وفينا بوعدنا وخرجنا هذا اليوم القناطر الخيرية . هذا هو الربيع ، هو موسم الحياة ، ومحمل الجمال ، ومعرض الألوان ، مختال فيه الرياض بما ليست من ثياب ناضرة زاهية ، وتترنح فيه الأغصان بما طربت من أغاني الطيور الصادحة ، يروق العين بأزهاره البديعة ، تجلى كما تجلى العروس فتختال وتتبرج ، وتتعطر وتتأرج ، وترفل في حللها وحليها بين مخطط وملون ، ومدبج ومتسم ، ويروق السمع بأغاريد طيوره ، وشجى بلابله ، ويروق الشم بجمال عبيره ، وعطر نسيمه ، وهو فوق ذلك يروق النفس بكل ما فيه ، فكل شئ فيه جميل ، فهو - حقا - شباب الزمان ، ونموذج الجنان ، وخلاصة العام ، وصفوة الأيام ، لوددت أن هذا الجمال كله تجمع في فم فقبلته ، أو في كوب فشربته ، أو في جسم فأحتضنته ، فإن لم يكن فوددت أن تذوب نفسي فيه فنسري في ماء أزهاره ، أو تغني في غناء أطياره .
وركبنا باخرة نيلية تشق عباب الماء ، وعلى الجانبين المزارع المنبسطة ، والأشجار الباسقة ، والنخيل بفرع الجو إلي السماء ، ويتنعم بأغصان يداعبها الهواء ، والنسيم عليل يميل إلى البرودة ، تنتقل إلي الشمس فتدفأ ، ثم إلى الظل فتبرد ، ونظل ننعم بدفء من برد ، وببرد من دفء .
(حــ) هات وعدك أيها السيد (ب) فقد وعدتنا أن يكون حديثك كله اليوم ضحكا . (ب)نعم وعدتك هذا ، ولكن (جـــ) إني أكره " لكن " هذه . (ب) لك الحق أن تكرعها ، ولكن (حــ) قلت إني أكره لكن (ب) بالأمس ذكرت وعدك وقدرت تبعثني ، فعكفت
على مجموعة عندي من نوادر جحا ، ثم عكفت على مجموعة من مجلة إنجليزية ، وأخري فرنسية فكاهية ، أجمع لك منها نوادر مضحكة ، ثم وجدتني أغرق في بحث عميق في الفرق بين الفكاهة الشرقية والفكاهة الغربية ، ومقدار استخدام الذكاء في النوعين ، ومقدار اللعب بالآلفاظ في إحداهما واللعب بالذكاء في الأخرى ، والأدب المكشوف في ناحية والمستور في ناحية ، وظللت أبحث حتى أنساني هذا البحث النوادر نفسها إلا أن نكون شاهدا ، ثم رأيتني أمد يدي إلي كتب في علم النفس تبحث في الصحك وأسبابه . فوجدت العلماء يثيرون سؤالين : لم نضحك ؟ وما هو الضحك ؟ وخرجت من هذه القراءات بنتائج قيمة .
فسبنسر بحث في أسباب الضحك من ناحية فقال : إن الضحك قد ينشأ من لذة حادة كضحك السكران ، وقد ينشأ من ألم حاد كضحك المصاب بالهستريا ، وقد ينشأ من منظر فكه . ووظيفة الضحك إفراغ شحنة التعب العقلي بواسطة عضلات الوجه والصدر ، وهو ينفس عن التعب العقلى كما تنفس أعمال القسوة عن الغضب ، وكما ينفس البكاء عن الحرن .
