تلاقينا كما تواعدنا ، وكنت والدكتور وحدنا ، فلم أشأ أن أشعب الحديث ، واقتحمت الموضوع اقتحاما ، فقلت : حدثني - إذن - كيف تكون الصداقة مع اختلاف الطباع والأمزجة والثقافة ، وقديما قالوا - شبيه الشيء منجذب إليه - وقالوا : حدثني من صديقك أحدثك من أنت ! ولذلك حيرني أمر جمعيتنا بالأمس ، فقد رأينا فيها متدينا ومن لا يأبه بدين ، ورجلا نظريا ورجلا عمليا ، ورجلا يحكم بالعقل ، ورجلا يحكم بالعاطفة ، وحليما وغضوبا ، ومتفلسفا ورجل مال؛ فكيف اتفق لهؤلاء أن يتصادقوا ، وأن تنعقد بينهم الألفة على اختلاف منازعهم ومشاربهم ؟
الدكتور - لقد علمتنا التجارب أن الصداقة تفرخ تحت حرارة الإعجاب ، فما لم يكن إعجاب لم تكن صداقة ؛ فأنت تعجب بصديقك من ناحية ما ، أو من جملة نواح ، وهو كذلك . وهذا الإعجاب من شأنه توسيع النفس والشعور باللذة فيما تعجب به ، فأنت تتغذي من صديقك بالنواحي التي أعجبت بها ، وتتلذذ هذا الغذاء ، وتشعر أن نفسك اتسعت لتتشرب نفسه ، وهو يشعر هذا الشعور نحوك ؛ وقد تضحي ببعض فوائدك ومسراتك من أجله ، ولكن هذه التضحية في الواقع ليست إلا تضحية لذة للذة أكبر منها ؛ فأنت تضحي - مثلا - بشيء من راحتك أو مالك لصديقك لتنعم بلذة أكبر منها ، وهي ما تتلذذه من مواضع الإعجاب ، أو ما تتلذذه من تضحية صديقك لك .
ثم هذا الإعجاب من جانب قد يكون مناقضا للإعجاب من الجانب الآخر ، فيكون أدعي إلي التصادق ؛ فإذا كنت حسن الحديث ، وكان صديقك حسن الاستماع ،
وأعجبت به لحسن استماعه ، وأعجب بك لحسن حديثك ، كان ذلك سببا من أسباب الصداقة إذ تلاقت فيكما الرغبتان ، قد شعرت أنت بمركب النقص عندك في الرغبة الكلامية ، وأحس هو بمركب النقص في الرغبة السكوتية ، فأعجب كل منكما بصاحبه لأنه يكمل نقصه . فليس صحيحا دائما أن شبيه الشيء منجذب إليه ، بل قد يكون التناقض سبب الانجذاب ، كالكهرباء السالبة والموجبة ؛ ومثل هذا في الحياة الواقعية كثير ، فكثيرا ما يقع اختيار الزوج على زوجته لأنه غضوب وهي حليمة ، أو هو مسرف وهي مقتصدة ، أو هو رزين وهي مرحة ، أو نحو ذلك أو عكس ذلك ، ثم يكون الزواج موفقا ، وسبب التوفيق هذا التناقض ؛ ولو كان الزوجان غضوبين أو مسرفين أو رزينين ، لكانت عيشتهما لا تطاق . فخير أن ينضم إلي النار ماء ، من أن ينضم إلي النار نار ؛ ومن هذا تري - يا أخي - أن عجبك من اختلاف الأصدقاء ، في الطبع والمزاج يساوي عجبي من تصورك أن الصداقة تتطلب الاتحاد في الميول دائما.
فأساس الصداقة - كما ذكرت - الإعجاب؛ : وليس الاتحاد في موضوع الإعجاب ؛ ومصداق ذلك أنك تري بعض الناس تغلب عليهم عقيدة أن الناس كلهم أشرار خائنون لا شرف لهم ، وأن ما يصدر عنهم مما يظن فيه الخير والمنفعة العامة ليس إلا خداعا يسترون به أنانيتهم وحبهم لأنفسهم ، أمثال هؤلاء لا يستطيعون أن يصادقوا ، لأنهم فقدوا الإعجاب ، ففقدوا بفقده الصداقة .
