الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 620الرجوع إلى "الثقافة"

فى النقد الادبي, في النقد الأدبي

Share

بين يديكم ايها البدائيون في النقد اضع هذا المقال

هذا أبو أمامة زياد ، نابغة ذبيان وشاعر النعمان مطمئن في مكانه من عكاظ ، وما على الشعراء من كل صوب وفج إلا أن يتوافدوا عليه ، ويقف كل واحد منهم بباب قبته لينشد بين يديه الفرائد العزاز من القصائد ، وما بنفسه غير أمل واحد هو أن يحكم له " النابغة " بالشاعرية المتفوقة ليكون بين الأبداد رفيعا فردا لا يوافقه في سلطانه قرين . . وإنه لفي مجلسه القضائي ذاك إذ يأتيه أبو بصير الأعشي " فما يسمع منه حتى يحكم ، بالألمعية والأسبقية ؛ ثم يترادف من بعده فرسان الشعر ومن بينهم " أبو الوليد حسان الأنصاري حتى تتاح للقابلة لأخت صخر " الخنساء فتلقي على مسمعيه من فرائد بالرثاء قصيدتها المشهورة :

قذي بعينيك أم بالعين عوار

أم ذرفت إذ خلت من أهلها الدار

والتي من روائعها :

وإن صخرا لكافينا وسيدنا

وان صخرا إذا نشتوا لنحار

اغر ابلج تأتم الهداة به

كأن علم في رأسه ثار

فلا يملك حكم " عكاظ " نفسه من أن يقول : " لولا أن أبا بصير أنشدني قبلك لقلت إنك اشعر من بالسوق " . ويسمع ذلك حسان فيغضب ويثور ، ويقول للنابغة : " أنا أشعر منها ومنك ومن أبيك ١ " . فيرد عليه ؛ " حيث تقول ماذا ؟ " فيقول : حيث أقول :

لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحي

وأسيافنا يقطرن من مجدة دما

عند ذلك قال أبو أمامة له : " إنك شاعر ، ولكنك أقللت جفنانك وسيوفك وقلت : " يلمعن بالضحي " ، ولو قلت يبرقن بالدجي " لكان أبلغ في المديح ، لأن الطيف في الليل أكثر . وقلت : " يقطرن من نجدة دما " ولو قلت : " يجرين " لكان أكثر لانصباب الدم ، ولن تستطيع أن تقول :

فإنك كالليل الذي هو مدركي

وإن خلت أن المتأي عنك واسع

وإلي هنا تنتهي القصة في سلام ، فلا نجد من نفس قارئها إلا كل إعجاب وتقدير ، لأنه أمام حكومة عادلة ، ونقد نزيه . يعارض الشاعر في الحكم زيادا عن مكانته ، فيمسك الناقد البارع بيده ليضعها على الأسرار الفنية التي على هديها قضي ، وهو هادئ لا يغضب ، ثابت لا يثور .

إن النقد الصادق إذا كان دل علي وعي كامل ، ونضج تام ، وهو في دنيا الأدب علامة صادقة على فن رفيع مزدهر أصله ثابت وفرعه في السماء ، يؤتى أكله كل حين ، وإنه لمن المسلم به أن يقال إنه في كيان الأدب كالنبض في قلب الإنسان . دلالة على الحيوية والوجود ، ولا يستطيع الباحث المنقب أن يحدد الدرجات الدقيقة للتطور الفكري إذا لم يرصد على رأسي مراجعة أبحاث النقد في الأطوار المتتابعة .

ومهمة الناقد بين جمهوره كمهمة الرسول بين قومه ، كلاهما في حدود رسالته يقوم المعوج وينير السبيل ، ويحدد الهدف ؛ لذلك فالعب شاق عسير محتاج إلى الدقة في البحث ، إلى جانب الحكمة في القول ، وهدوء الطبع ، وقوة الحجة . هذي هي الدعائم الأولى في شخصية الناقد . وإهمال واحدة يذهب بعدالتها ، ويسقط هيبتها .

قد يقال : " ولكل ذوق خطة ، ولكل رأي طريقة " . وذلك بدعي لا يقرب منه ريب . ولكن اختلاف الذوق والرأي لا يكون في زمن ما ذريعة يحتمى بها لتحكيم العاطفة على غير سداد ، وطغيان الأهواء بلا ضابط من روية او اناة . فذلك من غير شك مسلك شائك كريه . يرفضه الضمير الأدبي الحر ، ويلقي به تحت مواطئ الأقدام . وإنما المتفق عليه أن يكون معراجا لأفاق جديدة فيها الخير والنور . ) البقية على صفحة 30

) بقية المنشور على صفحة ٢٠ (

ولتسمع إلى " قدامة بن جعفر " إذ يقول : " وأما الجدل والمجادلة فهما قول يقصد به إقامة الحجة فيما اختلف فيه اعتقاد المتجادلين . ويستعمل في المذاهب ، والديانات ، وفي الحقوق ، والخصومات ، والتنصل في الاعتذارات ، ويدخل في الشعر والنثر . وهو ينقسم إلى قسمين : أحدها محمود والآخر مذموم ، فأما المحمود فهو الذي يقصد به الحق ويستعمل به الصدق ؟ وأما المذموم فما أريد به الممارأة والغلبة ، وطلب به الرياء والسمعة .

ولا يغيبن عن الفطنة أن الزعم بالتجديد لا يزيد عن فقاعات من زبد تنسفها حركة يسيرة تبدر في محيط الوعي الأدنى العميق ، مادام هذا الزعم عاريا من الحجة ، فائما على الزيف . وأعتقد أن أصدق مثل يلوح كالعلم كلما بدت ظاهرة من تلك الظواهر ، هو ماقصه الله سبحانه عن موقف المعاندين العاجزين أمام القرآن القوي حين قال : " وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون " .

ليس النقد الأدبي متعة عارضة يتلهي بها ، وإنما هو رسالة تطوق بها الأعناق ، ويحاسب حاملها على كل صغيرة وكبيرة مما ابتكرته عقليته ليري هل يتحري الحق في منهجه . أو أنه يحكم نفسه وهواه ؛ وما علي من يرشح نفسه لتلك الرسالة الكبرى إلا أن يأتي بقلمه فينظر إليه مدققا ليدرك مدى مستطاعه فيها ، وليسال ضميره : هل في طاقته تقدير الإنتاج الفكري من جميع نواحيه ، وهل أوتي قوة الحزم بحكم فصل له تخضع الجباه وتعنو الآراء ؛ وهل أعطي قوة الححة وحكمة الأسلوب حتى يثبت المراجعة والمجادلة ؟ . فإن كان الإيجاب عقب كل سؤال فليطمئن وليقدم غير هياب ولا ، وجل وسيجد أمامه التقدير والاحترام .

وبعد ، فتلك كلمة حق لا يقصد بها كاتب بعينه ، وإلا كانت عبثا ، وإنما يرمى بها إلى غاية أبعد مدى ، وأنبل مقصدا ، وهي حفظ القلم الذي أقسم به الله في كتابه ، عن الهبوط إلى مستوي لا يليق بالكرامة والأمانة

طنطا

اشترك في نشرتنا البريدية