الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 293الرجوع إلى "الثقافة"

فى الهواء الطلق

Share

هذا صديقي وأنا ، نمشي علي شاطئ البحر في رأس البر في وقت الأصيل ، وننتقل من الحديث عن الجو إلي المفاضلة  بين الإسكندرية ورأس البر ، إلى اخبار الحرب ومصير  العالم ، ثم إذا بنا ننغمس في الجدل في نظرية " التقدم المستمر للعالم " .

قلت : إن العالم في تقدم مستمر ، فهو اليوم خير منه أمس ، وهو غدا خير منه اليوم وقد أتى علي الناس زمان كانوا ينشدون فيه مثلهم الأعلى في ماضيهم ، واليوم ينشدون مثلهم الأعلى في مستقبلهم . وأذكر أني قرأت جملة لطيفة  لكاتب غاب عنى اسمه ، وهي : " أن قدماء اليونان كانوا  يعتقدون انهم من نسل الآلهة فانحدروا ؛ وأما المحدثون  فيرون أنهم من نسل القرود فسموا " وهذا يمثل نوعي النظر في انحطاط العالم شيئا فشيئا ، أو تقدمه شيئا فشيئا ؛ وأنا ممن يؤمن بهذا التقدم . قد يكون ماضي أمة معينة خيرا من حاضرها ، وقد يقف العالم وقفة يكسر فيها بعضه بعضا - كما هو حادث الآن - وقد تقوم الثورات في الأمم فتدك النظام القائم وتقع في الفوضي ، ولكن إذا نظرت إلى العالم من حيث هو كل ، وفي أزمانه المختلفة ، رأيته يتقدم دائما ، وإذا وقف فإنما يقف ليثب ، وإذا كسر بعضه  بعضا فليخلق خلقا جديدا خيرا من الخلق القديم ، وإذا  وقع في الفوضي حينا فليبني علي انقاض النظام القديم البالي نظاما جديدا متينا ، ثم يبلى الحديد فيبني خير منه وهكذا ، وكل بناء جديد خطوة إلى الأمام

وهذه الفكرة - مع صحتها - نافعة للإنسانية ، ففي القرون الوسطى ايام كان الناس يعتقدون ان عصرهم الذهبي خلفهم لا امامهم ، غلب عليهم اليأس والتشاؤم وضعت عزائمهم ، وكان مثلهم الأعلى ان يعودوا إلي الوراء لا ان  يسيروا إلى الأمام ، وغلبت عليهم الرجعية ، ورموا كل من يدعوهم ان ينظروا امامهم بالزندفة ونحوها ، وتوقعوا قرب

انتهاء العالم ، فما هي إلا أجيال ثم ينقرض ؛ فكان تقدمهم بطيئا لأنهم تقدموا رغم انوفهم لا بإرادتهم ، وعاكسوا التيار فعوقوا عن السير . فلما جاء عصر النهضة واعتنق  الناس فكرة التقدم المستمر ، رأوا عصرهم الذهبي أمامهم لاخلفهم ، فسارعوا إلي السير مع التيار ، فتضاعف تقدمهم  واتسعت وثبتهم ، وانفسح أمامهم الذي ، فالإنسانية في نظرهم  أمامها مستقبل بعيد سعيد . ويحب ان يعتنق الشرق هذه  الفكرة كما اعتنقها الغرب ، فينظروا أمامهم أكثر مما ينظرون خلفهم ، وينشدوا مستقبلهم ؛ أكثر مما يتغنون بماضيهم ، بل هم إن تغنوا بماضيهم فليستحثهم على السير أمامهم .