وقد تتم الصداقة بين شخصين أو أكثر ، وتتأكد الصداقة بتأكد الإعجاب ، فإذا فتر الإعجاب فترت الصداقة .
وليس دائما أن تكون الصداقة مبنية على الإعجاب بالنبل والفضل والأخلاق الجميلة ؛ فقد تكون الصداقة صداقة شريرة مبنية على الإجرام ، أو علي شرب الخمر ، أو تعاطي كيف من الكيوف ، وقد تكون صداقة
نبيلة أساسها البطولة أو النبوغ أو الفضيلة ، وسواء كان هذا أو ذاك فالأساس هو الإعجاب ، فالمتصادقان على احتساء الخمر سبب صداقتهما إعجاب كل بمقدرة الآخر على السكر ، وتلذذه من أن يري صاحبه عونا له على بلوغ غايته ، ونحو ذلك .
ومما يساعد على الصداقة ويقويها الإيثار والتضحية ، ومما يضعفها الأثرة والأنانية ؛ فمحب نفسه جدا لا يمكن أن يصادق ، وتعليل ذلك متصل بما سبق ، وهو أن الأناني جدا قل أن يري خيرا إلا في شخصه ، بل هو يكره ويمقت مواضع العظمة من غيره لأنها تشعره بنقص نفسه . ولذلك يجد خير أنواع الصداقة عند من تعاونوا على نوع من أنواع الخدمة الاجتماعية ، لأن لهم غرضا واسعا خارجا عن أشخاصهم ، وهو تحقيق نوع من الخير لمجتمعهم ؛ فكلما رأوا أن صاحبا لهم مصدر لهذا النفع زاد الإعجاب فتأكدت الصداقة.
وسكت الدكتور قليلا ، فقلت : إذا كان أساس الصداقة الإعجاب فقط ، وجب أن يتحقق كلما وجد، وهذا ليس بصحيح ، فكثيرا ما أعجب بإنسان ولا تكون صداقة ، فأنا أعجب بعدل عمر بن الخطاب ، وبطولة خالد بن الوليد ، وفصاحة علي ونحو ذلك ، ثم لا تكون هناك صداقة ؛ بل كثيرا ما يكون الإعجاب بين الأحياء ولا صداقة ، فقد أعجب بعقل كاتب إنجليزي أو فرنسي ، أو أسلوبه أو بطولته ، وقد أعجب بإجادة ممثل على المسرح ، أو بجمال غانية ، أو بصوت مغن أو مغنية ، ثم لا تكون هناك معرفة فضلا عن صداقة . كم من الناس يعجبون بصوت ) عبد الوهاب ( أو ) أم كلثوم ( ، أو بكوكب من كواكب السينما ولا معرفة ولا صداقة ؛ وكم من المفكرين يعجبون "ببرنارد شو" أو "ويلز " أو " برتراند رسل " أو نحوهم من الأدباء والمفكرين ، وكل ما بينهم من صلة
صلة روحية لا أستطيع أن أسميها صداقة!
بل أستطيع أن أذهب إلي أبعد من ذلك ، فأرى أن الإعجاب قد يكون ومعه الكراهية والنفور لا الصداقة ، فقد أعجب بفصاحة خطيب أو بلاغة أديب ، ولكني أكرهه لثقل روحه ، وأعجب بقدرة عظيم لكفايته المالية وأكرهه لأني أعلم أنه مرتش ، والخلاصة أن الإعجاب وحده لا يكفي في تكوين الصداقة.
الدكتور - إن الجزء الأول من اعتراضك ، وهو الإعجاب بالأموات ، والإعجاب بالعظماء الأحياء عن بعد سهل الرد عليه ، وربما كان سبب اعتراضك عدم التفاتك إلى نقطة هامة فيما ذكرت ، وهو أن يكون الإعجاب متبادلا من الجانبين ، فأنت إذا أعجبت بعمر أو خالد أو على ، أو أعجبت ببرنارد شو أو ويلز ، أو عبد الوهاب أو أم كلثوم ، فليس هناك إعجاب متبادل ، وإنما هو إعجاب من جانب واحد ، وبذلك لا تتم الصداقة .
