الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 406الرجوع إلى "الثقافة"

فى جبال لبنان, محيط جبران خليل جبران

Share

أسعدنى الحظ بزورة لجبال لبنان فى هذا الصيف فزرت القسم الشمالى منه وصعدت إلى أعلى مرتفعات جبال الأرز فشاهدت الأرز الخالد على عاديات الأيام وتقلبات الدهر

والأرز يعلو عن سطح البحر بمقدار ١٩٧٠ مترا ويبعد عن بيروت ١٢٨ كيلو مترا ، تصعد إليه السيارات فيما مهده الإنسان لها من دروب وأكواع وملفات ودورات كثيرة ولا يتعب الصاعد بالتصعيد فيها وإن كان أهل شمال لبنان يشكون من أن الحكومات اللبنانية المتتابعة لا تعلى بشمالهم عنايتها بالجنوب ، حيث يقيم معظم رجال الدولة ورجال النيابة وأصحاب النفوذ والسلطان فى كل الحكومات المتتابعة

اتخذت بلدة " حصرون " محطا لرجالى فأقمت فيها ثمانية أيام ، وهى تعلو عن سطح البحر نحو ١٣٤٠ مترا وهى بلدة

جميلة مشرفة على وادى قاديشا ، هواؤها عليل وجوها بارد لدرجة أن الفتيات كن يلبسن ثياب الصوف فيها فى شهرى يوليو وأغسطس ، و كنا نفضل الجلوس فى الشمس أو السير فى الشمس على اللجوء إلى الظل من شدة البرد ، و كنا إذا جلسنا فى " روضة السمعانى " جعلوا حولنا سياجا من الخيام احتراسا من برودة الهواء الذى يهب علينا من وادى قاديشا ويبلغ عمقه نحو ٤٠٠ متر

وفى تلك الروضة كنا نسمع الأغانى من المطرب الشاب جوزيف اسير وهو بارع فى الغناء العربى ، ويغنى أغنيات سورية ومصرية وعراقية ويجيد علاوة على ذلك الغناء بالفرنسية والإنجليزية والإسبانية ، ويساعده فى الغناء فنانون متخصصون ألفوا جوقة خاصة بهم .

دخلت حصرون " صباحا فاستقبلنى اسمها على لوحة زرقاء كتب بالعربية والإفرنجية ، وهى بلدة جاثمة فى حضن جبل شاعت فيه الخضرة ، وبيوتها على الطراز الحديث ومسقفة بالقرميد تتخللها عيون الماء البارد النمير سيروها

بمواسير تنحدر من أفواه أسود تارة ومن المواسير الرفيعة تارة أخرى ، ولكثرة مياهها شاع فيها النماء والخصب فأنت ترى الشجر في خضرة شديد تميل إلى السواد وكذلك مزروعاتها

وفي حصرون أشجار البندق والجوز واللوز والسرو والتفاح والمشمش والتوت والحور والسنديان والصفصاف والعنب والكمثرى ، وتزرع فيها أنواع الخضر والحبوب والمقاني وما إلى ذلك ، وكلها يخرج خصبا خصوبة يجعله أحوى ) أي أن خضرته تميل إلى السواد من شدة الخصب ( . وأمام حصرون عمارة " الديمان " وهي المقر الصيفي للبطريرك عريضة . وأهل حصرون ينسبون لكل عين من عيونها نفعا وشفاء لبعض الأمراض

وتكتتف حصرون جبال عالية من جميع جهاتها ، ولعل ذلك هو السبب في تسميتها حصرون لا نحصارها وسط جبال من كل جهاتها . وهي قرية ومع ذلك تشبه المدن

استمدادها بالفنادق وفي مأكلها وأنديتها ومقاهيها ، والنظافة فيها مستكملة بين أهلها ودروبها وأشجارها وأرضها . وينساب من وسط حصرون وادي قاديشا . وقد كنا نشاهد السحاب يتصاعد إلينا من ذلك الوادي على

شكل كتلة دخان ثم ينتشر في الأفق فيغطي الجو ويخيم على البلدة فيجعل الرؤية فيها متعذرة .

في هذا الجو وفي وسط تلك المناظر الخلابة نشأ أدباء لبنان الذين أقاموا فيه أمثال الأخطل الصغير بشارة الخوري وخليل مطران وعبد الحميد الرافعي وشبلي ملاط وأمثالهم ؛ والذين هاجروا إلى امريكا امثال جيران خليل جيران ونسيب عريضة وميخائيل نعيمة وإلياس فرحات وإليا أبو ماضي ورشيد سليم خوري ورشيد أيوب وأمثالهم . وقد نشأ جبران في بلدة بشراي علي مقربة من حصرون وانتقل إلي أمريكا فقضى نحبه هناك بعد ما خلف للأدب والفن ثروة عظيمة ثم نقلوا رفاته ورسومه إلى مسقط رأسه

وبشراي ترتفع عن سطح البحر مقدار ١٣٧٥ مترا  تعلوها مغارة قاديشا وتتوجها غابة الأرز الخالدة ، وقد مسحت عليها يد المدنية فأكستها نورا وبهاء ، وزادتها سمعة جبران خليل جبران شهرة ، بل نقلت معنى اسمها من الفتوة والشر إلى الرحمة والخير والصوفية . ومع ذلك لم تحسن بشراي إلي ذكرى فقيدها جبران بقدر ما أحسن هو إليها في العالم وسنفصل ذلك في كلمة قادمة بإذن الله

اشترك في نشرتنا البريدية