فى مجلس الراح والريحان تحتشد
أرسلتها وبعثت الدمع بكتفها
كما تحدر حول السنو تن البرد
لعلك أيها القارئ قد قطنت إلى هذه " السوسنة " التى فى البيت الثانى وهذه " البرودة " والواقع أن الإنسان يحجب فى نفسه كيف انفلت الرسالة الباكية المحفوفة بالدوع إلى سوسنة عفها برد ؛ ودعنا من مجلس الراح والريحان والنفحات فى البيت الأول :
وهذه سورة عابسة لا أشك فى أن الشاعر قد رسمها وهو في حالة من النقمة الشديدة والنكد القائم والخبرة الحائرة . يقول أحمد محمور مرسى فى ديوانه " أغانى المحاريب " تحت عنوان " غروب " :
وخسيم الليل وعربد الكيل
وأعول المجهود
ياعش أحلامى زفتك أنغامى
منكود يا منكود
سر ما أنا سار ف الزفت والقار
والمجهل المجرود
وحدى أنا وحدى طيان من زهدى
فى الشاطئ المحدود
وهى صورة قد وفق فيها عنصر الموسيقى إلى حد بعيد ، وديوان هذا الشاعر يمتاز كله بانسجام الصور الموسيقية فيه مع الصور العضوية والوجدانات النفيسة . وفى الصورة السابقة
تلحظ نوعا من التلوين الصوتى فى هذه القوافى المتعددة ؛ ولعل ذلك ما اقتضنه اللامعة بين هذه النقطيات النفسية وبين هذه الصورة الموسيقية . وهذا مثال واضح - وهو لحسن الحظ من الشعر القديم - على أن القافية بدورها من المعوقات التى تلتزمها دون مبرر . قال الشاعر :
ألا هل ثرى إن لم تكن أم مالك
يملك يدى أن الكفاء قليل
رأى من رفيقيه جفاء وغلظة
إذا قام يناع القساوس ذميم
فقال أقلا واتركا الرحل إننى
بمهلكة والعاقبات تدور
فبيناء بشرى رحله قال قائل
لمن جمل رخو الملاط تجيب
يقرأ الإنسان هذه الآبيات فلا يجد لهذا التنويع فى القافية أثرا سلبيا كما يمكن أن يتوقع ، بل يحس عندئذ بنوع من الارتياح لا يحس به عندما يقرأ تلك الطولات القافية أو العينية مثلا . وإذا نحن قرأنا قول عمر بن أبي ربيعة :
ما على الأرض من أحب سواكم
من جميع النساء قالت فهلا
قلت لما دخلت هذا ولكن
غاب لما دخلت هذا وضلا
رأينا بوضوح كيف اتصل منه البيتان اتصالا وثيقا بحيث إن قراءتهما منفصلين فسدهما جميعا . ولست أدرى كيف أستطيع أن أمثل القراءة الصحيحة بالكتابة ، ولكن أحسب أن الكتابة ، وأى أسلوب من أساليب الإفهام لن يكون محددا فى تفهم التقطيعات الصوتية حيث لا تقطيع فى الوزن ، والاتصالات الصوتية حيث لا اتصال فى القافية ولكننى على العموم أفرأ البيتين هكذا :
ما على الأرض من أحب سواكم من جميع النساء !
قالت فهلا قلت - لما دخلت - هذا
. ولكن غاب - لما دخلت - هذا وضلا !
ولعل هذه القراءة - للشعر الموزون المنفى - تقرب من نفوسنا قراءة الشعر غير الموزون أو المنفى . فما الفرق
بين هذين البيتين - على القراءة الثانية - وبين قول آخر من قصيدة بعنوان " قلى ا " :
ذلك المسكين . . قلبى
هو المحزون . . يحيا بلا أمل
خففى يا حياة من وطأتك على قلبى
وارحميه بإ حياة . . ذلك المسكين
وأخيرا مجال الشعر واسع ، وإنما أردنا أن نسوق هنا مجرد الأمثلة على ما سبق أن قلنا من كلام نظرى ، وعلى القارئ المتذوق للشعر أن يلتمس فيما يطالع نماذج يستبين خلال تناوله لها مقدار ما يمكن أن يكون لنظرتنا فى موسيقى الشعر من صدق .