وأما اعتراضك بأنه قد يكون الإعجاب مع الكراهية ، فهو صحيح ، ولكنه يؤيد رأيي ، لأن كراهة شخص من بعض النواحي مع الإعجاب به من نواح أخرى تضعف قوة الإعجاب ، فالكراهية والإعجاب متقابلان ، الإعجاب يدعو إلي التصادق ، ثم تلتهم الكراهية هذا الإعجاب فتقف حائلا بين التصادق .
وأريد أن أزيد شيئا أكمل به وجهة نظري ، وهو أن الصداقة إذا تأسست على الإعجاب فيجب أن تغذي دائما ، وإلا هزلت ثم ماتت ، غذاؤها اتصال الأصدقاء ، ليتجدد الإعجاب ، فإذا لم يتيسر فمبادلة الكتب أو تبادل الأحاديث التليفونية أو نحو ذلك من أنواع الاتصال ، لأنه إذا لم يكن اتصال قدم الإعجاب وهزل حتى ينسي فتنسي معه الصداقة - والحديث المأثور : " تهادوا تحابوا " لا يزال صحيح المعنى ، وليست قيمة الهدية بين الأصدقاء في
ثمنها ، وإنما فيما يحيط بها من معان ، فتقديم الهدية معناه أني لازلت أذكرك ، وأني على استعداد للتضحية في سبيلك ، وأني أوثرك بما تحب ، إلي غير ذلك من معان نبيلة تؤكد الصداقة وتنميها ، فالصداقة شجرة ورد لابد من ريها ، وإلا جفت .
وقد قرأت في هذا المعنى حكاية لطيفة حدثت ، وهو أن زوجة أوربية متزوجة من غني كبير اعتاد أن يهديها في عيد ذكرى زواجها وردة صفراء جميلة ، رمزا إلى الحب والإعجاب ، فجاء عاما من أعوامها وأهداها في ذلك العيد صكا بعشرين ألف جنيه ، فغضبت جدا ، وألمت جدا ، إذ لم يهدها الوردة الصفراء - لأنها رأت أن الوردة الصفراء ، - لا العشرين ألفا - هي التي تغذي روحها ؛ فالمال عند غني قد يمنح صدقة ، وقد يؤجر به على عمل ، وقد يقدم لمائدة ميسر ؛ ولكن الوردة الصفراء - رمز الحب- لا تعوض ولا تقدر بمال ، ولا تقدم إلا من محب لمن يحب ؛ وكيف يوزن الحب بالمال ، وهو إذا وضع في كفة ووضعت الدنيا كلها في الأخرى ما تأثرت الكفة الأولى ؟
قلت : لا يزال في نفسي شيء مما ذكرت ، فقد تتوافر الشروط التي قلتها من إعجاب متبادل ، وكثرة اتصال ونحو ذلك ، ثم لا تكون صداقة.
الدكتور - أرجو أن تنتظرني حتى أتم عرض رأيي ، فإذا سكت فإنما أفكر في جمع ما يكمل فكرني ، وقد يكون جواب اعتراضك فيما سأذكر ، فتستغني عن الأخذ والرد ، لا سيما والموضوع عريض ، وتحديد ، والإلمام بكل أطرافه ليس أمرا هينا ؛ فأشكال الصداقة متعددة ، وطباع الناس وأمزجتهم مختلفة ، وحصرها كلها تحت قاعدة عامة في منتهي الصعوبة .
