الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 228الرجوع إلى "الثقافة"

فى الهواء غير الطلق

Share

دق جرس " التليفون " صباحا : - آلو . . . - صباح الخير . .

- أمدعو أنت لحفلة عرس فلان ؟ - نعم . وستذهب

نعم . - إذن مر على في الساعة الثامنة مساء لنذهب معا . - مع السرور .

ووضعت السماعة ، وكان الذي يتكلم أستاذنا الفيلسوف الذي حدثتك عنه ، فأحست شعورا مزدوجا ، سرورا بألم ، ورضا بغضب .

لقد كنت أؤمل ليلة خفيفة فيها أكل شهي ، ومنظر بهي ، وغناء مطرب ، وتنادر فكه ، وراحة من كتب ، وفرار من درس ؛ فإذا كل هذا الامل يخيب من هذا الحديث القصير ، فقد توقعت درسا في الفلسفة ، ومحاضرة في الحكمة ، وإن كنت أجهل موضوع الدرس ومدار البحث ، فصاحبنا مهما تحدث لا يتحدث إلا فلسفة ومهما تلقف موضوعا فهو يعمق فيه إلى ما تحت الطبيعة ،

أو يعلو فيه إلي ما فوق المادة ، وهو قادر على ان يفلسف كل شئ ، حتى أبعد المسائل عن الفلسفة ، ولكنه في حديثه خفيف الروح ، حلو النفس ، جيد المحاضرة ، حسن التفنن ؛ وهذا ما خفف علي بلواي ، ثم له علي حق الأستاذية ، والأبوة العقلية والروحية ، قوطنت نفسي أن أضحي بلذة عيني وسمعي للذة عقلي ، وقدرت آني سأنتقل من مكتبة إلي مكتبة ، وسأكون في فصل من مدرسة ، وإن كان المظهر حفلة عرس ومجال انس ،

وذهبت معه وأمري إلي الله .

حضارة أمم في دار ، ليلها نهار ، معرض فنان ، وجمال ألوان ، وغيد حسان ، وروائح الجنان ، وموسيقي تصدح بأعذب الألحان ، ووجوه فرحة ، ونفوس مرحة ، وفي كل ركن وكل حجرة منظر خلاب ، من مرح الشباب .

وإذا أنا وشيخي في هذا الحفل اناجب كأننا نشاز في نغم ، أو تعويذة في سلك درر .

قال شيخي : ما أنصفنا إذ أتينا ، ولو علمت ما جئت ، فأنا إذا وجدت هذه المناظر فقدت نفسي ، ومع هذا فهنا في رواية تمثل على مسرح ظهور بمنظرها ولا نشترك في تمثيلها .

وانتحينا ناحية ، واسترحت واستراح الشيخ من المقابلات والتحيات والحفاوات ، وعادت إليه شهوته للكلام ورغبته في التفلسف ، فقال :

- انظر : كل هذا بعض ما تفعله الغريزة الجنسية ، إليها يرجع الفضل في إعجابنا باللالوان البراقة والأشكال الجذابة والأصوات الجميلة ، بل إليها يرجع في نظري كل فن جميل ، فالحفر والتصوير والموسيقى والشعر والنثر الفني وأوزان الشعر وأنواع البديع ما كانت تكون لولا الغريزة الجنسية ، وكل ما في اللغة والأدب من وصف الجمال والقبح ، والغزل والنسيب ، والهجر والوصال

ولذة الحب وألمه مرده إليها ، بل وإليها يرجع عالم البيت وعلاقاته وشؤونه من زوجية وأبوة وبنوة ، وكل ما يتصل بذلك من ملاذ وألام ، وما تلعب فيه العواطف من حب وبغض ، ورضا وغضب ، ورحمة وقسوة ، وما شئت من أشكال وألوان

- راقب الألاعيب المختلفة أمامك من مرح وضحك ، وحركه وسكون ، وهرج ومرج ، واناقة في ملبس ، وتأنق في حديث ، وموسيقي جميلة ، سارة وحزينة ، وحلل

كل ذلك إلى عوامله الأولية ، تره الغريزة الجنسية .

