كانت رحلتنا هذه المرة إلى " الأهرام " في ليلة اكتمل فيها البدر ، فصبغ العالم بلونه الزاهي الجميل ، وامتلأ الوادي بفيضان النيل ، فكان في ضوء القمر فضة مذابة ، ورق النسيم وراق الجو ، فكان كل ذلك متعة النفس وجلاء القلب .
وكنا أربعة خامسنا عالمنا ، قد تخصص في علم النفس ودرسه في مصر وفي أوربا ، وفي المدارس النظرية والمدارس العملية ، وشغف به حتى شغله عن كل شئ ؛ فهو قليل الكلام إلا إذا عرض شئ نفساني ، فهو يتدفق ويتدفق ، وإذا تحدثنا في شخصية من الشخصيات السياسية أو المالية او العلمية ، اخذ يحللها نفسيا ، ويرجع مظاهرها إلي عناصرها الأولى ، كما نحلل نحن عددا حسابيا كبيرا إلى عوامله الأولية . وإذا روينا حادثة اجتماعية حدثت ، أخذ يشرحها وينظر في أعماقها و دقائقها ، كأن هذا العلم وضع على عينه " مكرسكوبا " دقيقا.
قال له أحدنا : يا دكتور ، هل لك في هذا الجو الهادئ الجميل أن تحللنا ، وتشرح لنا نفوسنا ، وتسلط علينا علمك ومكرسكوبك ، وتقرأ لنا نفوسنا كما يقرأ عالم الكف أكفنا ، فهذا درس عملي لذيذ ، وفرصة سانحة تكشف لنا كثيرا من نفوسنا ، وقد تفيدنا في أخلاقنا
الدكتور - لا شك أن هذا عمل لذيذ مفيد ، وحقيقة إنها لفرصة سانحة ، فقد كنتم أصدقائي منذ صباي ، واطلعت على نفوسكم وتصرفاتكم في المواقف المختلفة ، واختزلت منها الشئ الكثير في ذاكرتي ، مما يسهل لي الحكم عليكم ؛ ولكني أخشي أن أغضبكم أو أغضب بعضكم ، فكشف النفس أمر لا يستحب ككشف الجسم ، وقد يحسن أن يكون ذلك حديثا منفردا مع كل منكم ، حتى لا يطلع عليه الآخرون فيألم لذلك ؛ والناس جميعا في كل مكان يودون أن يظهروا
بمظهر الكمال ، وتعرية نفوسهم كشف لعوراتهم ، والناس في مصر أشد حساسية في ذلك ، فهم يكرهون النقد . ويكرهون الناقد أكثر من غيرهم ، ولذلك ضعف النقد ، وركن الناقد إلى السلامة ، سواء في ذلك النقد السياسي والأدبى والاجتماعي . ولما عدت إلي مصر من أوربا أدركت هذا المعنى في وضوح ؛ فقد بدأت أنقد في مصر كما كنت أنقد في أوربا ، فصدمت صدمة قوية عنيفة جعلتني أتردد في النقد ؛ ولا أدري سبب ما رأيت من تأخر النقد . فقد كان النقاد في مصر أقدر وأجرأ منهم اليوم ، ولا يصح تعليل ذلك بالحرب وإعلان الأحكام العرفية ، فإن هذا إذا صدق في السياسة لم يصدق في الأدب والفن ، وحتي قبيل الحرب لم نكن في هذا الباب خيرا منا الآن .
(١) - كيف لا تدري السبب - يا دكتور - وأنت متخصص في علم النفس الفردي والاجتماعي ، ولا شك أنك صادفت مثل هذه الأعراض وحللتها وشرحتها .
