أهم ما يعنينا من الفنان أن تكون له في آخره شخصية ظاهرة قوية ، وأن تكون له نظرة أو حساسة اختص بها نشهدها معكوسة على صوره ، فإذا نحن نتعرف على أعماله بما عليها من طابع رسمه قبل ان نعرفها بتوقيع اسمه ، على أن يكون هذا التميز عمن سواه غير متكلف ، وإنما هو صادر فيه عن سليقة وطبع ، وليس له منه مندوحة تعبيرا عن نفسه وتصويرا امالة وما دام هذا الذي ذكرنا هو موضع العناية منا ، فليس يسعنا إلا أن نستفتح بالكلام عن الفنان " محمود بك سعيد " :
إن فن محمود سعيد مزاج عجيب من الحقيقة والحلم ، من حقيقة الحياة الواقعة التي حركها وحركته ، وحلم الطبيعة الملهمة الذي يغشاه ويتسلط عليه
ومن نافلة القول وإضاعة الوقت ، إيثار لوحة على أخرى من لوحاته . فإنها جميعا موصولة الرحم به ، راسخة العرق في النسبة إليه ، وفيها من ناجلها لمحة الأب في أنجاله . على أننا مع هذا نحب أن نبدأ بتحية (شيخ يصلي) فهذا الشيخ المضمور الجسد ، المرير القوي ، العصبى المزاج ، الساجد في المسجد إلي جانب سارية من تلك العمد المصطفة المتوازية ، مثال على شدة الإيمان في عصر مضطرب يسوده الشك . وهو في جلسته المتصلية قوي بالله ، متعصب لفكرته ، مستمسك بعروته ،تتزلزل الدنيا ولا تتزلزل عقيدته . هذا الإيمان لا يشبه تلك السبحات الروحية المستسلمة التي بطبعها الرسامون على وجوه القديسين والقديسات ، وإنما إيمان شيخنا إيمان
توكل وقوة . ولقد تمثلت في ظلال المسجد هدأة الانقطاع عن الدنيا والخلوة والعكوف . ثم هذه الخيوط من الأضواء التي تقاطع العمد وتكشف من المسجد من ضروب من المنظور ، هي ألطف مصاحبة لذلك الفيض النوراني الذي قاض رأسيا علي شيخنا المتعبد ، فإذا إيمانه الحار يحلو أروع مجليسة ، وأخيرا هاتان الراحتان على الركبتين تكفيان وحدهما للتعبير عن شخصية الراكع ونوع خشوعه القوي
واللوحة الثانية ، الهجرة هي أيضا من وحي هذه الأيام ، فثمة العالم يحترق ، والمدنية حطام ، وقد خرجت الانسانية عارية شاردة ، وامكنك تري الرجل متقدما في خطى ثابتة ، ولعله مكدود - ولكنه متجلد ، رافع الرأس ، قوي اليد . . وراءه المرأة تحمل طفلها وهي يجتابها الخصب وانوثتها الخالدة
وثالثة اللوحات " صيادون في رشيد " ، وهي أيضا آية في الانشاء والتأليف ، فثمة القوارب ، وصيادو السمك ، والفلاحات بقوامهن الناصب الشطاط ، والنخيل الباسقات الموفرات بعذوق البلح ، وهذا النيل لا تخطئ شخصيته ، وهذه طينة مصر لا سواها ، وجميع أولئك مؤقلقة في شمعنا الضاحية الساطعة . وفي هذه الصورة تجتمع خصائص محمود سعيد من إظهاره الاحجام دون التفاصيل ، واصطناعه فن التماثيل في التصوير ، وإفراطه أحيانا في تنفيذ العضل وتفخيمة ، ونفاذه إلي قرار كل طبيعة في استقامة وصرامة ، وشدة التقائه إلي الثياب وإبراز نقشها وإشعارك بنوعها ، فتحس دفء الصوف وصفائة البفتة الزرقاء وأعجب من ذلك أنك - مع غلبة الصلابة والقوة - تحس رقة الخمار من الشاش وشقوفه . كل هذا الجلال والجمال ، وكل هذه الحقيقة والخيال ، وكل هذه الحسية والروحية ، كل أولئك اجتمعت لمحمود سعيد كما رأينا . فلا غرة إذا اجتمع أهل الفن على أنه المفخرة وأي مفخرة للفن المصري الحديث
