كانت جلسة ظريفة على شاطئ النيل ، والنسيم عليل ، بعد نهار يخنقنا بحره ويلقحنا بسمومه
في رفقة منسجمة تتسامر وتتحاور ، وكل شئ حولها هادئ ، نور هادئ ، و نسيم هادئ ، ونيل هادئ ، وحوار هادئ
وكانوا يختلفون في ثقافتهم ويتحدون في قوة عقلهم وسعة نظرهم ونيل عواطفهم : من مؤرخ صرف عمره في تحقيق الأحداث ، والبحث في تعليلها وأسبابها ونتائجها ، واقتصادي يرى وراء كل شئ ورقة مالية ، أو نقودا ذهبية وفضية ، حتى ما نسميه نحن بواعث روحية ، وأديب يتفلسف ، أو فيلسوف يتأدب ، له نزعة شعرية وطبيعة صوفية .
أخذ الحديث يجري على هواه من غير ضابط ، فمرة يسير في اتجاه السلم والحرب ، وتارة في الشرق والغرب ، وأخيرا تركز في أسباب نهضة الأمم وكيف يجري الزمان في سهولة ويسر ونظام وإذا بحادث فجائي أو أحداث فجائية تغير مجرى الأمة تغيرا خطيرا ، حتى كأنها بعثت بعثا جديدا ، وحتي يخيل للناظر أن ليس من صلة بين قديمها وحديثها ، ونومها ويقظتها
قال صاحبنا المؤرخ : تعليل ذلك عندي ما تلده الأمة من عظماء ونوابع ، والزمان شحيح في ولادتهم . فقد يمر العصر الطويل وهو عقيم ، ثم يلد عظيما فيغير وجه التاريخ ، وكأن في بده عصا سحرية يحول بها الحديد ذهبا ، والخمول نشاطا ، والضعف قوة ؛ والتاريخ نفسه أكبر شاهد على ذلك ، فما الأمة العربية لولا " محمد " : وما الفتوح الإسلامية وتنظيمها لولا " عمر " ؟ وهكذا
تقول في سائر الأمم أمثال الإسكندر ويوليوس قيصر ونابليون وغيرهم . إنهم يأتون فيفرضون قوتهم وروحهم على الأمم فيسيرونها حسبما رسموا ، ويملون إرادتهم على أحداث الزمان ، فيتشكل التاريخ وفق أغراضهم ، وتسير الفتوح أو الثقافة أو أشكال الحكومة تبعا
لارادتهم ، ويتحدد مستقبل أممهم بما نفخوا من روحهم ، ونشروا من تعاليمهم ، وأوضحوا من غايتهم . وهؤلاء العظماء النوابغ- عادة - يخلفهم من يؤمن إيمانا تاما بمبادئهم ، فيسيرون على طريقهم ، ويكملون ما بدءوا به ، وإن كانوا أقل منهم قوة وأضعف أثرا .
هذا هو قانون التاريخ قديما ، وهو قانونه حديثا ، فلو أتاح الله لأمم الشرق اليوم نوابغ أقوياء ، لتغير مجرى حياتهم ، وارتفع شأنهم ، وتلفت العالم إليهم يسبح بحمدهم .
وفجأة كسر هذا الهدوء رجل ضخم الصوت ينادي : " العظيمة يا منجه " فالتفت الصحب إليه وأعجبتهم فاكهته ، ونادوا فتى القهوة فغسلها وثلجها ، وجرى ريق القوم ، وأخذوا ينعمون بأكل شهي إلى الحديث الشهى .
قال صاحبنا الاقتصادي وهو يتلمظ :
- أظن يا أستاذ أن هذا غير صحيح ، أتظن أن هذا العظيم ينزل - على الأمة - في مظلة من السماء ، أو يخرج فجأة من الأرض ؟ إن لخروج العظماء والنابغين قانونا طبيعيا لا يتخلف ، كقانون الحرارة والبرودة والجاذبية ، وإن كان أكثر تركبا وتعقدا ، فالنوابغ نتيجة لا سبب ، هم تعبير الحياة الاجتماعية . العوامل المختلفة تعمل ، والأحداث تتفاعل ، والنفوس تتهيأ ! فإذا الأمة تتمخض عن نابغة ؛ فالأحوال الاجتماعية أولا والنوابغ ثانيا ، وليس العكس . إن الحالة الاجتماعية
إذا تهيأت واستعدت بحثت عمن يقود الحركة وخلمت عليه الزعامة ، فإذا اتجهت إلى " س " فعاقته عوائق عن النبوغ اتجهت إلى : ص ، وعلى كل حال فلا بد من نابغة ، فإذا لم تتهيأ الظروف فلا نابغة ؛ وهذا هو تعليل عدم الانتظام في ظهور النوابغ ، فيظهر كثيرون في زمن ، ولا يظهر أحد في أزمان .