وجاء " يرجسون ، فعالج الضحك من وجهة أخرى فبدأ حديثه بقوله : إذا داس رجل قشرة موز فتزحلق فلماذا نضحك ؟ إنما نضحك لأن الرجل مثل دور الجماد في خضوعه لقانون الجاذبية ، ولم يحتفظ بمركزه كانسان ، فالضحك عقوبة للسلوك السئ أو الأعمال الآلية السخيفة . وأخذ برجسون من هذا المثال البسيط يطبق نظريته هذه على كل الأعمال المضحكة، حتى الحركات البهلوانية وإشارات الخطباء السمجين ، والملح والنوادر
(ا) يخيل إلي أن يرجسون مبالغ في نظريته وتعميمها ، وجعل سبب الضحك كله " عقوبة على عمل آلى سخيف" ، فهناك الماجنون والمضحكون لا يرون عقوبة
لهم في ضحك الجمهور ، بل هم يسرون لضحكه ، ويجب أن تقرر أن هناك ضحك عقوبة ، وضحك استحسان - ولماذا تضحك ممن زلقت رجله فتمدد على الأرض ، ويصيبنا الرعب لا الضحك إذا أنزلقت رجله من قمة جبل فتردي ؟
(ب)لقد أدرك برجسون هذا ، فاشترط فيما يثير الضحك ألا يكون مما يثير انفعالا قويا كهذه الحالة . وعلى كل حال فأنا أعرض ما قرأت وقد يكون فيه بعض النقد . واستمر يقول :
وجاء " مكدوحل " فبحث في نظرية الضحك فقال : إن للضحك وظيفتين وظيفة نفسية ووظيفة فسيولوجية ، فمن الناحية النفسية هو يقف مجري الفكر وتسلسله ويريحه من جهده ، ومن الناحية الفسيولوجية يزيد في جريان الدم وسريانه إلى الرأس والمخ ، بتنشيطه الدورة الدموية ، ويتبع ذلك ما نري من أثر الفرح والسرور . أما ما يسبب ضحكنا فهو الأضرار الخفيفة التي تنزل بغيرنا فتثير عطفنا عليه ، عطفا ممزوجا بشيء من الألم ، فيأتي الضحك ليقطع تسلسل هذا الفكر الذي بدأ يتألم ، فنحن لم نضحك لأننا سررنا ، بل إننا سررنا لأننا ضحكنا .
(ا ) لعلي أستخلص من هذه النظرية أن الضحك أتى لينفس عن ألم صغير وليبعد استمراره ، وهذا صحيح في بعض الحالات حتى في الآلم الصغير يلحقنا نحن ، ولكنه لا يصح أن يكون سببا عاما ، فبعض الألم الصغير يضحك وبعضه لا يضحك ، فانزلاق الرجل قد يضحك ، ووخزة بإ برة قد لا تضحك . على أن كثيرا مما يضحك ليس مما يسبب ألما لا صغيرا ولا كبيرا .
( ب ) قلت إني أعرض ولست أنقد - وجاء باحثون آخرون فعرضوا أيضا لمشكلة الضحك . فالأستاذ " جريجوري " عني ببيان أن الضحك أنواع : فضحك انتصار ، وضحك ازدراء ، وضحك إعجاب الخ ، وكلها تنتج تنفيسا عن النفس - ومهما كان فإن الباحثين لم يستطيعوا
- إلي الآن - أن يجدوا قانونا واحدا لكل أنواع الضحك
( ا ) يخيل إلي أن سبب خطئهم راجع إلي أنهم يريدون أن يرجعوا كل الأسباب إلى سبب واحد وأنواع الضحك مختلفة جدا ، فيصح أن تسكون أسبابها مختلفة جدا ؛ فمثلهم كمثل من يحاول أن يرجع أسباب المرض المختلفة إلى سبب واحد مع أنه قد يكون سببه القلب وقد يكون سببه الأسنان .
