طرقت باب الدار ، أو بالأحري دققت الجرس عند بابها ، فلم البث ان انفتح الباب لي عن غلام جمع بين ثلاثة ألوان : السواد في وجهه ويديه ، والبياض في عمامته وقفطانه ، ثم حمرة في حزامه وحذائه ، فكان منظرا زاد في جماله وسامة هذا الوجه ، ثم ابتسامة كشفت عن لؤلؤ أسنان تنفسها عليه الأوانس الحسان . ابتسم الخادم الغلام تحية ، ولكنه ابتسم لا شك أكثر لما أحدث مرأي هذا الزي في نفس ، أو ما توقع أنه يحدثه لا سيما تلك العمامة وذاك الحذاء الأحمر يلبسهما الصبي قبل ان يبلغ الحلم
ومد إلي يديه يطلب طربوش و (البلطو) ، وكان لابد مستغرقا يفكر في حاله هو ، فلم يفطن إلي أني حضرت متجهزا ، فلم احمل على راسي غطاء ، ولا علي بذلني كساء . وعندها اختفت ابتسامته خجلا . فوضعت يدي خفيفة على أم رأسه ، أو أم رأس عمامته ، وهززتها ملاطفا كأنما أقول له لا بأس عليك مما كان
ودخلت بهو الدار فاستقبلني ربها ، واستقبلتني ربها . وكانت الدار حافلة ، فاعتذرت عن تأخر ، واعتذرت زوجتي . وأخذنا نطوف ممن نعرف في الحاضرين . وكانت وجوها معروفة فما لبثت ان لغسيت في زاوية اليهود مرة يجري فيها الحديث متدفقا . ونظرت ، فوجدتها وجوها مألوفة ، بينها وجه صددين لا يفتا بنصب الفسخاخ . فناداني بين فهقهة الجمع ، فقلت شر في الجواثق " . قال قد حكمناك قلت أحكم بعد السلام . واعطاني السلام الزمن
الذي أريده لأتحسس الأرض التي أنا فيها . واختصصت بالكلام سيدة عرفتها . فقال صاحبي متعجلا : قد حكمناك . وابتسمت سيدة اخري وصديق ثان ، فعرفت أنها ابتسامة لها ما وراءها
قلت : ففيم حكمتنى قال : قبل أن يحكم قل لنا أيهما أكثر عندك الصدقي أم الكذب
فنظرت في عيني صاحبي استشف فيها مأربه ، فلم أجد إلا لمعان عين باسمة ، حجب ضياؤها ماوراءها ، فكأنه قطعة الليل الكثيف . ومن الضياء ما يغشي . فجمعت قوتي وقلت في غير تردد : إني لا أكذب أبدا .
قال صاحبي : إذن فقل لنا ما تري في هذا الفستان الجديد الجميل فستان السيدة فلانة
وكانت السيدة التي اختصصتها بالحديث مطاولة وكان سبق ان ملأت عيني من الثياب " الجميل " فوجدته قليل الطول علي امرأة تتصف زاد جمال قيمتها على جمال قاعدتها ، وكان الخير في ستر هذه القاعدة او بعضها . ووجدته قصيرا ايضا عند العنق ، وهو عنق كانت الطبيعة سخية عند خلقه فزادت فيه شيرا كان الخير في خدع الأبصار عنه يحجب بعضه . وإجمالا كان ثيابا لا يأتلف ولابستة . ولو انهما افردا ، أحمد البصر هذا وحده وهذه وحدها
ولم يكن بد من جواب صاحبي . ولم يكن بد من ان يكون الجواب سريعا وإلا عد الأبطاء ترددا في الرأي ، وعد التردد في الرأي في أمر سيدة نقصا في شهامته . فجمعت قوتي مرة أخري وقلت :
- فستان جميل جدا ، لا أجد أجمل منه إلا من ملآنه ونظرت إلي صاحبي الخبيث أتشفي فقال : يعجبنى أن تقول إن الفستان جميل ، ولكن لا يعجبنى أن تقول إن السيدة الرشيقة " ملائه " .
