الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 342الرجوع إلى "الثقافة"

فى الهواء الطلق

Share

على شاطئ البحر جلست اليوم وحدى . واتجهت هذه المرة إلى ما فى البحر من الأحياء ، كم من الملايين يولد فى الساعة وكم من الملايين يموت ، وكم مما تعجز عنه الأرقام حيى فيه ثم فنى فيه ؟ .

وانتقل ذهنى إلى الإنسان . كان شأنه فى البر شأن الحياة فى البحر ، فمنذ كان قبل التاريخ وبعد التاريخ وملايين الملايين تحيى ثم تفنى .

وهذه الحرب أرخصت الحياة فكل يوم تحصد مئات الألوف حصدا فى البر وفى البحر ، ومن فعل الطائرات ومن فعل الغواصات ومن فعل سائر المدمرات .

ما الأرض بالنسبة لهذا العالم ؟ وما حياة الإنسان كله بجانب هذه الحيوات كلها فى البحر ؟ وما حياتى أنا بجانب حياة الناس كلهم فى الماضى والحاضر والمستقبل ؟

ومع هذا فحياتى أهم شىء فى الوجود فى نظرى وفى أعماق شعورى ، وكذلك حياة كل إنسان أهم ما فى الوجود فى نظره وفى أعماق مشاعره .

على هذه النظرة بنى العالم الإنسانى . ولو تغيرت هذه

النظرة لتغير الكون ، فالفضيلة والرذيلة ، والإصلاح والإفساد والنظم الاجتماعية والسياسية على اختلاف أنواعها ، والأديان وقضاياها والاقتصاد ومسائله ، كلها تعالج بشتى الأشكال ماركب فى غرائرى من أنى أهم ما فى الوجود .

مهما حقر العلم من شأن حياة الفرد فأثبت الفلكى أن الأرض ليست إلا عنة فى العالم ، وأثبت عالم الحياة أن الإنسان ليس إلا حيوانا حقيرا نشأ وارتقى ، والكيميائى أن جسم الإنسان يجرى عليه كل ما يجرى على مواد العالم ، فسيظل الفرد هو الفرد ، يرى ويشعر ويسير فى جميع شؤونه على أنه أهم شىء فى الوجود .

هل من مصلحة العالم أن يغير الفرد نظرته هذه ، فيرى أنه شىء كسائر الأشياء وإنسان كسائر الناس ، وليس مركزا للدائرة ولكنه نقطة على محيطها ؟ سؤال سخيف ! لأنه سواء كان الجواب إيجابا أو سلبا فسيظل الإنسان هو الإنسان يرى أنه أهم شىء فى الوجود .

قد يعالج الفرد نفسه بعض الوقت ، وقد يروض نفسه حينا على أنه يرى نفسه كسائر النفوس وليس أهم من غيره فى شىء . ولكن سرعان ما ينسى العلاج وينسى ما راض نفسه عليه ويعود سيرته الأولى .

ولكل إنسان دنيا خاصة ، لا تساويها دنيا الآخرين ؛ فدنياه أبوه وأمه وزوجته وأولاده وأقاربه وما يبعثون من ألم وسرور ، وعمله الذى يقوم به وما يسبب من مشاكل وماله وما يتصل " من دخل وخرج ، وأصدقاؤه وأعداؤه ونحو ذلك ؛ هذه هي دنياه الصغرى التى تهمه فى المنزلة الأولى وعليها تقوم مسراته وأحزانه . فإذا ارتقى الإنسان بعض الشىء ، كان له دنيا أخرى تتسع مقدار رقيه بما يشغله من أحداث العالم وما يتصل بوطنيته وبدينه وثقافته ونحو ذلك ؛ وهذه الدنيا الواسعة تتصل اتصالا وثيقا بدنياه الصغرى ، فهو يرى حوادث الدنيا الكبرى من خلال دنياه الصغرى .

إذا حدثت حادثة فى الصين فقلما تثير فى اهتماما ، لأنها لا تتصل بدنياى الصغرى ، فإذا هى حدثت فى شارعى كنت لها أكثر اهتماما ، فان هى حدثت لصديقى أوعدوى تضاعف اهتمامى ، فان هى حدثت فى بيتى كانت فى الصميم من نفسى .

وأقرأ أعمدة الوفيات فى الجرائد والأخبار المحلية وغير المحلية فتوقع كلها على نفسى نغمات مختلفة ، علوا وانخفاضا وتأثيرا وتأثرا ، فكلما كان الخير يمس نفسى الصغرى علت النغمة وعظم الأثر ، ولذلك كانت الجريدة الناجحة هى التى تثير انفعال أكبر عدد ممكن ، لأنها تغذى النفوس المختلفة والدنى المختلفة ، دنيا التاجر ودنيا السياسى ودنيا العالم الخ

وما يؤثر فى بمقدار مائة يؤثر فى الآخر مقدار عشرة ولا يؤثر فى ثالث مطلقا . وما يؤثر فى اليوم مقدار مائة كان يؤثر فى أمس بمقدار عشرة ، وسوف لا يؤثر فى غدا مطلقا ، لأنه كان يمس دنياى ثم سوف لا يمسها لأنه كان فيها ثم خرج من حسابها .