لست أنكر التأثير الكبير للنابغة ، ولكنه لا يكون إلا بعد أن تتهيأ الأمة أولا ، ولو فرضنا أن النابغة خلق وجاء لأمة على غير استعداد لتعاليمه لم يفد أية فائدة وذهب كما جاء إنما يفيد النابغة يوم يجد عقولا خصبة كانت تنتظر الزعيم فتدخل في دينه وتتجمع حوله ، وتكون جنده ، يفتح بهم أمته ، ثم أمماً مع أمته .
وفرغوا من أكل " المانجو " (و لخمته) وتفرغوا للجو والحديث .
المؤرخ : إن نوابغ الأفراد لا المجتمعات هم الذين يأتون بالأفكار الجديدة الثورية - في الأخلاق ، في السياسة ، في الفنون ، في العلوم ، ووظيفة المجتمع أنه يعرقل سيرهم أولا ، ويضع العقبات في سبيل تعاليمهم . ويتهمهم بالروق والزندقة والافساد ، ويصب عليهم العذاب ألوانا ؛ ومع ذلك تبقى آراؤهم ، ويزيدها العذاب قوة ، ثم تكتسح الأفكار القديمة وتحل محلها ، ثم ما كان من الأفكار جديدا ثائرا يصبح قديما محافظا . حتى يأتي النابغة فيعيد السيرة ، وهكذا دواليك إلى اليوم ، وإلى غد ، وبعد غد .
فترى - يا أخي - من هذا أن المجتمع ليس سبب النهوض والتغيير ، إنما هو عامل القرار والثبات ؛ فاذا كان لا بد المجتمع من قوتين : قوة الدفع وقوة الجذب ، فالنوابغ هم الدافعون والمجتمع هو الجاذب ، النابغة يحمل الشمل والمجتمع يحاول إطفاءه ، وكلما كان النابغة اكثر رقيا وأشد إمعانا في النظر ، كان أ كثر بعدا عن قومه ،
وكانوا له أكثر اضطهادا ، حتى ليرمى بالجنون ، وبعد اضطراب وعنف وتخريب وضحايا يستقر رأي النابغة ، وكثيرا ما يحدث أن يكون ذلك بعد موته أو قتله ، ثم تسفر النتيجة عن أن النابغة هو المقترح ، ومشخص المرض ، وواصف العلاج ، والمجتمع أخيرا جدا هو منفذ العلاج
وهنا أدار أحدهم عينه في الأفق ، فلمح نجما يلمع لمعانا براقا ، فقال : انظروا هذا النجم الصافي اللامع المضئ القوي ، ما اسمه ؟
- والله لا أدري ، فأنا أجهل الناس بشيئين : سماء النجوم وأسماء النبات ، فلست اعرف من النجوم إلا الشمس والقمر ، ولا من النبات إلا النخل والذرة ، حتى القطن لا أعرفه إلا إذا (لوز). ضحك من الجميع
الاقتصادي : إنك لم ترد على شيء مما قلت ، غاية الفرق بيني وبينك أنك عمدت إلى النتائج فأوضحتها ، وأنا أعمد إلى الأسباب فأشرحها ؛ إنك تبين عمل النابغة ، وأنا أبين الأسباب التي تحمل على خلق النابغة ؛ وخير إذا شرحنا الأمور أن نتعمق إلى جذورها ، فاذا نحن عمدنا إلى ذلك رأينا أسباب نهوض الأمم وتغيرها أسبابا اقتصادية بحتة
كل شئ في هذه الحياة يرجع إلى المادة ، فهي التي تعكس صورها وأثرها على العقل ، فيجب أن تتغير المادة - أولا - ثم يتبعها العقل في التغير فيكون الرقي أو الانحطاط ؛ ولو رجعنا إلى التاريخ - كما تقول - لوجدنا كل الآراء وكل النظم ترجع في أساسها إلى البيئة التى نشأت فيها والتغيرات التى وضعت لها . لقد كان الانسان الأول يعيش على صيد الحيوان في البر والسمك
في البحر ، فكانت آراؤه وأفكاره ومعيشته مشتقة من بيئته ، ثم تغيرت البيئة ، فأصبح يعيش على رعي القطعان أو الزراعة ، فتغيرت آراؤه وأنواع معيشته وحاجاته تبعا لذلك ، ثم تغيرت إلى نظام إقطاعي ، ثم إلى نظام رأسمالي ، فتغيرت كل نظمه وكل آرائه حتى الأخلاقية والسياسية ؛ ويمكن أن نرجع أدق التفاصيل وأعمق الأفكار إلى هذا النوع من البيئة كما درسنا في الاقتصاد ؛ ولكن مما لاشك فيه ذلك أن أنواع الحياة وتفاصيلها وعواملها
