في ليل العاشر من تشرين الثاني دق حرس الهاتف ، فتناولت السماعة فإذا المستشرق المهندس المسيو ايكوشار يحدثني من بيروت ، ويطلب إلي أن أهيء نفسي إلي السفر إلى المعرة للإشراف على بنائي ضريح أبي العلاء الذي كاد أن يتم ، ولقراءة الكتابات الحجرية التي عثر عليها في القبور الثلاثة التي وجدت إلى جانب قبر أبي العلاء ؛ فهيأت نفسي. وفي صباح اليوم الثاني في الساعة الرابعة توجهنا إلى المعرة ، فكان الجو باردا والسماء ممطرة . تركنا دمشق فما وصلنا حمص حتى أشرقت الشمس وصحا الجو ، فتركنا مدينة حمص إلى حماه ، ومنها إلى المعرة ، فرأينا البناء قد تم ؛ وهو بناء عمد المهندس ايكوشار فيه إلى إحياء الفن الإسلامي القديم ، فجعل الضريح مدرسة لها مسجدها ومكتبتها وأروقتها . وإنك إذا ما دخلتها توهمت أنك داخل إلى مدرسة من مدارس العصر الأيوبي : صحن واسع ، فيه حديقة حسنة التنسيق في جنوبه إيوان لطيف ، تحته يقوم القبر ، وإلى جانبي القبر بابان يؤديان إلي مسجد ضخم ، في جانبه الأيمن غرفتان وفي جانبه الأيسر مكتبة ضخمة ، ومن وراء المسجد صحن فيه القبور الثلاثة المكتشفة ، أحدها قبر مجهول ، وثانيها قبر امرأة ماتت سنة اثنين وأربعين وستمائة ، وثالثها قبر أحمد بن إسماعيل بن سليمان التنوخي سنة ٧٦٠ ، وحول هذه القبور الثلاثة كتابات كوفية ( من آية الكرسي ) بارعة جدا .
أما غير أبى العلاء نفسه فقبر ساذج ضخم ، له شاهدة واحدة كتب عليها بالكوفي المشجر ( قبر أبى العلاء ابن عبد الله بن سليمان ) ، وقد أتي الزمان على كلمتى (قبر وأبي ) ؛ وعلى ظهر هذه الشاهدة ما نصه "رحمة الله عليه " وليس على القبر تاريخ ، ولكن طرز بناء القبر والكتابة يؤكدان
لنا أن القبر لم يحدث فيه أي تغيير منذ القرن الخامس للهجرة .
وكان ضروريا أن يحفر العمال قبر أبي العلاء ليعيدوا بناءه من جديد ، فحفروه وكشفوا عن اللحد ، وأقبلت أريد النزول فتهيئت أول الأمر ، وتخيلت الشيخ الجليل فيه ؛ ثم تشجعت ونزلت ، فوجدت البناء مهدوما ، وليس في اللحد أثر من جمجمة أو عظم أو عجب ذيل . ثم أعاد العمال بناء اللحد كما كان ، وأعادوا القبر حيث كان تماما . وكانت الشمس قد آذنت بالمغيب فقفلنا راجعين إلي دمشق ووصلناها في منتصف الليل ، فدخلت غرفة نومي وخلعت ثيابي ، وتمددت على فراشى أحاول النوم بعد ذلك النهار المتعب الشاق ، الذي قضينا نصفه في السيارة تقطع بنا ثمانين أو تسعين كيلو مترا في الساعة ، ونصفه في حمل الحجارة ، وتصوير القبور ، وما إلي ذلك . وعبثا حاولت أن أجتلب النوم المستعصي ؛ وبينما أنا كذلك إذا بي أري الشيخ الجليل ماثلا أمامي ، فحياني ورددت عليه التحية ، وكان إلي جانبه طائفة من الناس عرفت منهم بعضهم ، كأستاذنا المرحوم بدر الدين النمساني ، والأستاذ سليم الجندي ، والمرحوم أحمد تيمور باشا ، والدكتور طه حسين بك ، والأستاذ عباس محمود العقاد ، والأستاذ عبد العزيز الراجكوتي . وكأن أبا العلاء أحس أنى لم أعرف بقية صحبه ، فقال : أما هذا الشيخ الذي إلى يمينى فهو أبو طاهر السلفي تلميذ تلميذى التبريزي ، وأما الثاني فهو مواطنك كمال الدين بن العديم الحلبي ، وأما الثالث فهو أبو منصور عبد الله بن سعيد الطائي . وأما هذا الذي إلي يساري فهو الشيخ أبو الحسن على بن عبد الله بن هاشم ناسخي وكاتبى وملازمي ، لم يتركني منذ انزويت في بيتي سنة ٤٠٠ للتأليف والإملاء ، فأمليت عليه أكثر كتبى ، فتولى نسخها وإتقانها أحسن الله معونته ، وألزمني بذلك حقوقا جمة وأيادى بيضاء لأنه أفني في زمنه ، ولم يأخذ عما صنع ثمنه . والله يحسن له الجزاء ، ويكفيه حوادث