وقيمة أعمالي فى نظرى غير قيمتها فى نظرك ، لأنها منبعثة عن دنياى لا دنياك ، ومؤثرة فى دنياى أكثر مما هى مؤثرة فى دنياك ، وما يقضبنى غير ما يقضبك وما يسرنى غير ما يسرك نوعاوكيفا ، لأن رأيى ومشاعرى وشخصيتى

ودنياى غير ذلك كله عندك ، وأنا أعرف بالباعث لى على أعمالى أكثر مما تعرف .

وأنا وأنت وهو وهى نختلف فى حكمنا على الأشياء ونتفق بمقدار ما بيننا من فروق وموافقات ، فى البواعث والرأى والمشاعر ، وبعبارة أخرى بمقدار ما تتشابه دنيانا او تتخالف ، فعند أغلب الناس وجوه شبه تنتج اتحاد رأى ، ووجوه خلاف تنتج اختلاف رأى ، ولا يمكن أن تجد اثنين قد اتحدت دنياهما .

فى دنياى وفى دنيا كل إنسان متاعب كثيرة مختلفة الألوان ، بعضها حقيقى وأكبرها وهمى - نحب أن تكون دنيانا يا الصغرى أحسن الدنى ، وليس ذلك فى الإمكان . فلو كانت دنياى أحسن الدنى لكانت دنياك - بالطبيعة - أقل منها شأننا ، وهذا لايرضيك ، وتظن أن الله لك وحدك ترجوه أن يمنحك أحسن الطبيات ويدفع عنك كل الشرور ، مع أن الله للجميع ولأرضك ولسمائك ولكل العوالم ، وما أنت وعالمك والنظرة إلى العوالم قد تستلزم محوك من الوجود . نريد أن تكون دنيانا كما نحب أن نصنعها ، وهذا علة كثير من المتاعب ، ولكن كيف يمكننا أن نصنع دنيانا وليس فينا قدرة الخلق ، ودنيانا مرتبطة كل الارتباط بدنيا غيرنا ومتأثرة بها وفاعلة ومنفعلة معها ؟

إن كثيرا من المتاعب ليس سببها المتاعب نفسها ، ولكن عليها النفس التى تنظر إلى الأشياء على أنها متاعب ، ولا يمكن تغييرها حتى تغير نفسك ، ولكن كيف ذلك ونحن المتاعب ؟ إننا فى دنيانا كالعصفور فى القفص تدور فيه ونحن نحن والقفص القفص .

كثير منا يظن أنه فوق القدر وهو - لا محالة - تحت القدر ، وما كان ميلادنا ولا دنيانا الصغرى ولا الكبرى باختيارنا ، ولكن تفتحت أعيننا فوجدنا كذلك أنفسنا وكذلك دنيانا .

ولعل العلاج الوحيد للتغلب على هذه المتاعب الوهمية

معرفة الانسان نفسه ودنياه ، فهو إن عرفها بعيوبها ومزاياها أمكنه تسييرها فى الطريق الذى يناسبها ، يواجه مواضع الضعف على أنها مواضع ضعف ومواضع القوة على أنها مواضع قوة ، وقد يستطيع أن يسلك بمواضع الضعف مسلكا يضيع سوء نتائجها .

لقد اضطرت طائرة إلى النزول فى الصحراء براكبيها الثلاثة فى قليل من الطعام وقليل من الماء ؛ فأما احدهم فأخذ يفكر فى دنياه من زوجة وأولاد وفيما ينتظره من موت ، وكلما قل الزاد والماء تضاعف قلقه ، وأخيرا جن . والثانى فكر فى نفسه وحرمانها من لذائذها وفى قلة الطعام والشراب وشظف ما فيه من عيش ، وتزايد الأمر حتى جن أيضا . وأما الثالث فشغل نفسه بكتابة مذكرات عن حالتهم النفسية ، وأخذ يحللها ويشرحها ويسلى نفسه بتدوين خطراته وملاحظاته ، فنجا من الجنون حتى ساق لهم القدر من أنقذهم .

أكثر الناس يعمون عن نقط ضعفهم كما يعمى الطيار عن موضع الضيف فى الطائرة ، فيطير بها ويسقط ، فإن هو عرف عيبها فإما ألا يطير وإما أن يتدارك العيب وإما أن يطير فى حدود عيبه .

فلأواجه مواطن ضعفى وأخطائى كماهى ، ولأعترف بها فى صراحة بينى وبين نفسى ، ثم لارسم الطريق الذى يناسبها ، ولأطمئن إلى ذلك ، فلكل إنسان مواطن ضعفه . وليس من الضرورى أن تكون مواطن الضعف علامة الرجل الضعيف ، بل فى كل قوى - أيضا - مواطن ضعف ، فإن أمكنك معرفة أسبابها وإزالتها فيها ونعمت ، وإلا فارض بما كان واستعمله خير استعمال .

لقد حدثت فى حياتك أحداث فى عهد الصبا والبلوغ والشباب كان لها أثر كبير فى تكوين نفسك كما هى الآن ، فان تعسر عليك تغييرها فأحسن استخدامها .

ولا تأس على مواطن ضعفك ، فالكهرباء قد تكون

قوية فتحرق . ولو كانت أضعف لأدت الغرض ، وقد تنفع الحصاة حيث لا ينفع الحجر ، وقد ينفع الجدول مالا ينفع البحر .

وهنا رفعت رأسى فرأيت غروب الشمس فى البحر ومنظره الجليل الرائع ، فتركت ما كنت فيه وفنيت فى هذا

الجلال الرائع .

اشترك في نشرتنا البريدية