وما أريد أن أقوله الآن هو أنه يجب أن يضاف إلي ما ذكرت أن يكون هناك تناغم بين المتصادقين ، وأن
يكون هناك غرض واحد مشترك في شأن من الشؤون ، ولست أريد بالتناغم اتحاد الطبع أو المزاج ، فقد سبق أن بينت خطأ ذلك ، وإنما أريد بالتناغم الانسجام ، كالانسجام بين الدف والمزمار والناي في الجوقة الموسيقية ، بل إن هذا التناغم هو الذي يفسح الجو للصداقة أكثر مما يفسح لها الاتحاد؛ ثم الاشتراك في الغرض معناه أن يكون للمتصادقين نوع من الغاية المتحدة يسعون لتحقيقها ، وتدعوهم هذه الغاية إلى تعلم خلق الأخذ والعطاء ، وهو خلق لا بد منه في تكوين الصداقة ؛ ويتجلي هذا المعنى - معني الاشتراك في الغرض وتبادل الأخذ والعطاء ، في المتصادقين من حزب سياسي واحد ، أو حزب اجتماعي ، أو لجنة من لجان الخدمة العامة
ثم إذا استعرضنا الصداقات وجدناها أشكالا وألوانا ، فهي كدرجات في سلم طويل ، تبتدئ بالمعرفة ، وتنتهي بالعشق والهيام ، وبين هاتين درجات لا عد لها ؛ ثم هناك طباع تصادق من أول نظرة ، وطباع متحفظة لا تصادق إلا ببطء ، وذلك أدعي أن تحتفظ أيضا بصداقتها ببطء .
وإلي جانب ذلك كله هناك صديق تعتبره كالغذاء الروحي لا تستغني عنه أبدا ، وتشعر أنك في أشد الحاجة إليه دائما ، ويصعب عليك أن يمر اليوم ولا تراه ؛ وصديق كالفاكهة تحبها في موسمها ، وتشتاق إليها حينا بعد حين؛ فهناك صديق تتلمسه إذا دعا داعي المرح ، وصديق آخر تتلمسه إذا دعا داعي الجد.
قلت : هل انتهيت ؟
الدكتور - تقريبا ، فإن شئت فاسأل .
قلت : كيف تعلل ما تري من ظاهرة غريبة ، وهو أن صديق الصديق قد يكون صديقا ، وأحيانا نري صديقا واحدا لشخصين متعاديين ؟
الدكتور - هذا صحيح ، وتعليله ليس عسيرا بعد
الذي ذكرت ؛ ذلك أن نواحي الأخلاق في الإنسان متشعبة متنوعة ، فإذا كان صديق الصديق مشتركا معك في نواحي الإعجاب المتبادل ، والتناغم والاهتمام بغرضك ، كان صديقا لك أيضا - ولكن يحدث أن يكون شخصان متعاديان لعدم الإعجاب وعدم التناغم وعدم اتحاد الغرض ؛ ومع ذلك هما يلتقيان معك في نقطة فيها تبادل الإعجاب ، كثلاث دوائر ، لا أدري اسمها في الهندسة ولكن أستطيع أن أرسمها لك هكذا
فمساوي المساوي مساو ، ولكن ليس شبيه الشبيه شبيها دائما ؛ فقد يخالف رجل رجلا في البياض والسواد ، والطول والقصر ، والعقلية الفلسفية والعملية ، ولكنهما يلتقيان معك في شيئين عندك لكل منهما شيء ، يلتقي الأول معك في حب الفن ، وهو ليس عند الآخر ؛ ويلتقي الآخر معك في نوع من الخدمة العامة لا يقوم بها الأول
أواضح ما أقول ؟
قلت : نعم ! ولكن - يادكتور - ألا ترانا قد بعدنا بعض الشيء عن موضوعنا الأصلي ، وهو سؤالنا الأول : كيف تصادق هؤلاء المتخالفون!
الدكتور - بعد هذه القواعد العامة التي ذكرتها ، لم يبق إلا التطبيق على "أ " " . و"ب" و"د" وهذا ليس بالعسير عليك ، فتوله أنت بنفسك ، فقد أحسست بالتعب من طول تفكيري في هذا الموضوع ، وعرض نظرياته ، فتعال بعد ذلك نتحدث فيما لا يتعب الفكر .
قلت أنا أحوج إلي هذا منك ؛ فأنت تتكلم في موضوعك بعد أن مرنت عليه .
وتحدثنا فيما لايهم القارئ . ثم افترقنا وذهني مأخود بهذا الحديث المثير للتفكير.

