الأصل في ركن من أركان " كارزينو " رأس البر ، جلست وحدي ومي كتابي ، لعلي أسأم فأفرا . وراس البر لم تزدحم بعد بالمصيفين ، فينعم فيها مثلي بعيش هادي واستجمام مريح . جلست أحملق للبحر بعد غيبة عنه طويلة ، فإني لم أره منذ شهور ، مع حي له وشوقي إليه وكرهت أن أفتح الكتاب ، فالبحر نفسه كتاب مفتوح ، وهو كتاب حي وما في يدي كتاب ميت ؛ يوحي بأفكار مبتكرة ، وكتابي بوحي بأفكار تقليدية
هذا هو البحر الذي لا تغني عجائبه ولا العجب منه ؛ لم تنل الأيام من جماله ولا جلاله ، كانا خرج من حكم الزمان وعز على أفاعيله ؛ وقفت على شواطئه الأجيال ، ثم طواهم الدهر جيلا بعد جيل ، ولم يستطع أن يمسه هو بسوء ؛ في شباب دائم ونشاط دائب ، لم يلحقه يوما عجز المشيب ولا وهن الكبر ؛ راحة المكدود ، ومتعة النفس ، وسلوة العاشق ، وحيرة العالم ، وأنس الفيلسوف ، وبسمة الغواني ، ودمعة المتصوف .
شيئان أشعر معهما - دائما - بضعة الإنسان وحقارته ، ويملؤني العجب من قلة عقله في براعه وحيله ومراوغته ، وذله واستعلائه ، وشغله الدانم بما لا طائل تحته : مطالعة السماء ونجومها بالليل ، ومطالعة البحر وأمواجه وعظمته بالنهار .
ما الإنسان الوضيع أمام هذا البحر الجليل ، وما دنياه كلها بما يعتورها من هم وقلق ، وغم ونكد ، ونزاع وخصام ، وما شئت من أشكال وألوان إلا كموجة واحدة من أمواج هذا البحر تجري لمستقر لها ، فإذا وصلت إلي الشاطئ تلاشت كأن لم تكن ، وظل البحر في جماله وجلاله كأن لم ينقصه شئ .
قطع علي غزلي في البحر صوت جدل يقرب مني شيئاً فشيئاً حتي يكون بجانني .
رجلان كهلان مثقفان كما يظهر من حديثهما ، سلما وإن لم أعرفهما ، لأن المصيفين إذا قلوا عدوا أنفسهم جميعاً أسرة واحدة ، وجلسا علي مائدة بجواري على البحر يتممان حوارهما .
لم أفهم بادئ الأمر كلامهما ، لأني لم أعرف " علم الحديث " كما يعبر الإفرنج ، ثم بدأت أفهم ، فقد انتقلا إلى موضوع جديد ، إذ سأل أحدهما الآخر :
- أتستطيع أن تخبرني بحق لماذا أنت عائش ؟ سؤال بهرني ، ولو سئلته ما عرفت له جوابا .
ب - أصدقك أني عائش لأسرتي ، فلهم أسعي وأكد ، ومن أجلهم أتحمل عناء الوظيفة وملق الرؤساء ومخالفة الضمير ، وأمل " الدرجة " ؛ أصيف تبعاً لهم وأشتى تبعاً لهم ، وأحب ما يحبون وأ كره ما يكرهون ؟ وأجتهد أن أرقيهم إلي أقصي ما أستطيع جسما وعقلا وخلقا ، وبذلك كانت أسرتي محور أغراضي وأساس اتجاهاتي ، وشاغلة ذهني ، ومالقة فكري .
أ - إنك بهذا لم تخرج عن أن تكون " أنانيا " من شكل آخر ، كالذي يعيش لنفسه ويجعل غرضه شخصه ، فأنت تجعل غرضك أسرتك لنفسك ، تعني بها لأنها ملك لك ، كما تعنى ببيتك الذي تملكه ومزرعتك التي تستغلها ؛ فأنت تربي أطفالك لأنك في أعماق نفسك تري أن تربيتك لهم دين عليهم في مستقبل حياتهم ، يوم يأخذ الكبر منك مأخذه ، فتحتاج إلي معونتهم مادياً أو معنوياً ، ويحملون عبئك بعد ما حملت عبئهم .