الزمن والأرزاء . فقلت : يا سيدي الشيخ أنا والله سعيد بهذه الزيارة فكيف أنت ! قال : على أحسن حال ، وأجود بال ، بارك الله فيك وفي الذي بدأت وتبذل أنت وجماعتك في بناء ضريحي ومدرستي ، ولولا أن جزاء المرء على نيته لما سمعت مني كلة الشكر هذه ؛ فمن قال لك إنني أميل إلي رفع الأضرحة وإشادة العمائر على قبور الأموات ؟ فتقدم الدكتور طه حسين وقال : إنهم يا سيدي يقومون ببعض حقك ، وكم كنا نلوم إخواننا الشاميين على تقصيرهم في القيام مهذ الواجب ، ولهم منا الآن أفضل الشكر على أن أتموا ما شرعوا ؛ وأنا أرجو أن يكون يوم الذكري الألفية يوما فخا بليق بمقام الشيخ ويحدد ذكراه الطبية . فقال الشيخ : جزاك خيرا ربك بإ طه ! فأنت تأبي إلا الكمال من كل نواحيك ، وما أنس فلن أنسي أنك أول من أحيا ذكري في هذا القرن العشرين ، فكتبت عني ما كتبت ، ودفعك حبك الشديد إلي المغالاة ، ولقيت في ذلك من بعض معاصريك نقدا وعنبا ، ولكنك كنت تسير قدما ، ولا تحفل مما قالوا . فلك أنت شكري لا لأنك أحببت ذكري ، فأنا أزهد الناس فيه ، بل لأنك كشفت لأبناء عصرك الغطاء عن بعض آرائي في الحياة ، فلعلهم يستهدون بهدبها . ثم التفت إلي الأستاذ سليم الجندي فقال : وأنت يا سليم لقد قضيت شطرا كبيرا من عمرك في الكتابة على ، ولي عندك طلب أرجو أن توفق إليه ؛ ذلك أنبي أفرح الناس بتخصيص جناح من مدرستي لبكون مكتبة بفيد منها أبناء المعرة وزوارها ، فاسع بابن المعمرة في تنمية هذه المكتبة فهي أفضل شئ في هذا الشروع . فقال الجندي : سمعا للشيخ وتلبية . وبينا كان الشيخ يتحدث والأستاذ الجندي والدكتور طه كنت أفكر في سؤال الشيخ عما كتب هؤلاء الأساتذة فيه ، وعن رأيه في كل ما كتبوا . فلما أتم حديثه قلت : أزيد أن أسأل الشيخ الحليل أسئلة فلعله محيي عنها ، فقال : هات . قلت :
ما رأيك فيما كتب هؤلاء السادة المحيطون بك . فقال : سؤال محرج وليتك سألتني عنه وهم غائبون ، فأنا والله شاكر لهم ما بذلوه . على أن في كل كتاب هفوة أو هفوات ، وما كنت أحب أن أنقد كتبهم في محضرهم ، ولكني رجل كنت قوالا للحق صداعا به ، وسأكون ذلك الرجل . أما أستاذك وصديقى النمسانى فهو من الناس القليلين الذين فهموا شعري ، واعتنقوا مذهبى ، وهو على قلة ما كتب على من أفضل رجال هذا القرن فهما لشعري وأدبي ، ولعله هو الوحيد من بين الذين كتبوا عني وآمنوا بما كتبوا ، واتخذوه دستورا لهم في الحياة ، فإن آراءه في الدين والحياة والمرأة آراني . وسكت الشيخ ، فقال بدر الدين الحمد لله الذي حقق ظني ، فقد كنت أتوهم أننى أخطأت فهم بعض آرائك ، ولا أخفيك أنني يوم كنت ألفظ أنفاسي الأخيرة سألت ربي أن يجمعني بك فور انتقالي إلي الدار الآخرة ، وهذا ما كان ؛ فلما رأيتك وأطمأننت سررت سرورا لا مزيد عليه ، وأنا جد فخور بكلماتك هذه . فقلت : وأنا يا سيدي بدر الدين ، سأنتقل للناس من أصدقائك وأعدائك كلمات الشيخ فيك وفي أدبك . فقال : لا لا يا أسعد ، لا تفعل ذلك فإن هؤلاء الناس لا يساوون عندي جناح بعوضة ، وما كنت أحفل بهم في حياتي وأنا الآن أكثر عروفا عنهم ، وعن تقديرهم وإعحابهم . ثم أخذ الحديث شيخ المعرة فقال : أما الجندي سليم ، فقد دافع عن إيماني ، وأعاد وأبدأ وكتب عني كتابه الضخم الذي قضى فيه زهرة عمره ، وقد اطلعت على كل ما كتب فأنا له شاكر ، وكم كنت أود ألا يقضي فترة طويلة في الدفاع عن عقيدتي وإيماني ، وليترك الطاعنين في يطعنون ويقولون ما يشاءون ، فليس لقولهم وزن ولا لهرائهم قيمة ، وليته وهو اللغوي المتين انصرف إلى شرح اللزوميات شرعا يكشف عن غوامضها لدي طلاب علم هذا الجيل ، فقال الجندي : أنا باذل وسعي في