- بل اخرج من عالمنا هذا الضيق إلي العالم الفسيح ، ومن هوائنا غير الطلق إلي الهواء الطلق تر غناء الطير من هديل الحمام ، إلي سجع القمري ، إلي عندكة العندليب ، إلي قطقطة القطا ، إلي زفزقة العصفور ، إلي نقنقة الدجاجة ، إلى نحو ذلك ؛ إنما تبعث عليه الغريزة الجنسية ، وقل مثل هذا في صهيل الفرس ، وحنين الناقة ، وخوار البقر .

بل خطا أستاذنا " دارون " ومدرسته أكثر من ذلك ، فزعموا ان جمال الوان الطبور والحيوان إنما منشؤ الغريزة الجنسية والانتخاب الطبيعي ، فتحجيل الفرس وبياض غرته ، وزركة الطاووس ، ونفش الفراشة ، والنكت البيض والعفر والسود والخمر في الطائر والحيوان إنما هي تبرج للغريزة الجنسية

قلت : لم يبق إلا أن يقولوا كذلك في الأزهار وألوانها ، وجمال الورد ، وزرقة البنفسج ، وبياض الياسمين ، وزركشة " النفسية

قال : نعم ، كذلك قالوا ، حتى لو عدمت الغريزة الجنسية لم يبق من الجمال في العالم شئ .

قلت : وجمال الطبيعة

قال : لم نكن ندرك لها حالا لو فقدنا هذه الغريزة - ولم يصنع الإنسان  اكثر من أنه اخذ ما يفعل النبات والحيوان فرقاه ، في شعوره بالجمال وفي شعوره بالواجب ، وفي الحب الزوجي والأبوي ، وفي الغناء ، وفي الرقص وفي الزينة والتزين ؛ وقد فعل في ترقية كل ذلك ما فعله في المأكل والمشرب والملبس من تعقيد وتجميل ، والاساس في كل ذلك ما عنده وعند كل حي من الغريزة الجنسية .

قلت في نفسي : سبحان ربي ، أفي مثل هذا الجو تثار مثل هذه المشاكل ؟ وانحي من هذه الملاحة

والوضاءة ، وأحرم من قراءة نسخة الحسن في الوجوه لأقرأ نسخة من أرسطو ، ومن سمع الألحان لسمع ، الكيان ( ١ )

ودعينا إلي سماط فخم فيه كل ما تشتهيه الانفس وتلذ الآعين .

قلت لشيخي : ما هذا

قال : كأنه كتاب أنيق ، حسن الديباجة ، محكم الوضع ، متناسق التبويب ، متنوع الاساليب ، قد استوعب الأصول وأحاط بالفروع .

قلت : ارسطو ورب الكعبة

وصمت الشيخ فلم يتابع حديثه ، وكأنه ضن بالفلسفة أن يسمعها غير أهلها ، أو تقال في غير محلها ، فخمدت الله إذ استعضت عن الأكلة في فكرة بأكلة في نظرة ، وحدث ما شئت عن جمال وظرف ، واناقة ولباقة ، وفكاهة حلوة على نغمة حلوة ، وهمسة خافتية تتبعها ضحكة عالية ؛ حتى انهينا من أكلنا هنيئا مريئا ، وعدنا إلي مجلسنا في ركننا ، وبالمتكلم رغبة في أن يتكلم أكثر مما للسامع أن يسمع ، ثم قال . إلي أين وصلنا ؟

قلت : إلي ان كل فن في الإنسان ، وكل غنا ، للطيور والحيوان ، وكل برقشة للنبات سببها الغريزة الجنسية .