أصبحت الآن أكثر تعقدا ، لأن كل النظم القديمة النابعة من البيئات القديمة لم تفقد أثرها وورثتنا كثيرا من تعاليمها ووحيها . لم يكن في المجموعة من الناس طبقات يوم كانوا يصيدون ويرعون ، ثم لما أصبحت زراعية نمت الملكية الخاصة ، فكان غني وفقير ، وبدأت الطبقات ، ونشأ عن ذلك مالك وأجير ، أو مالك وعبد ، فوجد نوعان من العلاقة : علاقة الملاك بالبيئة الطبيعية ، وعلاقة الملاك بالعبيد ، فنشأ عن هذا تغير في الأفكار لا عد لمظاهره وتثرات واضطراب ، ومصلحون ونوابغ
يحلون هذه المشاكل ، وتعقدت هذه العلاقات في النظام الإقطاعي ، ثم زادت تعقدا في النظام الرأسمالي ، وما نشاهد من عادات ومن رقي ومن اختراع ومن أسواق ، ومن نظريات في الاقتصاد ، ومن نظم في التجارة ، ومن مذاهب اشتراكية وفاشية وشيوعية ، ومن نزاع طبقات ، ومن حروب أمم ، كله نتيجة هذه العوامل الاقتصادية ، وإن شئت فعل البيئة الطبيعية
ثم استمر يقول : وإني أومن بالجبر على هذا المعنى معني أن نوع الحالة الاقتصادية منتج لا محالة نوع المعيشة الاجتماعية التى يعيشها الشعب ، واختيار الانسان وبواعثه وحرية إرادته كلها تلعب في دائرة ضيقة ضمن الدائرة الواسعة وهي دائرة الجبر ، كحرية الانسان في بيت مغلق ؛ والنوابغ الذين ينبغون في كل عصر مع الاعتراف بقوة
أثرهم إنما هم نتيجة هذه الظروف الاقتصادية ؛ وحتي رقي الآداب والعلوم والفنون أو ضعفها ناتج أولا من الحالة الاقتصادية ، فهي التي يخلق نوابغها ، ثم هؤلاء النوابغ يسيرون حركتها
وأحداث التاريخ التي أشرت إليها يمكن أن تفسر هذا التفسير الاقتصادي ؛ فحالة العرب الاقتصادية قبيل البعثة كانت متهيئة لنبي ، ولأمر ما كانت بعثة النبي في مكة ، لا في غيرها من بقاع جزيرة العرب ، لما كان فيها من الحركة التجارية العظيمة ، فهي مورد التجارة من الخارج ، وهي مصدر الاصدار لسكان الجزيرة في أيام الحج ، بما كانوا يقيمون من اسواق ، وما كان من أدب في سوق عكاظ فتابع للسوق التجاري ؛ ولأمر ما كذلك كان أكثر من دخل في الإسلام أول الأمر من رقيقي الحال
الذين سماهم صناديد قريش " الفقراء والمستضعفين والأزلة وأكثر الذين عصوا وعاندوا هم الأثرياء الأغنياء كأبي جهل ، وأبي سفيان من الذين خشوا على مركزهم المالي وما يتبعه من جاه ؛ وفي القرآن كثير من النصوص التى عني فيها بالشؤون التجارية ، كمن الله على قريش بتيسير اسباب التجارة " لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف " وتأنيبه الذين( إذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما " ،
وتحريم الربا ، وحل البيع ، إلى كثير من ذلك ، ثم المطالبة بنزول الأغنياء عن بعض مالهم للفقراء بالزكاة والصدقة ونحوهما ؛ كل هذه أمور اقتصادية هيأت الظروف وأنتجت النتائج . ويمكنك على هذا الأساس - وبهذه النظرة الاقتصادية - أن نفسر أحداث التاريخ الاسلامي والثورات ورقي العصور وانحطاطها
والآن يمكن تطبيق هذا على الشرق والغرب والمستعمِر والمستَعمر ، فالاستعمار ليس إلا ظاهرة اقتصادية ، إذ أدي الانقلاب الاقتصادي الذي حدث في
أوربا في القرن الثامن عشر إلى التوسع في الإنتاج الصناعي ، فاحتاجت أوربا إلى امتلاك مستعمرات تحصل منها على المواد الأولية للصناعة ثم لتصرف فيها سلمها ؟ فكانت خيرات الشرق للغرب ، وأصبح الاول ضعيفا غير ناهض ، لفقره ولسوء حالته الاقتصادية ، والعكس . فان شئت للشرق رقيا فأعنه ، وابحث عن الطرق التي تمكنه من استغلال بيئته الطبيعية لنفسه ، فإذا هو غني وإذا هو عالم ، وإذا هو اديب ، وإذا هو مخترع وإذا هو ما شئت .