الدكتور - ليس الأمر أمام العالم بهذه السهولة ، فعالم النفوس من أعقد العوالم وأدقها ، وفي كثير من الأحيان كانت تعرض علينا حالات فردية كنا نحار في تفسيرها - أنا ومن يعمل معي من أساتذتي وزملائي ونذهب فيها كل مذهب ؛ وأخيرا نقرر عجزنا عن حلها ، هذا في حالة نفسية فردية ، فكيف في حالة اجتماعية ولكن - على العموم - يخيل إلي ان سبب ضعف النقد في مصر وغضب المنقودين يرجع إلي أن رقي الثقافة العامة في أوربا جعلتهم يدركون أن كل فرد له مزاياه وعيوبه ، فإذا كشفت عيوب شخص فلا بأس ، فهذا أمر طبيعى ، ثم نشر الروح الرياضي في الأمم جعلتهم في ألعابهم يتلقون الضربات في سماحة ، ويتلقون النقد في سماحة مثلها ؛ ثم إن معدل " مركب النقص " في مصر أكبر منه في أوربا ، ولذلك كان النقد يزيد في المنقود هنا شعورا بهذا النقص ، فيغضب ويتألم ، ألا ترى أن
الرجل الواثق بنفسه لا يؤلمه النقد كما يؤلم من فقد الثقة بنفسه ، وهكذا ؟
"١ "- لكن هذا يا دكتور يصح أن يكون سببا في ضعف النقد في مصر عنه في أوربا ، ولكن لا يعلل ضعف النقد في مصر عنه في مصر ايضا منذ سنوات . الدكتور - هذا صحيح ، وفي ظني أن هذا يرجع إلي أسباب اجتماعية وتاريخية أكثر منه إلي أسباب نفسية ، وإن كانت هذه الأمور مرتبطة ببعضها ارتباطا كبيرا ، فغلبة الرجعية ، وعدم استجابة جمهور الأمة لدعاة التجديد ، وغير ذلك من أسباب ليس هنا موضعها ، كانت سببا في ذلك .
"١ "- قد خرجنا عن موضوعنا بعض الشئ ، فحلل نفوسنا ، ولك علينا عهد الا نغضب ، وانت من جانبك لا تتعمق في مشرطك ، ولا تبالغ في جرحك ، واستعمل الإيحاء أحيانا ، والكناية أحيانا ، ففي ذلك كفاية .
"ح" - أما أنا فأنصحك أن تقول كل شئ عني في صراحة من غير تلميح ؟ فإن انت مدحتني وهديت إلى محاسني ومزاياى كان علمك صحيحا وكلامك صحيحا ، وإن ذممتني ونقدتي كان علمك سخيفا وكلامك سخيفا ؛ وأنا راض في الحالين ، فالحكم عليك لا علي .
ضحك الجميع
الدكتور - وليكن ، ولكن اسمحوا لي أن أتكلم كلاما عاما بعض الأحيان ، وكل منكم يطبقه إن شاء - على نفسه ، ومن محاسن الصدف أنكم الأربعة تمثلون أصناف الناس ونماذجهم الأصلية ؛ فأولا - ٥ ! وب " من النموذج الذي يسميه علماء النفس introversion ، ولا أدري كيف أسميه بالعربية ، فمعناه الحرفي " تحويل الظاهر إلي الباطن " وهذا الصنف من الناس - عادة - من خصائصه أن يعيش في نفسه أكثر مما يعيش في خارجها ، يميل إلي الدرس والبحث ،
فإذا غلب عليه هذا المزاج فهو اميل إلي الفلسفة والعكوف على أفلاطون وأرسطو وسبينوزا وأمثالهم ؛ ومن هذا الصنف ايضا فريق المتصوفة الذين يغرقون في انفسهم ويحللونها ويشرحون مقاماتهم وأحوالهم ، هم - عادة - خجولون في أوساطهم ، يكرهون المجتمعات والحفلات الصاخبة ، يشعرون شعورا بالغا من الآلم التافه ، ولا يشعرون شعورا عظيما من الفرح العظيم ، يفضلون ان يجلسوا في حجراتهم يحلون مشكلة اجتماعية او نظرية رياضية على شهود ألعاب رياضية أو حفلة موسيقية
وأما " حدو ٥ " فمن الصنف الآخر الذي يسميه علماء النفس ايضا Extraversion ومعناه الحرفي " تحويل الباطن إلي الظاهر " وهذا الصنف من الناس - عادة - لا يستطيعون الصبر على الخلو إلي أنفسهم مدة طويلة ، ولا يستطيعون أن يصبروا على البحث العميق الطويل ، يحبون الناس واجتماعاتهم ، وقد يشتركون في عمل الحفلات والولائم والإعداد لها ، ويحبون الاشتراك في النوادي ، يلفتون الأنظار إليهم في تصرفاتهم ، ويحبون الظهور وان يكتب اسمهم في الجرائد دائما - يكرهون الفلسفة واسمها ، ويكرهون العزلة ؛ ويحبون من الروايات الكوميديا ويكرهون التراجيديا ؛ ويعجبهم من الموسيقي النغمات المرحة ولا تعجبهم النغمات الحزينة وهكذا .