وكان من ستر الله أن السيدة بدأت تجيبنى ، فلم تملأ أذنها مما قال صديقى
قالت : إنك تكذب يا عزيزى ، فأنت ككل الرجال يكذبون إذا أحرجوا في امر النساء او أي أمر غيره . إن هذا الفستان أبغض ما عندي ولكنه ما ترتضيه " الموضة " الجارية
فقلت : مع احتفاظي برأيي في جمال هذا الفستان ، أسألك هل ترين غضاضة في كذبة لا يكون منها إلا إدخال السرور إلي القلوب ؟ وهل ترين حقا ان الرجال وجدهم يمتازون على النساء في القدرة على إدخال هذا السرور إلي القلوب ؟
قالت السيدة الأخرى ، وقد لمحت في بعض الدهشة من تطور الأمور : الواقع اننا كنا نتحدث في الصدق والأمانة ، وكم عند الرجال منها وكم عند النساء وكان هذا السؤال الذي ألقي عليك امتحانا .
قال صاحبى متمما : فجئت يا صديقي بجوابك هذا تعزز به رأيي في قلة الصدق وقلة الأمانة عند هؤلاء ، وهؤلاء .
قلت : فهل معني هذا أنك تري هذا الفستان الجميل غير جميل
قال : لا ، أبدا ، الفستان والله جميل جدا ياسيدتي . قالت السيدة : رأيك في الصدق والأمانة والله جميل كذلك .
وضحكنا ثم صارت المخابأة مكاشفة ، وجري الحديث تبسطا . وأخذنا نستعرض في صراحة كم عند الناس من صدق ، وكم عندهم من أمانة
قلت الحق إن الصدق في الأمر الخطير فضيلة . ولكنه قد يكون في أمور أخري رذيلة خذ مثلا جاءني بالأمس القريب خادم قديم زائرا . وجاء من الره ، وخيل المؤمنا ما خال أبي أتس به وأغتبط فسكان لا بد من شكره ، وفي الشكر لا بد من كلة طيبة عن هدبته ، ووصفها مما لبس فيها . مهز
يكون الصدق هنا إلا محسها للرجل وتفريعا ، وهل يكون فيه إلا جزاء الإحسان بالإساءة . على أن هناك مواقف كثيرة تواضع الناس على الكذب فيها ، أو هم تواضعوا على أن لا يحفلوا بالصدق أو الكذب فيها. خذ مثلا_ صديقا يناديني علي عجل " كيف الحال " وقد يكون الحال في ذاك اليوم أسوأ ما يكون ، فهل ينتظر مني أن أقول له إنه حال كالقطران . معني هذا أني استوقفه فهو مضطر بعد ذلك ان يسألنى تحليل هذا القطران ، أن يسألني تفصيل ما أجملت ، وأنا مضطر إذا هو سأل إلي ان اجيب وأفيض. وانا أقول علي غضاضة ، وهو يسمع في الاكثر على غضاضة ، ثم يفارقني وهو يلعن الصباح الذي جره إلي هذا الصديق الثقيل الذي أريد منه كلمة واحدة ولو كاذبة ، فأعطي قصة طويلة مملة صادقة . قال صاحبي متخابثا : لا عذر عن الكذب أبدا .ولك يا عزيزي في الجواب مهرب ومهارب . قل لصديقك إذا سألك كيف الحال ، قل له " نحمد الله "
قالت السيدة الآخرى : تعنى ان يجيب تارة بأن الحال " طيب " أو " بالحمد لله " بدل أن يجيب بأن " الحال طيب ( أو بأن الحال كالقطران ؟ . وإذن يتواضع الناس على ان " الحمد لله " هو( الحال المقطرن) وإذن لا رحنا ولا جئنا ، إني لا أري أن تقاس امانة المرأة او أمانة الرجل بما يضطره الأدب إلي قوله ، أو تضطره المجاملة إلي إثباته . وإنما أري ان تقاس بما يفعل المرء في مواقف الإغراء . فأنت ياعزيزى قل لي ، لو خرجت في الصباح فوجدت في الطريق محفظة نقود ، وفتحتها ، فوجدت فيها مائة جنيه عدا ، أو حتي خمسين
قال صاحبي مجيبا مقاطعا : لا والله ولو خمسة . قلت : لتلك ولو خمسة قروش
قال صاحبي : إن الأمانة كالأشياء لها ثمن ، وأنا أربأ بأمانتي أن تباع بخمسة قروش
قلت : وتبيعها بقرش يا صاحبي . قل لي : إذا انت بلغت بالترام غايتك ، ولم تكن دفعت أجرة الترام - وأزيد ، إغلاءا في أمانتك ، فأصف الترام بأنه كان مزدحما ، وان الكمساري كان في الطرف الآخر من القطر - فهل ترتفع أمانتك إلى أن تناوي الكمساري من آخر القطر لتدفع له الآجر .