ب - ما أظن هذا صحيحاً ، فليست هذه أنانية مطلقاً ، فأنا أرقي الأمة عن طريق ترقيتي أسرتي ؛ أليست الأمة مجموعة من الأسر ، فإذا عني كل رب أسرة عنايتي كان لنا من ذلك أمة راقية في أبنائها وبناتـها وحياتها
الاجتماعية والاقتصادية ، وأملى في تربيتي أن أجعل أبنائي خيراً مني ، وبناتي خيراً من أمهن ، بل آمل أكثر من هذا أن أجعل من أبنائي قادة في بعض نواحي الحياة الاجتماعية ؛ وماذا تفعل الأمة الراقية أكثر مما أفعل ، فهي ترقي أسرتها لترقي أمتها ، فإن عددت هذا أنانية فهي أنانية راقية جدا تتحد بالغيرية .
أ - إن كان كذلك فلم تعني بأولادك ولا تعني بأولاد غيرك ، وقد يكون فيهم من هم أنجب من أولادك ، وأحسن استعداداً وأقوي خلقاً وأكثر قابلية لأن يكونوا قادة ؟ أليس هذا برهان الأنانية ؟ !
ب - غريب هذا ، أتريد أن تجردني من أنانيتي , ولو جردت منها ما كنت " أنا " " أنا " ، وليس هناك مذهب من مذاهب الأخلاق يريد أن يمحو الأنانية بتاتا ، وكل ما يدعو إليه أرقاها أن يؤلف بينها وبين الغيرية ؛ فلو عنيت بأبناء غيري وأهملت أبنائي لما كانت هناك حرارة البواعت الغريزية التي تدعونا بطبعها للعناية بأبنائنا ، فلو ربي غيري أبنائي وربيت أبناء غيري لفسد الجميع .
أ - ولكن هب كل هذا صحيحا ، أيصح أن تكون عنايتك بأسرتك كل غرضك في الحياة ؟ إن تركيز مخك كله في أسرتك يحرمك من الاستمتاع بأفق أوسع ومثل أعلى ؛ بل إن هذا التركيز ضار بأسرتك نفسها ، فكثرة العناية بها والإفراط في الشعور بالمسئولية عنها يعود الأسرة كلها رمي حملها عليك : فلا الأم تشاركك في حمل العبء ، ولا الأبناء يتعودون الشعور بالمسئولية ، لأنهم يجدون كل شئ محمولا عليك ، فينشئون مدللين غير صالحين لأنفسهم ولا للحياة - ألا تعرف فلانا وأسرته ؟ كان ينبه أولاده في الصباح ويشرف على إفطارهم ، ويراهم إذا لبسوا ، ويرسلهم مع الخدم إلي المدارس ، وإذا تأخر في عمله تحدث في التليفون عن عودتهم وصحتهم ، وإذا ارتفعت حرارة أحدهم ربع درجة دعا له أمهر الأطباء ،
ودعته الشفقة أن يجيب لهم كل مطلب ، وإذا وجد أحد أبنائه ضعيفاً في مادة أتي له بالمدرسين الخصوصيين ، وحمل كل عبء عن كل ولد ، وحرم نفسه من كل لذة ليمتعهم بكل لذة ، فماذا كانت النتيجة ؟ خرجوا مائعين لا يصلحون للحياة ، ناعمين لا يتحملون خشونة الحياة ، ففقد بذلك نفسه وفقد أولاده ، وفقدتهم الأمة جميعاً - إن تركيز كل هم الإنسان في الأسرة ضار بها كضرر التخلي عنها وعدم الشعور بمسئوليتها . إن الأسرة تصلح أن تكون غرضاً من أغراض الحياة لا كل غرض ، وليست - فيما أري - تصلح لأن تكون إجابة عن سؤالي : لماذا أنت عائش ؟
ب - جاءنا مرة في امتحان الشهادة الابتدائية في اللغة العربية بيت ظريف وهو :
إن على سائلنا أن نسأله
والعبء ، لا تعرفه أو تحمله
فقل لي أنت - بدورك - لماذا أنت عائش ؟
أ- لقد شغل هذا السؤال تفكيري طويلا ، وقلبت الأمر على وجوهه ، وأجبت كل إجابة وناقشتها ، فقلت أولا - أعيش لنفسي ، فوجدتني إذ ذاك كأخس حيوان ، ووجدتني أعيش في أضيق أفق ؟ ثم قلت : أعيش لأسرتي ، فكان من الاعتراض عليه ما رأيت ، ثم بحثت أن أعيش لوطني ولديني ؛ وأخيراً وطنت نفسى أن أجعل أملى أن أكون مصدراً للخير العام حيث كان ، فأكون كالشمس تلقي أشعتها على كل كائن فقير أو غني ، مؤمن أو كافر ، مواطن أو غير مواطن ؛ رأيت الباعث على العمل إن كان شخصياً في أي شكل من أشكاله يبعث على التفرق والخصومة ، ورأيت الباعث إن كان عالمياً عاما التهم الخصومة وأوجد السلام - لقد حاولت أن أبعث هذا الباعث في نفسي ، فنجحت أحياناً وفشلت أحيانًا ، ولكني دائماً أحلل أسباب الفشل وأحاول أن أتقيها ، وقد رأيتني بذلك أتحرر شيئاً فشيئاً من الحقد والبغض ، والحسد والطمع ،
