سايرت الطائرة ساحل البحر بعد قليل من طيرانها ، واستمرت كذلك ، فكنت كلما نظرت إلى اليمين أبصرت الدأماء ، وكلما نظرت إلى الشمال رأيت الصحراء ، وما أشبه هذه بتلك ، كلاهما صفحة واسعة رائعة تنبسط أحيانا وتموج أحيانا بسلاسل من الأمواج أو سلاسل من الكثبان . وهكذا يتداول العين هذان المنظران عن يمين وشمال .
وكان محرك الطائرة الأيمن الذى يلى البحر يلوح كأنه خفقات من الأشعة على الماء ، وأما المحرك الأيسر الذى يبلى الصحراء فما استطعت أن أراه لا جسما دائرا ، ولا شعاعا خافقا .
كنت أكثر الوقت فى شغل بهذه الموازنة بين البحر والصحراء ، والمحرك الأيمن والمحرك الأيسر ، حريصا على أن أرقب مسايرة الطائرة للساحل وانقسام البصر بين هذين المنظرين ، أحاول أن أرى البحر من ناحية الصحراء فلا أراه . وبعد ساعة من مسايرة الساحل رأيت حلجانا صغيرة ضاربة فى الصحراء فرأيت الماء من الجانبين ، ومررنا فوق ماء ضحضاح خيل إلى أنه يغلى ؛ ولم أدر لماذا كان هذا الغليان فى رأى العين . ورأيت فى هذا الضحضاح شبحا حزرت أنه إنسان يصطاد سمكا . وكانت الساعة حينئذ اثنتى عشرة وأربعين دقيقة ، فقد مضينا فى سفرنا ساعة وثلثا ، فليت شعرى كم يبقى لبرسعيد ؟ شغلت بالحساب زمنا : قيل إن الطائرة تقطع المسافة إلى ألماظة فى ثلاث ساعات ، فإن قدرت لما بين برسعيد وألماظة زهاء ساعة فلا يزال بيننا وبين المدينة نصف ساعة أو خمس وعشرون دقيقة ،
وبينما أحسب وأعيد الحساب ، وأقدر أطول المدد وأقصرها وأوسطها ، اندفعت الطيارة صوب البحر وبعدت عن الساحل ، ثم رأيت الركاب يتطلعون ، فنظرت فإذا أبنية كثيرة . قلت : أية مدينة فى طريقنا قبل برسعيد ؛ ثم نظرت فإذا فى الماء جدران عرفت أنها حواجز الميناء . وقطع الشك هذا البرهان الواضح الممتد من البحر فى الصحراء لاحيا مستطيلا متوغلا فى الأرض ؛ قناة السويس .
فرحت بهذه الفجاءة ، فلم أملك أن مددت يدى إلى أحد المتطلعين فغمزت كتفه قائلا : أبرسعيد ؟ فأشار : نعم . ولا أدرى أسمع صوتى أم لا ، بل لا أدرى أسمعت أنا صوت نفسى أم لا .
دارت الطائرة حول المدينة ، ثم أخذت تهبط حتى أسغت ، فأصابت الأرض والساعة واحدة إلا خمس
دقائق . وبلغ منى الفرح بأول لقاء للأرض بعد أول فراق لها ، فسارعت إلى الباب وهبطت إلى الأرض ، وأنسانى السرور أن أنشد البيت الذى أنشدته فى المنام .
أنل قدمى ظهر الأرض إنى
رأيت الأرض أثبت منك ظهرا
وذهبت لآخذ جواز السفر ، فكنت أتكلم فلا أسمع ولا أسمع ، وذلك فعل دوى الطائرة فى الآذان .
لبثنا ربع ساعة ثم استأنفنا الطيران . وتأملت الأرض بعد أن ارتفعت الطائرة فإذا منظر عجيب : سطح أبيض براق تتخلله أشكال مختلفة الألوان بين السواد والخضرة والصهبة ، وعرفت أننا فوق بحيرة المنزلة ، وأن الأعشاب والصخور نقشت عليها هذه الألوان العجيبة ، وعرضها فى هذا المرأى الجميل . وأبصرت أشباحا بيضاء خلتها بادىء الأمر وزا ثم تبينت أنها شرع الفلك فى البحيرة .
وجاوزنا البحيرة إلى مرأى أجمل وأعجب : أرض مصر الخصبة السخية تلوح فى بهجة من زروعها ، وزينة من طرقها . بدت الأرض رقعة افتن فيها نقاش صنع ، فلم يأل تقسيما وتلوينا وافتنانا فى التقسيم والتلوين . زويت الأرض وعرضت علينا متبرجة ساحرة بالألوان والأشكال ، وتوالت مناظرها على هذا النسق شاغلة العين والفكر ، مانحة الشفاه بسمة دائمة : وتبدو القرى الصغيرة أكداسا من المدر ، والقرى الكبيرة أبنية لاطئة بالأرض ، تتقسمها وتحيط بها سبل واضحة . وقد حدثت بهذا أحد تجار السجاد البغداديين ، وكان قد شهد الدلتا من الطائرة ، فقال : كأنها زولية ( سجادة ) . وحدثت أديبة من أديبات الشام قدمت إلى مصر بالطائرة كذلك ، فقالت : كأنها قطع من الحلوى أتقن صفها وتلوينها .
والصحراء تبدو عن شمالنا متعرجة بجانب الأرض
المزروعة ، تطعن فيها حينا ، وتطعن المزارع فيها حينا ، ولكن طيراننا فوق المزارع ، والصحراء عن شمالنا لا تتحول .
وحسبت أن الطائرة قلت فى ارتفاعها ، وأحسست صداعا ودوارا خفيفا حزرت أنه من التوغل فى لوح الجو . وقد حدثت نفسى أن منظر المزارع خيل إلى أننا علونا أبعد مما علونا فى الصحراء . فلما جاوزنا المزارع إلى الصحراء وجدت مرآها أبعد مما قدرت ونحن فى صحراء سيناء . وقد صدق حزرى ، إذ سألت الطيار بعد أن بلغنا الغاية فقال : كنا نعلو ثلاثة آلاف قدم ، وكنا فى صحراء سيناء أدنى من هذا قليلا .
ضربنا فى الصحراء قليلا ، ولاحت لما خيام كثيرة منثورة على الرمل ، فقلت : لعلنا أوفينا على الغاية . ثم لاحت مصر الجديدة عالية الأبنية ، واضحة الطرق ، تظهر فيها السيارات مسرعة فى شوارعها اللامعة ، فعرفت أننا نهبط ، وأنا - إن شاء الله - على الأرض بعد هنهة .
وقدمت الطائرة هابطة قليلا قليلا حتى لامست الأرض فجرت عليها ثم وقفت . ونزلت فى جذل من ظفر بأمنية مخوفة ، وجاز طريقا محذورة ، وبلغ الغاية بسلام . نزلت وفى نفسى فرح وزهو ، وفى أذنى وقر ، أكاد لا أسمع ولا أسمع ، ولم أنس أن أنشد البيت :
أنل قدمى ظهر الأرض إنى
رأيت الأرض أثبت منك ظهرا
وسألت نفسى : قد جربت التجربة التى لم يكن منها بد ، هل يسرك أن أعاود الطيران من بعد ؟ لا أذكر كيف أجابت ، وأغلب ظنى أنها خرجت بالصمت عن لا ونعم .