تلبية طلب الشيخ أعزه الله . ثم الثفت الشيخ إلى تيمور باشا فقال : وهذا رجل كان يستطيع أن يعمل كثيرا ، ولكن الأجل عاجله ؛ وكتابه الذي كتب عني علي ما فيه من فوائد لغوية وتاريخية كثيرة قليل الترتيب ، سيء التأليف . أخذ نفسه بأشياء ليس لها كبير غناء ، وهو كزميله الجندي أطال القول في ديني ، وما كان أغناهما عن ذلك . ثم التفت إلى تيمور باشا فقال : نحن في عالم لا يراءى فيه ولا يماري فقال تيمور باشا : أعوذ بالله من أن أشك في صواب نظر الشيخ وحسن رأيه ، وله أعزه الله ملء الحرية في أن يقول ما يشاء ويحكم بما يريد ، ثم التفت الشيخ إلي طه بك فقال : أما ما كتب طه في كتابيه ، فأنا راض عنه كل الرضا ، وشاكر له كل الشكر ، وفخور به كل الفخر ، فهو الذي صحح أوهام المستشرفين ، ونقد ضلالاتهم في أقوالهم في وهو الذي أخرج للناس بقالب يعجبكم أبناء هذا العصر كل فلسفتي وأرائي ، وإن كنت آخذ عليه في هذا شيئا فأنا آخذ بعض مبالغاته وفهمه من كلماتي ما لم أقصده ، ولكنه في ذلك مجتهد بارع ، له ثوابه وشكره ؛ ولن أنسي مداعباتك يا طه في الكتاب الذي أسميته ( مع أبي العلاء في سجنه " ؛ وإن غفرت لك كل غريبة فلتها فيه ، فلا أغفر لك قولك : " قد نسرف على أنفسنا وعلى الفن الأدبى إن ظننا أن أكثر هذا الشعر جيد ، وإنما المحقق أن الناحية الفنية الخالصة ، بل نسرف على أنفسنا وعلى الفن الأدبي إن ظننا أن كثرة هذا الشعر جيد ، وإنما المحقق أن الجيد من شعر اللزوميات قليل يمكن أن يستخلص في مجلد نحيف بجمع إلى الجمال أبقى خلاصة للفلسفة العلائية كلها " ، وهناك كلمات أخري لك في كتابك هذا لا أحب أن أناقشك الحساب عليها ، وأرجو أن يتيح لي الوقت ذلك في فرصة أخري .
وأما الأستاذ العقاد فقد راقني أسلوب كتابه ، وأعجبني طريقة معالجته ، وإنني معجب كل الإعجاب بقوله على لساني :
" كلا يا أبناني لا تحذفوا حرفا مما كتبت في خلائق الناس ، أو احذفوه كله ، فما هو بضائركم أن تجهلوه ، وهو منا في الصميم ، وإنه لباق في النفوس وإن زال من الطروس ( رجعة أبى العلاء ص ٢٠ ) ، وفي كتابك يا عقاد كثير من الآراء التي راقتني ، كما أن فيه آراء لست أدري من أين نسبتها إلي ؟ وإن أقبح ما نسبته إلي قولك " أما الخمر فلا أستبعد أن الشيخ قد ذاقها في بعض الأديرة التي قد كان يغشاها للدرس ومراجعة المذهب ، فإن أوصاقه لها أوصاف من لا يقتصر في العلم بها على السماع ، بل لا أستبعد أنه كان يذوقها من حين إلى حين في بعض أيام العزلة كما يتم عليه قوله :
فلا تشربنها ما حييت وإن تمل
إلى الغى فاشربها بغير نديم
وهذا بهتان عظيم ، فليس في قولي هذا ما يؤيدك ، وليس في حسن وصفي لهذا ما يؤدي بك إلى أن تقول ما تقول ، فقد وصفت كثيرا مما لم أره ولم أخبره ولك في رعياتى في وتشيبانى ما يردك عن ضلالتك هذه عفا الله عنك . سمع العقاد هذه الكلمات ولكنه لم يلبس بعين شفقة ، وإنما اكتفي بأن نظر إلي الشيخ نظرة ، ثم نادي الشيخ الأستاذ الراجكوني فقال : يا عبد العزيز لقد كان كتابك حاويا لكثير من المسائل المحققة ولا أعتب عليك إلا جرأة في نقد صديقنا صاحب ذكري أبي العلاء ، فقد كنت أحب أن تكون كلماتك في نقده أرصن وأحكم وأحب أن أختم الحديث عن كتابك بإعجابى بالفصل اللطيف الذي عنوانه " فذلكة أفكاره وأرائه في معتزله " على أن فيها أشياء موضع بحث ومناقشة .
ولما أتم الشيخ الجليل حديثه الطلي اعتذرت إليه . فقال : لا عليك يا فتى ! فنحن إنما عشنا في سبيل العلم . ومتنا في سبيله .