فكر صاحبي هنيهة ثم قال : لا أظن ذلك ! ألا تري  هذه الموجة ؟ - ونظر إلي موجة مسرعة إلي الشاطيء إنها تتقدم سريعا حتى تفني ، وتتبعها موجة أخري وهكذا ، والبحر هو البحر ، قد يحدث المد ثم يحدث الجزر ، والبحر لا يتغير ؛ والتاريخ يعيد نفسه لأن العالم يعيد نفسه . لعل الخلاف بينى وبينك ناشئ من اختلاف وجهة النظر في مظهر التقدم ؛ فإن عددنا مظهر التقدم تغلب الإنسان على الطبيعة وتسخير قوانينها لمصلحته ، ورقي عقله ، وفهمه للعالم أكثر مما كان ، وكثرة مكتشفاته ومخترعاته ، فالرأي رأيك ؛  وإن عددنا مقياس الرقي سعادة الإنسان فإني أخالفك ، فلسنا  أسعد من آبائنا ، ولا رقي العقل وكثرة المخترعات قللت من متاعبنا ، بل ربما كان العكس هو الصحيح - إن شئت  فانظر إلي عشش رأس البر تر مصداق ما أقوله : هذه عشش وضيعة تحوي ناسا فقراء في المال ، فقراء في العقل ، وهذه مشش غنية مترفة ، فيها الراديو، وفيها التليفون ، وفيها الطباخ الماهر والأكل الفاخر ، وعقول أهلها أرفع مستوي وأعلي مقاما ؛ ولكن هل تستطيع أن تجزم بأن الآخرين أسعد من الأولين ؟ ما أظن ذلك ! فلو مررت بجانب عشش الأولين لسمعت الضحك عاليا ، والرضا بما كان شاملا ، وقد  تكون صحتهم أتم ، ولذتهم بالأكل البسيط أوفر من هؤلاء

الأغنياء الممعودين الذين تعدهم أرقي ، وتقيمهم مثلا للتقدم المستمر . وما قيمة رقي العقل وكثرة المخترعات إذا لم تصحب بالسعادة وكان الأمر كما قال المتنبي

ذو العقل يشقي في النعيم بعقله    وأخو  الجهالة في الشقاوة ينعم ؟ بل ما هذه العقلية التي تطنطن بها ؟ إن الإنسان مع تقدمه المزعوم لم يظفر إلا بمعرفة أعراض المادة ؛ أما حقيقة المادة وحقيقة الروح فلم يتقدم في فهمهما اية خطوة ، بل لعل الإنسان كان يقوده شعوره إلى السلوك في الحياة  خيرا مما يقوده عقله المطعم بالمنطق والفلسفة ! إن العالم  - في نظري - كالرجل المتردد يقدم رجلا ويؤخر اخري ،  فهو يبني ويزخرف ، ثم تعرض له جنة الحرب فيهدم ما بني  وما زخرف ، ثم يبدأ يبني من جديد وهكذا ، وليته ما بني وما هدم ؛ و كلما اجاد البناء اجاد الهدم . وشجرة المعرفة كشجرة آدم ، كلما أكل من ثمارها خرج من الجنة - والإنسان الكل كالإنسان الفرد - يبدأ طفلا ثم ينمو ، ثم يهرم ، ثم يموت ليخلفه طفل من جديد . وهكذا الامم وهكذا العالم ، فهو يدور في حلقة مفرغة

قلت : لعل خلافي لك ينحصر في نقطتين : الأولى أنك قللت من قيمة التقدم العقلي ؛ والثانية أنك عممت  السعادة ولم تفرق بين سعادة وسعادة . والنقطتان مرتبط بعضهما ببعض اتم الارتباط ؛ فالإنسان إنما ارتقي عن الحيوان بعقله لابحواسه وغرائزه ، فإذا سلمت بأن الإنسان ارقي من الحيوان وجب ان تسلم بأن الإنسان الارقي عقلا ارقي من الإنسان الأضعف عقلا . وإذا سلمت بذلك وجب ان تسلم بأن العالم في مجموعه إذا كان اليوم أرقي عقلا مما كان فهو في تقدم  مستمر . ثم إن السعادة العقلية أو اللذة العقلية أرقي من الجسمية ، بل إن الإنسان يفضل العقل مع الألم على الجهل مع اللذة ؛ فلو خيرت انت بين ان تكون فيلسوفا ساخطا وأن تكون جاهلا راضيا لاخترت الأولى ، وحكمك انت في هذا الأمر اصدق من حكم الجاهل ، لأنك جربت اللذتين ؛ لذة الجهل ولذة العقل ، واللذة المادية واللذة

العقلية ، ففضلت الثانية علي علم . ولو عرض على المتنبي الذي قال هذا البيت ان يكون الغني الجاهل او الغبي المنعم لما اختار إلا نفسه وآلامها .

ولنعد إلي موضوعنا . إن العالم كله يسير اضطرارا نحو الكمال ، فالسديم إلى بجسوم ، والنطفة إلى وليد ،  والحيوان الادني إلى حيوان ارقي ، والبذرة إلى شجرة ، والشجرة إلي ثمرة . والطبيعة لا تزال بكل شئ حتى تنضجه ، فلم لا يكون الإنسان كسائر ما في العالم ، يسير نحو النضوج ؟ وقد دلنا العقل على ان قوانين العالم منسجمة ، يسير أكبرها على نحو ما يسير اصغرها .