قال صاحبي : إن في هذا تأخير القطار . وما صواب عمل نكسب منه الشركة مليمات ، ويضيع فيه على المئات من الراكبين خمسة دقائق ثمينة من أعمارهم
قلت بعد أن ضحكنا : الواقع اني لم احسن امتحاني صديقي بهذا المثل . فالإغراء لاشك كبير ، والأمانة حظها قليل ، عندما تتعلق الأمانة بشخص معنوي كتبركه ...
قالت السيدة الأولى : أو حكومة . قالت السيدة الثانية : أو بالجمرك . حضرنا من أوروبا آخر مرة انا وزوجي . وجئنا من الخارج ببعض الملابس والتحف ، وهي بالطبع جديدة ، وقد حقت عليها الضريبة ، فلم يكن من زوجي إلا ان يعثرها ، واخرجها من مظهر الجيدة ، وليس بعضها ، كل هذا تفاديا من ضريبة لم تبلغ إلا جنيهات غير كثيرة . وزوجي مع هذا جواد يجود بالكثير . ولكن لعله " الجمرك " فحسب ، فبين " الجمرك " و( المسافر) خصومة في الدم قديمة
قال صاحبي : وانت يا سيدتي ، ألم تلبسي الجديد عند دخول الجمرك .
قالت السيدة وهي تبتسم : أي والله ، ودخلت بهذا الفرط الماسئ ، وقد دفعنا فيه في بلجيكا ثلاثمائة جنيه... ولم نعد هذا نقصا في أمانة ، بعد أن رأينا فيما حولنا في الجمرك ما رأينا .
قلت : علي أن هناك من المواقف ما لا يمكن للمرء فيها إلا أن يكون أمينا ، حتى صاحبى هذا .
قال صاحبي متحديا : مثال ذلك يا عزيزي ؟
قلت : هب انك دخلت مخازن شيكوربل ، واشتريت ما اشتريت ، ثم دفعت الثمن ، وانتظرت الباقي ، فأعطته إياك الصرافة ، واعطتك فيه نصف جنيه فوق ما استحققت ، فهل ترد هذا الزائد ؟
قال صاحبي : أما هذه فنعم ، لاسيما إذا شفع لها جمالها . قلت : وإن لم يشفع . قال : وإن لم يشفع
وهنا كان اقترب منا رجل من رجال الأعمال ، صديق ، فلما اطلع على ما نحن فيه ، رأت صاحبتنا الاولي أن تجر رجله فابتدرته .
السيدة : وانت ياسعادة البك ، نريد أن نمتحن مقدار الأمانة عندك ، فهل لك في جواب سؤال .
رجل الأعمال : نعم ، ورفقا ؟ السيدة : قالت الجريدة بالأمس أنك تبرعت المبرة بمائة
جنيه . فهب أن المبرة أرسلت لك رجلا يحمل صندوقا مغلقا لتضع في فتحته ما تشاء دون ان يراك او يراه احد ، فكم كنت تدفع ؟
رجل الأعمال : والله هذا سؤال لم يخطر علي بالي أبدا، وهو يحتاج إلي تفكير
صاحبي : وسؤال ثان يملأ الفراغ ما بين السؤال الأول وجوابه . إذا جاءك بحكم منصبك الذي تشغله من شركتك خبر تستطيع أن تستغله لخير نفسك ، دون إضرار بشركتك ، فهل تفعل ؟ أجب سريعا ، وأصدق
رجل الأعمال : أعوذ بالله من الشياطين . أنتم زمرة خطرة
ودعته زوجته من أقصى الدار للرواح ، فتنفس الصعداء وتنفسنا.