وندع الآن الفنان " محمود بك سعيد وننتقل إلي هذا الحفل من أشخاص الأستاذ ( محمد صبري ) وقد عاود نشاطه وراجعته حماسته الفنية . والاستاذ صبري من مجيدي الفنانين المعنيين برسم الأشخاص ، وخبرته بذلك طويلة . وصوره ترضي الحقيقة من جهة المشابهة لأصحابها ، وترضي الجمال من حيث أثرها الفني . والناظر إلي أشخاصه لا يخطئ ما لكل واحد من شخصية متميزة ، وصفة خلقية مستقلة ، ومع هذا فهي مشتركة فيما خلع عليها الفنان من طبيعته وطبيعة مثله العليا ، فتري علي صور الأستاذ صبري كلها طلاوة ، ورونقا مصقولا ، وجلوة مهذية الحواشي ، مهما تكن المعاني التي تؤديها هذه الصور . وتختلف الصور المعروضة بعضها عن بعض في طريقة المعالجة والصنعة ، كما تختلف أقدارها في النفس . وإذا
كنا أقل إعجابا بواحدة من لوحاته الزيتية لما نراه فيها من تكرار لجانبي الوجه ، ولوحة اخرى له بالأقلام الملونة على قدرته في هذه الناحية ، فاننا شديدو الإعجاب بأكثرها ، وعندنا أن عروسها جميعا " السيدة ذات العمامة " فهي مصورة من عجينة فنية مشبعة ، وتتألف من لمسات الريشة عليها سطوح وبقاع لطيفة التكوين . والصورة فوق هذا ساخنة البشرة ، رائعة النظرة ، متجاوبة الأصباغ ، متغنية الألوان
ويطيب لنا ونحن بسبيل الكلام عن تصوير الأشخاص أن ننوه بلوحة ممتازة للفنان " سند بسطا " وهي صورة (حرم خطاب بك) ، فأنها بإنسجام خطوطها وصفاء تلوينها وجوها الشفاف قد ضمنت التوفيق في إظهار الخصال الفكرية الروحية .
وعلي كره منا نودع هذه الحجرة العامرة ، لنمضي إلي الحجرة المقابلة ، فإذا نحن في ريف الدلتا ، لا لنمتع إحساسنا الحضري المترف بمناظر الحقول المترامية ، بحضرتها الزمردية وحصادها الأصفر الذهبى ، وشجراتها العاشقة الوادعة ، بل لنشترك في الحياة الريفية حيث الفلاح واغنامه وطينة الأرض مجموعة واحدة . وحيثما أرسلنا العارف علي جدر ان الحجرة الأربعة تطالعنا من ريشة الرسام الآستاذ " يوسف كامل " هذه المجموعات متعددة متنوعة ، وكلها مصرية صميمة - لا في مظهرها ولونها المحلى فحسب بل وفي جوها وروحها . والعجيب ان اشخاص الفلاحين صغارا وكبارا نساء ورجالا تتكرر جلستهم ولقمتهم في سائر الصور ، فهم هم برءوسهم المائلة وسيمائهم المفكرة . ولا يسع الناظر إلي لوحات الأستاذ يوسف كامل إلا أن يشهد لريشته بالسرعة الجارفة الخاطفة ولكننا نعجب إلي هذا لو تركزت لمساته هنا وهناك ، توكيدا للصفة الغالبة والمعنى المقترح ، حتى نجد في ريش ديكته كبرياءها ، وفي صوف نعاجه وداعتها ، وهو الذي وفق هذا التوفيق
في التعبير عن ثور بلادنا وجو ريفنا
والآن تجاوز الحجرة إلي أختها المجاورة . فإذا نحن لا نزال في الريف ، فالموضوع يشبه ان يكون واحدا في جملته ، ولكن الفن غير الفن . هذا فن الاستاذ حسين فوزى غانم . فإذا الفلاحات على وجوههن بساطة محببه وقد ظهرت براعة الفنان في خطوطه ، وفي هذه المساحات من الألوان المسطحة ، بوقعها اللطيف ونسقها الزخرفي ولسنا نكتمه أننا لم نجيب الألوان في مؤخرات صوره . كما أنه لم يجذب اهتمامنا إلي (صندوق الدنيا ) ولم يشعر الناظر إليه بفعله السحري . بيد أننا نحمد له كل الحمد مشاريعه في " بيع الرقيق " واكثر من ذلك رسومه بقلمه الكونتيه لاصحاب المهن الشعبية فأن خطوطه الفاطمية الحاسمة تستوقف النظر وتوجب الإعجاب .