قال نعم وقد فكرت طويلا في هذه الغريزة ، وما القصد منها ، فتبين لي أن الطبيعة منحتها بقصد " استمرار الحياة ، وقد كانت الطبيعة سخية فمنحت منها  اكثر من الحاجة إليها ، فرصدت " للاحتياطي " منها أكثر مما يلزم ، ومنحت الإنسان من الحب اكثر مما يقتضيه بقاء النوع واستمرار الحياة ، فصرف جانبا منه في هذا الغرض الأساسي ، وفاض ما عنده فصرفه في اللعب بالعواطف ، وممارسة الفن ، وانفق جزءا منه في تربية البنين والبنات ليكمل غرضه في " استمرار الحياة ، ويجعله استمرار حياة

تأخذ في الرقي والتقدم ؛ ولما كان حبه أكثر من الحيوان كانت تربيته لنبوعة أرقي وأنفع ، فاستطاع أن يرقي ملكاته ، ويربي مواهبه علي مدي الزمان حتى لتشعر بالفرق الكبير بين الإنسان الحاضر والإنسان الماضي ، ولا تشعر بفرق كبير بين القط الحاضر والقط الماضي ، وبذلك امتاز الإنسان بأن ليس الغاية من غريزته الجنسية حفظ نوعه واستمرار حياته فقط ، بل غايته أيضا ترقية النوع إلي أن يصل إلي درجة الإنسان الكامل - وكل القوانين التي شرعت للزواج والطلاق وحقوق الأسرة ، وعقوبة الزنا ، وما إليه إنما كان الغرض منها حماية هذه الغريزة الجنسية حتي تؤدي غرضها على الوجه الأكمل ، واختلاف هذه الشرائع رقياً وانحطاطا اختلاف في التوفيق في فهم الغرض الأساسي ووسائله ، أو عدم التوفيق - وقد وجد في الطبيعة من فسدت منه هذه الغرزة الجنسية كما يوجد من فسدت غرائزه الأخرى ، فهناك المعتدل في شهوة الأكل ، ولكن بجانبه النهم ومن لا يشتهي الطعام ، كذلك هذا ، فمن الناس أبو العلاء ، وأبو نواس ، وصريع الغواني ، والإغراء في هذا الباب أقوى ، والخيل فيه أوسع ، لهذا التفت التجار إلي أن يستغلوا هذه الغريزة ويستهوها بشتي الوسائل حتى السينما والتمثيل والصحف والمجلات ، والتفت المشرعون لصد هذا التيار ، ووقف الغريزة عند حدها المشروع ، فكان صراع أين منه الصراع على المأكل والمشرب والملبس .

وبينا هذه الناحية من الغريزة الجنسية تشغل رجال الدين والآخلاق والاجتماع إذ كانت هناك ناحية اخري منها تشغل بعض علماء النفس ، فقد لفت نظرهم تعدد أنواع النساء والرجال ، ولعب الغريزة الجنسية بهم العابا مختلفة ، لماذا يحب هذا الرجل هذه المرأة دون تلك ؟ إن في مجال هذه الألعاب مناظر نفسية مختلفة ، هذه امراة تثير في الرجل خياله ومشاعره وأحلامه ، تجذبه وتضطره ان يتحمل

في سبيلها الآلام ، ويتخطى العقبات ، ولها سر مجهول يجعل حبه لا يفني ولا ينقص مهما تغيرت الظروف .

وهناك امرأة أقل منها شأنا تثير هذا الحب والجاذبية ولكن في إمكان الرجل ان يتغلب عليه بسلطان عقله ، لأن ما تثيره من حب هادي غير عنيف .

وهناك امرأة تثير في الرجل إعجابه لا من طريق شخصيتها ، بل من طريق ملابساتها ، كذكائها وذوقها ، فالرجل ينظر إليها نظرته إلي الصديق الموائم ، والأخ المنسجم .