ومنشأ ذلك خلقة وطبيعة وظروف أكثر منها أي شئ آخر .
أتذكر يا فلان "١ " أنك كنت ضعيفا في صغرك ، لا تشترك مع الأطفال في لعبك ! أو لا تذكر يوم كنا في المدرسة الثانوية معا ، وكان إخواننا في الفصل يطلقون عليك لقب " مالك الحزين" وقد نما هذا الشعور عندك ، فطلقت الجمعيات ، واحتضت الكتب ، وشعرت بمركب النقص عندك ، فمنحتك الطبيعة " التعويض وكان هذا التعويض أن تخلق من نفسك عالما غير العالم الخارجي
تسبح فيه ، ثم نمت عقليتك على حساب الملكات الأخرى وعلى حساب الاشتراك مع الاصحاب في الالعاب والحفلات ، فتفوقت على زملائك في العلم والعقل ، وضعفت عنهم في المواهب الآخرى : في الألعاب الرياضية ، في الحفلات السارة ، في الأعمال الاجتماعية ، ولترضي نفسك بهذا التعويض قومت الحياة العقلية أكبر من قيمتها ، كما قومت الأنواع الآخرى من الحياة أقل من قيمتها ؛ ولم تكتف بذلك ، بل سبحت في عالم من الخيال الفلسفي . وجعلت مسلكك في الحياة عزلة من الحياة العملية إلي حياة فكرية مجردة تسخر فيها بحياة الناس العملية - حتى إنا لما دعوناك إلي هذه الرحلة معنا اتبت بضغط يشبه الإكراه أليس كذلك ؟
وعلى العكس من ذلك أخونا "ح " ، فقد نشأ - كما أعرف وتعرفون - في صحة جيدة ووسط موات ، ولما كان معنا في المدرسة الثانوية كان رئيس فرقة الكرة ، وكنا إذا فكرنا في حفلة فهو منظمها ، وهو المهرج فيها ، وكان لا يحتبس في بيته للمذا كرة إلا عند الضرورة القصوي ؛ فلما أتم دراسته كان كما ترون رجلا يعرف الدنيا ، ويلعب بالبيضة والحجر كما يقولون ، لا يعترف بالهزيمة إذا كانت ، يلعب في حياته كما كان يلعب الكرة في مدرسته ، إذا غلبت فرقته مرة ضحك ، واستعد ان يغلب في المرة القادمة ؛ وبينما أخونا " ١ " يحضر درسا في حجرته في نظرية " الأوساط " عند أرسطو ، إذا بأخينا " حر " يطبق نظرية " الأوساط " في حفلة رقص .
) ضحك من الجميع (
"١ "- إذن فما رأيك في أخينا " د " وأخينا " ب " فقد نسيتهما وصببت كل كلامك على " ١ " و " ح "
الدكتور - الواقع اني لم انسهما ، ولكن بدأت بالكلام في " أ" و "ح " لأنهما نموذجان متقابلان يشرحان فكرتي في وضوح ، وباقي إخواتنا ليسوا إلا صورة مكبرة
أو مصغرة منهما أو ملونة لونا آخر غير لونهما ، ولكن الأساس واحد .
