الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 406 الرجوع إلى "الثقافة"

فى جو السياسة المصرية

Share

تلبد الجو السياسى فى مصر بالغيوم خلال الأسبوع الماضى ، ورفع دولة صدقى باشا استقالة وزارته وكلف حضرة صاحب المقام الرفيع شريف صبرى باشا بتأليف الوزارة واتجهت مساعيه إلى أن تكون وزارته قومية تضم ممثلين لمختلف الأحزاب السياسية . وظن أن وفد المفاوضات سيعاد تأليفه من جديد ليشمل كل العناصر السياسية فى مصر ولكن اتصالات رفعته برجال الأحزاب المختلفة دلت على اختلاف شديد بين وجهات نظرها لا يستطيع معه التوفيق بينها ، ولهذا اضطر للاعتذار من عدم تشكيل الوزارة . وعادت وزارة صدقى باشا ثانية لتولى الحكم بعد أن أبلغها حلالة الملك رفضه قبول استقالتها .

وهذه الأزمة الوزارية الأخيرة متصلة بموضوع

المفاوضات المصرية الإنجليرية فقد رأى المفاوضون المصريون بالإجماع رفض العرض الإنجليزي الأخير والتمسك برأيهم السابق ، وبدا من بعض أعضاء وفد المفاوضة تبرم مما لابس هذه المفاوضة من بطء ومطاولة ، فاقترح بعضهم قطع المفاوضة ورأى البعض إبلاغ الإنجليز قرارهم بصورة لا تدع مجالا للأخذ والرد ، واتفق الجميع على صيغة معتدلة حازمة للتبليغ ، ولكن بعض الصحف نشرت تفاصيل عن هذا الاجتماع رأى معه رئيس الوزراء تعقيداً للموقف وإحراجا له وتصعيباً لمهمته فى السير بالمفاوضات إلى النجاح الذى ينشده والذى لا يزال كبير الأمل فى تحقيقه ، ورأى أن اختلاف آراء المفاوضين فى صيغة الإبلاغ قد صوّر على أنه استمساك وتشدد فى حقوق البلاد من

بعضهم وتساهل وتفريط من البعض الآخر وهو تصوير غير صحيح لأن الجميع متفقون فى الرأى والهدف وإنما كان الخلاف منصباً على أسلوب الإبلاغ ، ولهذا آثر التنحى من الحكم .

أما فشل التوفيق بين الأحزاب فيرجع إلى موقف كل منها من نظام الحكم الحاضر ، فقد اشترط الوفد لاشتراكه فى الحكم والمفاوضات أن يحل البرلمان الحاضر فوراً ، ثم روجع فى ذلك فقبل أن يكون حله بعد موعد انعقاد دورته فى منتصف نوفمبر المقبل وأن يتم ذلك سواء وصلت المفاوضات إلى نتيجة قبل هذا الموعد أو لم تصل . والسعديون والدستوربون لم يوافقوا على حل البرلمان القائم إلا فى حالة واحدة وهى حالة نجاح المفاوضات فلا مانع لديهم عند ذلك فى أن يحل البرلمان لتستفتى الأمة فيما وصل إليه المفاوضون من نتيجة ، أما فى غير هذه الحالة فلا مبرر لحل البرلمان .

هذه خلاصة موجزة الموقف السياسى في الأسبوع الماضى والأسباب التى أدت إلى استقالة الوزارة وعودتها ثانية . والذى يخلص به الباحث من دراسة هذه الأزمة وأسبابها والمساعى التى تلتها وإخفاقها هو أن الجو السياسى المصرى لا يزال خاضعا لتيارات شديدة متعارضة تحول دون صفائه ، وأن الظروف لم تتهيأ بعد للوصول إلي نوع من الاستقرار يتهاون فيه الزعماء وتزول بينهم أسباب الفرقة والجفاء .

ومن عجب أنه لا خلاف بين هؤلاء الزعماء فى الأهداف القومية والغايات الوطنية ، فقد أظهرت الأيام شدة إخلاصهم وغيرتهم جميعا على المحافظة على حقوق البلاد وتحقيق آمالها . وإنما يقوم الخلاف على أمر واحد هو ولاية الحكم ولسنا نذهب مع المسرفين فى القول الذين يظنون أن الحرص على تولى الحكم يرد إلي دوافع ذاتية . فالزعماء جميعا

أرفع من أن يتخذوا من الحكم وسيلة لأغراض ذاتية صغيرة ، وليس منهم بحمد الله من لا يجد بجده وجهوده الخاصة وسيلة من وسائل الكسب الشريف؛ بل إنّما نعتقد بحق أن الكثير منهم يضحون بمصالحهم الخاصة ويضيعون كثيرا من فرص الكسب بتولى الحكم .

والذى نعتقده أنهم إنما يحرصون على تولى الحكم ثقة منهم بأنهم أحق الناس بتلك الولاية وأقدرهم على خدمة الشعب ورعاية حقوقه .

ولقد كان النظام الدستورى كفيلا بحل هذه المشاكل لو خضع الجميع لأحكامه واحترموا قواعده . ولكن تاريخ حياتنا النيابية دل على أن الجميع لا يطمئنون الاطمئنان الكافى لإجراءات الانتخابات و نتائجها . وبلغ من سوء ظن الأحزاب أنه كلما تمت الانتخابات على يد حزب قاطعها الحزب المعارض وأعلن بطلانها ؛ وقد يكون مما يدخل الطمأنينة على نفوس الجميع أن تتولى الانتخابات هيئة محايدة وأن تحاط عملية الانتخابات بكل الضمانات الكفيلة بحريتها وصيانتها من المؤثرات . ولكن أين نجد تلك الهيئة المحايدة التى يرضاها الجميع وما هى تلك الضمانات ؟

إن المشكلة حقيقة بأن تعالج علاجا حاسما إذا أريد وضع حد لتلك الخلافات .

وبعد ، فقد كنا نتمنى لو اجتمعت كلمة الساسة ووحدوا صفوفهم وتناسوا خلافاتهم إلى أن نفرغ من حل قضيتنا مع الإنجليز . ولكن أبى الحظ العاثر إلا أن تتغلب العواطف على الموقف . فالآن وقد عادت الحالة إلى وضعها السابق نرجو ألا تقام المتاعب وتخلق الصعوبات فى وجه من بيدهم الأمرالآن . وأن يمدوا بالمعونة ويكفوا أذى الحملات العدائية ويعطوا فرصة أخرى ليُتموا ما بدأوه . والله الموفق لما فيه خير البلاد .                                  

اشترك في نشرتنا البريدية