الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 156 الرجوع إلى "الثقافة"

فى تعليم البنات

Share

نسائيات :

٤ - سباق ولا هدف

أخذت الفتاة المصرية مكانها إلي جانب الفتى في دور العلم ، تدرس ما يدرسه . واحتدم بينهما السباق ، وقد أرادت الفتاة أن تفوز بالسبق ، فكان لها ما أرادت . وسجلت الآرقام تفوقها على الفتي في ذلك الشوط العنيف .

ففي العام الدراسي الأخير ) ١٩٤٠-١٩٤١ ( كانت نسبة النجاح في امتحان الدراسة التوجيهية بالمدارس الأميرية ٤.٤٤ % للبنات ، ٣٨.٦ للبنين .

وفي المدارس الحرة ، كانت نسبة النجاح في مدارس البنات ٣٢ % وفي مدارس البنتين ٢٨ %

وفي امتحان القسم الثانوي العام ، وكانت نسبة النجاح في مدارس البنات الأميرية ٥٥,٤ % وفي مدارس البنات الحرة ٤٢ % - على حين كانت النسبة في مدارس البنين ٢٧,٦ %

وفي امتحان شهادة الدراسة الابتدائية ، كانت نسبة النجاح في المدارس الأميرية ٥,٨٣ % للبنات ، ٧٣،٣ % للبنين . وفي المدارس غير الأميرية ٧,٦٤ / للبنات ، ٥٧،١ للبنين .

اي ان البنات تفوقن على البنين في كل مرحلة من مراحل التعليم ، وكان هذا التفوق في المدارس الأميرية وغير الأميرية .

وقد اختلف القول في تعليل هذا التفوق ؛ فمراقبة تعليم البنات تقول في تقريرها السنوي الأخير : " في اعتقادنا ان استمرار تفوق مدارس البنات مدة السنوات الخمس الأخيرة ، يرجع إلى ما نحاوله المراقبة العامة من تركيز الأشراف الفني لتعرف مواضع الضعف وإصلاحه ، وفي

اختيار ناظرات المدارس وإعطائهن شيئا من الحرية في العمل ، مع تحميلهن في نفس الوقت مسئولية نتيجته في مدارسهن " .

ويعلل الكثيرون هذا التفوق ، بانصراف الفتاة إلى التعليم ، واعتكافها في البيت للدرس والتحصيل ، على حين يشغل الفتي بأمور اخري غير الدراسة ، ويقضي اكثر وقته مع رفاقه خارج البيت منصرفا عن الدرس . فهو مبعثر القوي موزع النشاط

وإلى هذا الرأي ذهب رجال مؤتمر التعليم الذي انعقد في وزارة المعارف في الصيف الماضي .

ويضيف البعض إلى ذلك ان الفتاة تندفع في ميدان السباق ، مسوقة بعوامل ظاهرة وأخري خفية ، تقربها بالسبق والتفوق ، فتعلم الفتي امر عادي ، اعتادته الأجيال من قبلنا ، أما تعلم الفتاة مبدعة حديثة ظهرت عندنا في القرن العشرين ؛ ومن ثم تعتبر الشهادة العلمية للفتاة نوعا من الامتياز تدل به على بنات جيلها ، ونوعا من الترف العقلي يجمل شخصيتها ، ويزيد في مكانها . أما الدرجة العلمية للفتي فأمر واجب لابد منه ، وليس فيها شئ من الترف أو الامتياز

إننا لا نزال نسمع في أفقنا عبارة " أول فتاة نظفر بدرجة كذا " . وهذا يجعل للظفر العلمي للفتاة أهمية خاصة ليست للفتى واحب ان هذا التفاوت سوف يستغرق هذا الجيل كله ، ثم تصبح الدرجة العلمية للفتاة أمرا عاديا في النظر العام ، كما هي بالنسبة للفتي

ارادت الفتاة ان تفوز في السباق ، فتم لها ما أرادت ؛ ولكنها لم تتوقف لحظة لتسأل عن الهدف الذي ترنو إليه . ولم تتمهل لتعرف الغاية التي تستشرف لها . أكانت غايتها المرجوة ان تقطع هذه المراحل واحدة بعد اخري لتقف هناك في آخر الشوط ؟

اكانت امنيتها المبتغاة ان تظفر بشهادة من الدولة ،

تعترف لها فيها بأنها اتمت مرحلة بعينها من مراحل التعليم ؟ أكان هدفها المنشود أن تخرج إلي ميدان العمل لتحترف ؟

وهل كان شئ من هذا بعدها بالراحة والسعادة والاستقرار ، بعد ان نال منها النضال واجهدها السباق ؟

ذاك شئ لم يفكر فيه الذين وجهوا الفتاة ودفعوها إلى الميدان وكذلك لم تفكر فيه الفتاة .

أخذها دوار الاختلاط بالجمع ، وأدركتها حمي السباق ، فشغلت عن نفسها ، وأندفعت لا تلوي على شيء

كان كل ما يعنيها ويشغلها هو أن تفوز في ذلك السباق . وقد تم لها ما أرادت

وفي آخر الشوط وقفت تستريح . ومضت تفتقد نفسها التي شغلت عنها في المعركة . . وراحت هذه النفس تناقشها الحساب : ماذا ربحت وماذا أضاعت ؟

فاذا بها قد ربحت السباق وخسرت نفسها . اضاعتها في سباق لم تعرف له غاية ، ولم تتمثل له هدفا

وشقيت آخر الأمر ، حين عرفت المبادئ المثالية ، وشارفت المثل العليا . . فصارت تنظر إلي أترابها في السن ، كما تنظر إلى عيال صغار .

وأصبحت تضيق بالناس ، وتستصغر من أمورهم ما يستعظمون .

واصبح الناس كذلك يضيقون بها ، ويظنون بها الكبر والغرور والتعلق بالأوهام . .

وهذه هي المحنة النفسية التي تكابدها الفتاة في جيلنا هذا .

هي غريبة عن الناس وهي ابدا قلقة حائرة لا يطمئن بها مكان على الأرض ، وليست تملك أن تعيش في السماء ) كلية الآداب (

اشترك في نشرتنا البريدية