فأخونا "د "عكس أخينا " أ" أخونا " أ " مصاب بمركب النقص ، وأخونا "د" مصاب " بمركب التسامي " ، وكلاهما عيب ، ومركب التسامي في نظر علماء النفس ليس إلا دخانا كثيفا يلف مركب النقص . فالمصاب بمركب التسامي تظهر عليه أعراض معينة ، فهو يشعر بنقصه ، ولكن يمنع الناس أن يدركوها كما يدركها هو ، ووسيلة ذلك الظهور بالتسامي والظهور بمظهر العظمة ؛ ألا تري أن الكلب الكبير حقا ، العظيم حقا ، لا ينبح إلا عند الضرورة ، وأما الكلب الصغير الحقير فينبح ويقفز لأتفه الأشياء يعلن بذلك عن نفسه ، ويغطي شعوره بنقصه ؟ ! كذلك الرجل العظيم حقا لا يفخر بعظمته ، لأنه يشعر أن أعماله كافية في التعبير عنه ؛ والمرأة الواثقة بجمالها لا تبالغ في حليها وزينتها كما تبالغ من شعرت في نفسها بشيء من العيب أو القبح ، والغني الكبير العريق في الغني لا يتظاهر بما يتظاهر به " المحدث في الغني " وهكذا كل شاعر بنقص في ناحية من النواحي يحتاج إلي عمل إشارات كثيرة تجعل الناس يؤمنون به ولا يطلعون على عيبه ، شأنهم في ذلك شأن الطفل الصغير يشعر بالخوف فيأتي بإشارات وحركات يتظاهر فيها بشجاعته . ألا ترونه يحاول أن يفرض رأيه علينا فرضا ، ولا يسمع لأحد أن يقترح رأيا بجانبه ، ويريد أن يشعرنا دائما بشخصه ، وهو الذي اقترح رحلتنا اليوم ونفذها . لا يحاسب نفسه كثيرا على تصرفه ولا على من اجتاحهم أثناء سيره ، ينحينا دائما لطموحه ، ويشك في قيمة الناس فيكتسحهم
) د ( كلب في عينك قليل الأدب ، لم يبق إلا أن تمثلني بالكلب ، وما الكلب إلا أنت وعلمك الفارغ ، كلمات تحفظها وتطبقها على ما يصلح لها وما لا يصلح ،
وشفشقة ألفاظ من مركب النقص ومركب التسامي لا حقيقة وراءها ، إن كنت متكلما حقا ، فحلل لنا نفسك وبين علاقتها بالكلب .
الدكتور - آسف كل الأسف ، وهذا ما كنت أخشاه من أول الأمر ، ولكن ما كنت اتوقع أن يبلغ الأمر هذا المبلغ ، فما ذنب طبيب إذا عرض عليه مريض فرأي عنده سرطانا فقال إنه سرطان ؟ ايكون منصفا إذ قال إنه ورم بسيط ؟ ولكني نسيت أمرا تعلمته ، وهو أن الإنسان لا يسمح لطبيب النفس أن يشرحه ويعين مرضه كما يسمح لمريض الجسم ، ولهذا سبب ليس محله الآن ، وكل ما أقوله إني آسف ومعتذر .
) ١ ( - غلطتك يا دكتور ليس في التشخيص ، ولا في الشرح ، ولكن في انك قد فاتك التعبير الرقيق والتشبيه الغني ، فقد كان يمكنك التعبير عن هذا المعنى تعبيرا أرق ؛ وانت يا "د" ليس لك الحق في الغضب ، فقد تعاقدنا أول الأمر على الا نغضب ، والجو أمامنا فسيح ، وفيضان النيل أمامنا بالغ منتهاه ، خذ من الدكتور ما يعجبك ، وارم ما لا يعجبك في النيل أو في الهواء الطلق
" الجميع " - وهو كذلك . فأكمل لنا " ب " وبذلك ينتهي الحديث في صفاء .
الدكتور أما أخونا " ب " فهداه الغرق في نفسه إلي النزعة الدينية ، نشأ مرهف الحس في وسط كثير التدين ، ولست انسي والده وصلاحه وكثرة صلاته وصيامه ، وامتلأ عقيدة بحقارة الدنيا ونعيمها ، وكثرة ذكره الموت ، وتطلعه لحياة اخري فيها الكمال المطلق ؛ وفي هذا الوسط نشأ اخونا " ب " فنما شعوره القوي بالدين ، وضعف اعتماده على وسائل الدنيا ، فقوي اعتماده على الله ، يعتقد انه يدق في يد القدر . يري أن النفس دائما امارة بالسوء ، فهو يتطلع إلى الاستمداد من قوي روحية اخري تعينه على السلوك المستقيم ، فهو ينال ملاذ الحياة
بحذر ، ويخاف من النعيم أن يجره إلي الإثم ، ومن الإثم ان يجره إلى النار ، فحي ضميره وشعوره من هذه الناحية حتى تسلط على كل افعاله فمقياس العمل عنده دائما الجنة والنار ، اضعف نفسه الخوف فهرب من اداء الواجبات الدنيوية ، وركز نظره إلي الحياة الأخرى يضع فيها آماله . ولا أريد أن أطيل حتي لا يغضب أيضا
فلعلكم ترون من هذه الفرصة السعيدة التي جمعتنا ؛ وكان اجتماعنا اشبه باجتماع النماذج البشرية كاملة ، فمنا اثنان محكومان بعقلهما ، أحدهما محكوم بعقل منطقي فلسفي ، والآخر بعقل عملي ، ومنا اثنان محكومان بعواطفهما ، احدهما محكوم بعواطف دينية ، والآخر بعواطف دنيوية
ولكن أرجوا أخيرا الا يكون أخونا "د " لا يزال غاضبا .