قال : ولكن النضوج يعقبه الفناء . قلت : ولكن الفناء يعقبه أن يولد خير مما فني .  قال : لا دائما قلت : لتكن نظرتنا كلية لا جزئية . إن الإنسان سائر إلى الأمام دائما ، والعالم في كل قرن خير مما قبله في جملته والشرور والرذائل تقل شيئا فشيئا ، والإنسان بطبعه - وبالضرورة - ككل شئ في العالم يسير نحو غاية هي الكمال ونظرية اللشوء والارتقاء وتنازع البقاء وبقاء الأصلح ، تصدق علي الإنسان كما تصدق على كل ما في العالم .

قال : كم من شرير قتل خيرا ، وكم من فئة متبربرة متوحشة غلبت فئة متمدنة راقية ! ومكروب الحمى الحقير أمات محمدا رسول الله العظيم ! وكل يوم نري أمثلة من الخير يلتهمها الشر . الم تر  اليوم ما فعلت النار بعشة رأس البر   كيف اتت عليها وعلى ما فيها ، وفزعت أهلها ، وارعبت جيرانها ، والتهمت كل ما وصل إليه لسانها ؟ ! وأهلها قد  أتوا ليستجموا من عناء أو يستشفوا من مرض او يتخففوا من ألم . وما قيمة هذا الحريق في رأس البر بجانب حريق العالم في هذه الحرب ؟ فلم كل هذا الشر إن كان يراد بالعالم الخير ؟

قلت : أعيد فأكرر قولي يجب أن تكون نظرتنا  كلية شاملة لا جزئية خاصة ، فلا تنظر لشرير جني ، ولكن  انظر إلى ما أنتجت الجناية من تحصين ؛ ولا تنظر لمكروب

أمات ، ولكن انظر كيف تقدم الإنسان فعرف مكروبا لم يكن يعرفه ، وفتك بالكثير منه وهو يحاول الفتك بالباقي ؛ ولا تنظر إلى الحرب وويلاتها ، ولكن انظر إلي نتائجها بما  اصلحت من نظم ، واظهرت من مفاسد حركت الهمم لتلافيها ووضع خير منها مكانها . ومن قوانين العالم العامة الا يكون بناء إلا بعد هدم ، ولا علاج إلى بعد مرض - إن شئت الفكرة واضحة فقارن بين الإنسان في جيله الأول وانظر كيف كان يعيش ، وكيف كان يتصور العالم حوله ، وكيف كان يتصرف في المسائل التي تعرض له ، وكيف كان يحكم ؛ وبين الإنسان في جيله الحاضر ، كيف يعيش ويتصور ويتصرف ويحكم ، نؤمن بالتقدم المستمر والسير إلي غاية هي الكمال .

قال : إنك تبالغ كثيرا في تقدير المدنية ، وإني لا أعد  تقدما إلا رقي الطبيعة الإنسانية ، وهل هي تقدمت كما  تدعي ؟ إن المدنية فيما أري ليست إلا طلاء براقا للطبيعة الإنسانية المتشابهة في القديم والحديث . والإنسان متقدم - كما تري - في حالة عدم الإغراء وعدم الاحتكاك ، فإذا اغري أو وقع فى محنة زال طلاؤه ، وتكشف عن طبيعة تشبه طبيعة الإنسان الأول كما تراه في الحروب ، إن الأمم في حرب بعضها بعضا لا تراها أكثر إنسانية ولا حبا للعدل ، ولا رغبة عن الانتقام من أسلافها الأولين ؛ ولا أظن أن الإنسان في حاضره قد شابهه أي إنسان آخر  قبله في فتكه وإبادته وتخريبه وحتي في غير أيام الحرب تستطيع  أن تقارن بين الاستعمار القديم والاستعمار الحديث لنري ماذا يفعل الإنسان بالإنسان ، وهل تقدم إنسان اليوم عن  جده ؟ ومن الغريب أنك تري الإنسان المتمدن لم يذبح في حياته دجاجة ، ولم يقتل حشرة ، فإذا دخل في ميادين القتال كان سفاكا فتاكا ، وتكشف عن طبيعة تشبه طبيعة القط رأي الفأر لأول مرة - إن كان هذا فماذا فعلت المدنية ؟ أمدت سككا حديدية ، واخترعت الراديو والتليفون ، وأنشأت الآلات الصناعية ؟ وهل هذا تقدم في الطبيعة الإنسانية !