وهناك امرأة تلهب شعلة كشعلة القش ما تشتعل حتى تخمد ، وإذا خمدت فالكراهية والاستنفال والنفور ، إلي غير ذلك من أشكال وألوان .

وشأن الرجال في نظر النساء شأن النساء في نظر الرجال ، بل قد تكون امرأة في نظر رجل من الصنف الأول ، وفي نظر آخر من الصنف الرابع وهكذا ، ولذلك يخرج من عشر رجال وعشرة نساء اشكال عدة وعلاقات مختلفة - هل درست التوافيف والتبادليل في الحساب ؟

قلت : نعم

قال : هو هذا ، ولبعض علماء النفس في ذلك بحوث تستخرج العجب ، سأقص عليك طرفا منها في فرصة أخرى ، وأزيد الآن على ما قلته أن كثيرا من اسباب السعادة الزوجية أو الشقاء يرجع إلي هذا السر الخفي ، وبدأ الناس في الانصراف فانصرفنا ، وركبنا عمربتنا، وفي الطريق ظل يتدفق .

أرأيت كيف أن الطبيعة وضعت فينا هذه الغريزة ، وسخت في منحها ، فلعبت بنا هذه الالاعيب في الفن والغزل ، وفي الحياة ومتاعبها ، لقد اخفت عن الإنسان سرها ، وحجبت عنه فهمها ، وسخرته في خدمتها . وهو يظن أنه حر طليق بلعب الأعيبه باختياره وإرادته ، وهو عبد لغريزته ، لقد ضحكت منه الطبيعة وهو - من عقلته

يعتقد أنه هو الذي يضحك منها قلت : أما وقد كشفت لعبتها ، فهل تري رأي أبي العلاء .

تواصل حبل النسل ما بين آدم  وبيني ولم يوصل بلامي باء

تثاءب عمرو إذ تثاءب خالد    بعدوى فما أعدتني التنؤباء

قال : لا ، فرأي أبي العلاء قلب للوضع ، وتحريف للجنس ، والإنسان الكامل ليس من يحارب طبيعته ، بل من يرقي بطبيعته ، وأرقى انواع الحب كحب الوجود ، وحب الله ، لم ينشأ إلا مما أفاضته علينا الطبيعة من حب الجنس .

لقد كان أبو العلاء وأمثاله يرون أن الغريزة الجنسية عائق عن تحرر النفس ، وانها مانع من موانع رقيها وسموها وأن كمال الإنسان في التخلص منها وأمانتها بكبتها ، وانها في الإنسان ضرورة محزنة ، وعلى هذا الأساس تأسست نزعة الرهبانية ، ونظر الأدبرة ، وخلوات الصوفية ، ولكني أري غير هذا الرأي ، نعم إن الغريزة الجنسية كم حطمت

من أفراد ، بل كم حطمت من أمم ، وجعلت حياتهم ليست إلا حياة بهيمية مزوقة ، وجعلتهم يسخرون كل ملكاتهم الأخرى - من ذكاء وعاطفة وقدرة - لخدمة هذه الغريزة ، ولكني أري أن من الممكن ان يتساعي الإنسان من طريق وجودها لا من طريق إعدامها ، ومن الممكن تحويلها من مصدر شر للإنسان إلي مصدر خير ، وخير الإنسان أن يمنح نعمة الحب فيعدلها ويلطفها ، ويستخدم ما ينبعث عنها من عواطف لخير نفسه وخير إنسانيته ، من أن يحرم الحب ، ولو عاش بعقله .

ومسألة أخرى عظيمة الأهمية في هذا الموضوع وهي أن الإنسان

وهنا وقفت العربة أمام بنت الأستاذ ، فودعته وانصرفت ، ونظرت ، فإذا انا قد عدت من حفلة العرس يخفي حنين ، ومن الفلسفة بملء اليدين ، فخاسر أنا أم رابح ؟

اشترك في نشرتنا البريدية