(ب) هذا صحيح - وبعد أن فرغت من تصفح كتب علم النفس أمضيت ساعات في كتب علم الاجتماع ، فرأيت بعضهم أيضا يبحث في الضحك من الوجهة الاجتماعية ، وبدءوا حديثهم من نقطة أن الإنسان لا يضحك إن كان وحده - غالبا - مهما كانت النكتة التي استحضرها في ذهنه مثيرة للضحك العميق . إنما يستثار الضحك العميق في جماعة من الأصدقاء أو المعارف ؛ ولهذا الضحك وظيفة هي توثيق الروابط بين الجماعات - وهناك فرق بين أن نضحك من الشخص وأن نضحك على الشخص ؛ فإذا ضحكنا من ممثل أو ماجن أو مقتدر فإننا نحاول ضمه إلى المجتمع ونوثق معه روابطنا ، وإذا ضحكنا على شخص ضحك ازدراء وتحقير لأخطاء ارتكبها أو لقلة ذوق منه أو غفلة فإنما نشعر بارتباطنا ضده ، ونعلن بضحكنا عليه أن بيننا صلة مشتركة ، وهي أننا لانقع في مثل ما وقع فيه - وقد عرف البلغاء ما يوثقه الضحك من الترابط ، فجرت عادة الخطيب أن يبدأ حديثه وينثر في ثناياه ما يضحك ليوثق الصلة بينه وبين سامعيه ، فيستغلهم في قبول موضوع خطابته ، وكذلك يفعل الكاتب الروائي وغيره .
ثم لاحظوا في المجتمع الضاحك أنه لابد لضحكهم من أن يكون بينهم قدر مشترك من الذوق والعاطفة والثقافة ! ولهذا قد يغرق قوم في الضحك من نكتة ، على حين أنها لا تستخرج من قوم آخرين ولا التبسم ، بل قد تدعو إلي
الإشمئزاز والنفور ، كما أن الأفراد والجماعات والبلدان يختلفون في " حس الضحك " . فمنهم من فقد هذا الحس فلا يضحك مما يضحك منه ، ومنهم من نما عنده هذا الحس حتي ليضحك مما لا يضحك - وعلى الجملة فالضحك يخدم المجتمع من نواح كثيرة : من ناحية تفريحه وإدخال السرور عليه ، ومن ناحية توثيق الروابط بين جماعاته ، ومن ناحية تخويف من يخرج على تقاليده - وعاداته وأخلاقه - بالضحك عليه ضحك سخرية واستهزاء ، وهكذا . وكنا بهذا قد وصلنا إلى القناطر
(حـــ) ما شاء الله ، ماشاء الله ! أهذا كل محصولك من الضحك ؟ والله إن نكتة واحدة باردة خير مما قلت كله ، وليس في كل ما ذكرت شئ له قيمة إلا إذا أخذته على أنه نكتة سمجة . ولكن يا أخي صدقني أن لك موهبة لا تجاري ، وهي أنك تستطيع بقدرة قادر أن تقلب كل سرور إلى غم ، وفي باطن نفسك "مستودع" من الزفت ،
كلما رأيت شيئا جميلا أو منظرا سارا أخرجت من هذا الزفت ولطخت به هذا المنظر ، فانقلب أسود حالكا بعد أن كان أبيض ناصعا أو أحمر زاهيا ؛ فليبارك الله لك في موهبتك ، وليزدك بركة حتى تملأ عيشتك سوادا ، وإلا فقل لي : كيف استطعت أن تحول نوادر جحا ونوادر المجلات المضحكة في الإنجليزية والفرنسية إلي هذه السخائم ؟ أما أنا فلو أعطيتني كل كتب علم نفسك واجتماعك العابسة لقلبتها سكنا مشرقة .
(ب) أقر لك بمعجزي في هذا الباب ، وسأترك لك الميدان من الآن إلي أن تعود في إضحاكنا بحديثك وملحك ، ولكن أسمح لي بشيء واحد ، وهو أن أطبق على كل ملحة من ملحك نظرية سينسر ومكدوجال وجريجوري لأتعرف صدقها من كذبها .
(حـــ) والعياذ بالله ، أبيحك هذا بشرط واحد ، وهو ألا تحدثنا بما يدور في خلدك .