ساد الجميع سكون لم أتبينه ، أهو سكون رضى واقتناع ، أم هو سكون تفكير واستعداد للدفاع !
والتفت أحدهم إلى الأديب المتفلسف أو الفيلسوف المتأدب ، فقال : ما رأيك ؟ لقد أطلت السكوت وسمعت وجهتي النظر . وكان طول الجلسة ساهما حالما يسمع بنصف نفسه ، ونصفها الآخر في الجو والهواء والنيل والسماء
فقال : أما أنا فاني أردد قول الله تعالى : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، رأيي ان كليكما حكى بعض الحقيقة ؛ فليس عامل التغير النابغة وحده ، ولا الفرد وحده ، ولا البيئة وحدها ؛ وإنما هو " الانسان في البيئة " والنابغة في الظروف ؛ وكلا كما أهمل جدا جانب الروح ، مع أن التاريخ كله ليس تاريخ النوابغ ولا تاريخ المال ، وإنما هو تاريخ الروح ايضا
إن الروح الانسانية تسعى دائما لغايتها المرسومة لها ، وغايتها الحرية العاقلة ، والظروف الخارجية تضغط عليها ، وهي تحاول دائما دفع هذا الضغط وكسر الأغلال حتى تصل إلى غايتها .
وأحداث التاريخ سلسلة من الضغط على اختلاف الأشكال ومحاولة النفس تحررها من الضغط والأغلال غير
العاقلة ، وهي دائما في خطوات إلى الأمام نحو تحقيق هذه الغاية
ومن الخطأ في نظري تفسير كل شئ بالمادة وإهمال الروح ، والقول بأن الانسان مسير بجيبه لا بروحه . إن النظر إلى المادة وحدها جعل الغرض المنشود هو القوة المادية بالمال وبالقوة الحربية ، فماذا كانت نتيجة ذلك ؟ نتيجته صراخ الأرض حتى ضجت من صراخها السماء ، وتلوين الخرائط بمالك ومستعمر ، واستعباد أكثر الإنسانية لأقلها ، ولذة الأقلين بألم الأكثرين . إن
الأمم ظلت تتسابق في القوة المادية حتى ضاعت حكمة حكيمها ، وفلسفة فيلسوفها ، وعميت عن الغاية من القوة واتخذتها غاية لا وسيلة ، حتى ذهب من الأرض سلمها وجمالها ؛ وفي التاريخ ما يرشدنا إلى أن القوة المادية كالقوة العسكرية تنتهي دائما بتحطيم نفسها . كان كذلك اليونان والرومان ، والقرطاجينيون ، ومن أتى بعدهم إلى اليوم .
إن العالم قوى جسمه وقوى عقله وقوي يده ، وبقي عليه أن يقوي قلبه ؛ ولعل الكوارث الحاضرة تنتهي إلى الالتفات إلى القلب كما التفت إلى إخوته .
وقوة الروح هي التي تغير الأمة وتخلق المادة
الاقتصادي : ألست ترى أن دعوتك إلى الروحية كدعوة المتصوف إلى الصوفية ؟ وما ظنك بصوفي ينازل جنديا مسلحا ؟ إن شئت أن تدعو إلى الروح فنعم الدعوة ، ولا تدع إلى وضع السلاح حتى يضمه خصمك ، وإلا أكلت .
الأديب - إن السلاح سيأكل نفسه . الاقتصادي - إني أشك . ونظر أحدهم إلى الساعة فوثب قائلا : هذا آخر موعد لآخر ترام