ونحو ذلك ، مما يتعب الناس بلا فائدة ؛ بل رأيتني عندما كنت أحيا للباعث الشخصي كنت أخاف الموت خوفا شديداً ، وأتألم أشد الألم للكوارث المالية أو النفسية ، فلما سموت بباعتي خف خوفي من الموت ومن الكوارث ، وأحسست التحرر من هذه الآلام إلي حد بعيد ، وشعرت بجمود العاطفة نحو المسائل الشخصية ، وحرارة العاطفة نحو المسائل العامة - لقد أصبح يهمني أولاد جاري ، ويهمني فلاحي في مزرعتي ، لا لأنهم في مزرعتي ، بل لأنهم هم الذين أستطيع نفعهم ؛ بل إني لآلم من بؤس الفلاحين عامة ، وأود أن أستطيع نفعهم ، ولو كان بيدي ميزانية الدولة لجعلت ثلاثة أرباعها للفلاحين وربعها للمدن ؛ ويسرني نجاة مصر من كوارث الحرب بقدر ما يؤملني كوارث الحرب لأي صنف ؛ وأحب أن يكون لي مال لأنفع به الناس ، وجاه لأستغله في خيرهم ، وشهرة لأستخدمها في منافعهم ؛ فإذا لم يكن من ذلك شئ فعلت ما أستطيع على قدر ما في يدي .
ب - ولكن ألا تري معي أن سعة الباعث يضعف من قوته ؟ فمثلك -إذاً- مثل من رمي زنبيل سكر في النيل ، فلا هو احتفظ بسكره ولا هو أحلى النيل ! إنك إذا ركزت همتك في أسرتك ، وجارك فعل مثل فعلك ، كان لنا من ذلك أسر راقية ؛ ولكن لو كلف عشرة آباء العناية بعشر أسر من غير تخصيص ما وصلت هذه الأسر العشر من الرقي إلي الحالة التي يعني فيها كل عائل بأسرته وحده .
أ - مثلك صحيح ، ولكن علته غير صحيحة ، فحال الأسر هو كما ذكرت ، ولكن لا لسبب كمية الحب ، وضيق الباعث ، إن السبب في صحة مثلك هو أن حياة الأسر أساسها الخصوصية ، ولهذا كان لا بد أن تختص ببيت ، وتعيش عيشة فيها معني الستر ، ومعنى الملكية ، ومعنى الاستقلال ، فإذا انساحت عشر أسر تحث إشراف
عشرة أرباب زالت كل هذه المعاني ، ولم تعد الأسرة أسرة ، أما الحب وقدرة الإنسان عليه فليس كمية محدودة بحدود الأشياء المادية - هو ليس ككمية من السكر ، ولا كمية من المال ، لا تتسع إلا لشيء محدود - قارن بين أم لها ولدان وأم لها عشرة أولاد ، أتظن أن الأم ذات العشرة تحب ابنها خمُس حب ذات الأثنين فقط ؟ هذا ليس بصحيح ، إن قلب الإنسان مصدر العجائب ، فهو إذا ربي على الحب الواسع وسع كل شئ ؛ إنه إذا روح عليه اشتعل وأضاء ضوءاً قويًا زالت معه كل ظلمة ، وانكسف له كل ضوء خافت - إنها التربية ، هي التي تحد حبنا في شخصنا أو أسرتنا أو بيئتنا ، فإذا هدمت هذه وحل محلها تربية واسعة الأفق أحببنا حباً لا حدود له . وإنك لتعجب إذ تري الإنسان مع هذا الحب الواسع لم يفقد شيئاً من حبه الجزئي ، فهو يحب شخصه ، ويحب أسرته ، ويحب أمته ، ويحب دينه ؛ ولكن حبه الواسع يلون كل حب جزئي بلون خاص لطيف يتفق وسعة أفقه ، وامتداد نظره ، وفيضان حبه .
ونظر " ب " في ساعته ، وشكا الجو ، ولم أدر أ كان هذا فراراً من استمرار الحوار ، أم صدقا في الشعور بالبرودة .
وسلما وودعا ، وقد استمتعت منهما - على الجوار - بحديث طريف . وودعت البحر حامداً له وحيه وضيفه .