)د ( - لا هذه فورة وقتية وزالت .
الدكتور - لعلي أستطيع في فرصة أخري أن أحدثك وحدك عن سيكولوجية الغضب ، والأسباب التي تدعوك له .
) د( كلا ، لا أريد سيكولوجيتك ولا تحليلك ، فأنا أعرف بنفسي منك .
) ١ ( - ولكن يا دكتور ، هل هذه العناصر الأربعة أساسية غير قابلة للتحول ، أو يمكن تحويل عنصر إلي عنصر ؟
الدكتور - أري أنه لا يمكن ذلك ، فلا يمكن تحويل " أ " إلي "د " ولا " ب " إلي " ح " ولو استحال النحاس إلي ذهب . وكل ما في الامر ان هذه العناصر الأربعة ضرورية في الحياة ، نافعة المجتمع ، ولكل غرض ، وكل يتخذ لإدراك غرضه ادوات وآلات ووسائل . وما يصبو إليه الأخلاقي والمصلح الاجتماعي ليس ان يحول الإنسان من عنصر إلي عنصر ، ولكن ان يبقى على غرضه وعنصره ، ويحاول ان يجعله يتخذ
من الوسائل ما يتفق وصالح المجتمع ؛ فقد يتخذ صاحب الغرض وسائل خسيسة لتحقيق غرضه ضارة بمجتمعه ، فيأتي المصلح ويهيء الفرص للناس أن يتخذوا لغرضهم وسائل شريفة تفيد المجتمع . فغرض الشهرة - مثلا - والقصد إلي التسامي ليس شرا في ذاته ، ولكن يتفق في هذا العنصر بعض العظماء جدا وبعض المجرمين جدا اتخذ وسائله في الشهرة الإتيان بأعمال تنفع أمته ، والثاني اتخذ وسائله الإجرام ، وشتان ما بينهما وإن اتحد العنصر . والنبي الذي يبعث ، والمصلح الذي ينبغ ، من أكبر الرجال الذين يعرفون نفسيات الاتباع ، فيعرفون كيف يرشدون كلا إلي الناحية التي خلق عليها من غير أن يغيروا من تكوينهم الأساسي ، وعنصرهم الأولى .
) ١ ( - ولكن يا دكتور كيف تسني لهذه العناصر المتباينة أن تتصادق ؟ فنحن كما حللتنا ماء ، ونار ، وحرارة وبرودة ، وعذوبة وملوحة ، ومع ذلك نحن اصدقاء ، متحابون لا يستغني بعضنا عن بعض ، ونشعر كأننا عروة لا تنفصم ، ووحدة لا تتجزأ ، إذا غضب أحدنا لا يلبث أن يصفو ، وكان مقتضي الظاهر أن نتخاصم وأن نتعادى ، لا أن نتصافي .
الدكتور - لهذا ايضا سبب سيكولوجي عميق يرجع إلي اصول أبانها علماء تحليل النفس ، فهل انتم على استعداد للبقاء هنا إلي الصباح ؟
) ١ ( - لا ، ولكن على أن تعدني أن نتقابل غدا وحدنا إذا عاق الآخرون عائق فتحدثني عن سر ذلك !
الدكتور - وهو كذلك
وكانت الساعة قد بلغت الثانية صباحا ، وقد تسلطن القمر في عرشه ، فركبنا سيارتنا وعدنا من حيث اتينا .
ولما عدت إلي بيتي أبيت إلا أن أقيد أهم ما كان ، وحتي لا يطويه النسيان .