لست - من غير شك - أنكر قيمة ما اكتشفه  الإنسان الحديث وما اخترعه ، وما استفاد من تجاربه مما غير به وجه الأرض ، ولكني أؤمن في الوقت نفسه أنها  أمور خارجة عن نفسه ؛ فإذا قسنا الإنسان بمقياسه الحقيقي ، وهو طبيعته البشرية ، لم نؤمن بالتقدم الكبير الذي تدعيه  وهذا يدل على أن الإنسان خاضع لقانون الوراثة أكثر من خضوعه لقانون البيئة ، او بعبارة ادق ، هو خاضع لهما بنسب  متفاوتة جدا

قلت : إنك تستصغر التقدم الإنساني إذا قسته بالطبيعة البشرية ، وتستنتج من ذلك فساد النظرية . ولكن

وهنا قال صاحب الم تتعب من السير ؟ قلت : الحديث أنساني نفسي وأنساني تعبي ، فلا أذكر إلا حجة تقرعها حجة ، فهل لك ان تجلس على الرمل تنعم بغروب الشمس في البحر ؟ فجلسنا وسألني : ولكن ماذا ؟

قلت : ولكن يظهر انك تقيس الإنسان القريب بالإنسان الحاضر ، والإنسان المعروف في التاريخ بالإنسان اليوم ؛ فامعن في تاريخ الإنسان الاول يوم لم يكن يفترق عن الحيوان إلا قليلا ، وآمن بما يقوله العلماء المحدثون من ان عمر الإنسان على وجه الأرض مئات الالاف من السنين ، وان الطبيعة لا تعرف الطفرة ولكن تعرف التقدم البطيء ، فإذا لم تر إلا تقدما قليلا إذا قصرت نظرك على الإنسان التاريخي ، فإنك تري التقدم كبيرا إذا ضممت إلي ذلك الإنسان قبل التاريخ ، وكم بين الإنسان الذي يشبه القرد ، وبين فلاسفة العصر الحاضر وعلمائه وشعرائه وفنانيه من فرق !

ثم إن في طبيعتنا البشرية نفسها مصداق ما أقول . إن الطبيعة لم تخلق فينا الامل والطموح عبثا ، إنما خلقتهما للسعي الدائب للرقي الدائم ، ولو ارادت الطبيعة ان يقف الإنسان عند حد لجردته منهما كما جردت الحيوان . إن للأمل في الإنسان وظيفتين : احتمال متاعب الحياة الحاضرة ، والسعي لحياة مستقبلة خير من حياته التى يحياها ، وهذا مبعث التقدم

في مسكنه ، وملبسه ، ومأكله ، وعقليته ، ونفسيته .

قال : هب ما تقول صحيحا ، فما قيمة " التقدم المستمر " إذا كان مصير الإنسانية الفناء ؟ لاشك ان سيأتي يوم تبرد فيه الأرض تبعا لبرودة الشمس ، أو نحو ذلك كما كان الحال في كثير من النجوم ، وإذا بالإنسانية كلها قد فنيت . وإذا كان كذلك ، فسواء صحت نظرية " التقدم المستمر " أو " الانحطاط المستمر " فالنتيجة واحدة وهي الفن ، وبذلك تكون الغاية التي يسعى إليها العالم غاية مضحكة ، فاذا كانت غاية مقصودة كانت غاية في منتهي السخف .

قلت : ذلك يكون صحيحا لو حسبت حساب هذا العالم المادي وحده ، ولم تضم إليه الحياة الأخرى ؛ أما إذا آمنت بحياة اخري يستمر فيها الرقي والكمال ، وتكون فيها الروح بعد تجردها من المادة اقدر على الرقي وبلوغ الكمال حتي تقرب من خالقها ، لم يكن لاعتراضك وجه . ثم إنا

إذا سلمنا بهذه الحياة الأخرى .

وهنا طلع علينا صديق صرح : السلام عليكم . عليكم السلام ما لكما ساهمين ؟ نفكر . في ماذا ؟ في نظرية التقدم المستمر . ها ها ها

أفي مثل هذا الجو وهذا المنظر يكون هذا الحديث ؟  تكلما في غروب الشمس الجليل ، أو في هذا البحر الجميل ، أو في هذا الهواء العليل ، لا في هذا الموضوع الثقيل ! ولكنكما كما قال المثل : يموت الزامر وإصبعه يلعب .

رأس البر

اشترك في نشرتنا البريدية