ثم لنصعد الدرج معجلين إلي الطابق الثاني . هذه لوحات الأستاذ " محمد ناجي " بخضرتها الناضرة وصفرتها الفاقعة وزرقتها النيلية . وهي ثلاث تصاوير زيتية . وسطاها تمثل بحر باقوس ( مهد افروديت ) في الخرافات اليونانية ، وقد اصطنع فيها التأليف الوضعي القائم على تشاكل الأجزاء ، ففي مسرة الصورة الحسان الثلاث ، وفي طرفها الأيمن خدن الغاب الداعر المعروف ب " الساتير " متبطح يرقب ، وعلي الطرف الأيسر غانية منحنية تغتسل ، وفي مؤخرة الصورة حورية تركب محارة تقابلها حورية تركب محارة . وأما الصورة الثانية فتمثل قافلة من حمير الريف . ثم الثالثة وتمثل صياد السمك ، وهي التي تحبها لما للصياد من شخصية وما في وجهه من تعبير : ومن أجل هذا بعينه تحب كل الحب ما عرضه من رسوم تخطيطية لشتي وجوه أهل الصعيد ، فكل واحد منها مسلم على هذا النمط أو ذاك من أنماط الخلق الذين نلتقي بهم في الطريق
بقى أن نذكر من العارضين في هذا الطابق الفنان " صالح الشيني " ذلك الملون الجريء - وإن كنا نأخذ عليه هذه الحدود الحاسمة للأشكال في لوحاته ، والفنان " سعيد حامد الصدر " بلمساته القوية الجميلة ، وكثيرين غيرهما . كما بقي علينا ان نذكر في الطابق الأول الأساتذة أعضاء جماعة الدعاية الفنية وقد حفلت بهم قاعة المدخل ، والأستاذ أحمد أحمد يوسف بمناظره البديعة الأثرية ، والأساتذة : البناني ومنصور فرج وجابر وغيرهم من المصورين المبدعين والمثالين الممتازين . وقبل ذلك كان يجمل بنا نظم عقود الثناء لمدام بشتلي والسيدة رباب عبده وسائر المنظومة المتألقة من الفنانات العارضات . ولكننا نمسك القلم على الرغم منا لأن الحيز المسموح به الآن في الصحف يضيق عن الإفاضة . وإنما يزيد كلمتين ونحن بصدد الكلام عن الفنون الجميلة ، كلمة تحية للأستاذ محمد حسن
مراقب الفنون الجميلة في عهدها الحالي بوصفه أول مراقبيها من الفنانين النوابغ المصريين ، وكلمة الحمد للتوفيق الذي شاء أن نطمئن على مستقبل الثقافة والفنون عندنا ، فكان ان وضعت مقاليدها بين يدي الدكتور طه حسين مستشار المعارف الفني ، وهو أغني عن التعريف بسعة آفاقه وتعدد جوانبه
ونجعل مسك الختام ما يتحلي في كل أوان من رعاية صاحب الجلالة الملك المعظم للفنون وتشجيع اهلها ،تدعيما للنهضة واستكمالا لأسبابها ، واستئنافها للحضارة التي تعتبر مصر بحق مهدها .
