الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 181 الرجوع إلى "الثقافة"

فى حياتنا الفنية، معرض القاهرة سنة ١٩٤٢

Share

أهم ما يعنينا من الفنان أن تكون له في آخره شخصية ظاهرة قوية ، وأن تكون له نظرة أو حساسة اختص بها نشهدها معكوسة على صوره ، فإذا نحن نتعرف على أعماله بما عليها من طابع رسمه قبل ان نعرفها بتوقيع اسمه ، على أن يكون هذا التميز عمن سواه غير متكلف ، وإنما هو صادر فيه عن سليقة وطبع ، وليس له منه مندوحة تعبيرا عن نفسه وتصويرا امالة وما دام هذا الذي ذكرنا هو موضع العناية منا ، فليس يسعنا إلا أن نستفتح بالكلام عن الفنان " محمود بك سعيد " :

إن فن محمود سعيد مزاج عجيب من الحقيقة والحلم ، من حقيقة الحياة الواقعة التي حركها وحركته ، وحلم الطبيعة الملهمة الذي يغشاه ويتسلط عليه

ومن نافلة القول وإضاعة الوقت ، إيثار لوحة على أخرى من لوحاته . فإنها جميعا موصولة الرحم به ، راسخة العرق في النسبة إليه ، وفيها من ناجلها لمحة الأب في أنجاله . على أننا مع هذا نحب أن نبدأ بتحية (شيخ يصلي) فهذا الشيخ المضمور الجسد ، المرير القوي ، العصبى المزاج ، الساجد في المسجد إلي جانب سارية من تلك العمد المصطفة المتوازية ، مثال على شدة الإيمان في عصر مضطرب يسوده الشك . وهو في جلسته المتصلية قوي بالله ، متعصب لفكرته ، مستمسك بعروته ،تتزلزل الدنيا ولا تتزلزل عقيدته . هذا الإيمان لا يشبه تلك السبحات الروحية المستسلمة التي بطبعها الرسامون على وجوه القديسين والقديسات ، وإنما إيمان شيخنا إيمان

توكل وقوة . ولقد تمثلت في ظلال المسجد هدأة الانقطاع عن الدنيا والخلوة والعكوف . ثم هذه الخيوط من الأضواء التي تقاطع العمد وتكشف من المسجد من ضروب من المنظور ، هي ألطف مصاحبة لذلك الفيض النوراني الذي قاض رأسيا علي شيخنا المتعبد ، فإذا إيمانه الحار يحلو أروع مجليسة ، وأخيرا هاتان الراحتان على الركبتين تكفيان وحدهما للتعبير عن شخصية الراكع ونوع خشوعه القوي

واللوحة الثانية ، الهجرة هي أيضا من وحي هذه الأيام ، فثمة العالم يحترق ، والمدنية حطام ، وقد خرجت الانسانية عارية شاردة ، وامكنك تري الرجل متقدما في خطى ثابتة ، ولعله مكدود - ولكنه متجلد ، رافع الرأس ، قوي اليد . . وراءه المرأة تحمل طفلها وهي يجتابها الخصب وانوثتها الخالدة

وثالثة اللوحات " صيادون في رشيد " ، وهي أيضا آية في الانشاء والتأليف ، فثمة القوارب ، وصيادو السمك ، والفلاحات بقوامهن الناصب الشطاط ، والنخيل الباسقات الموفرات بعذوق البلح ، وهذا النيل لا تخطئ شخصيته ، وهذه طينة مصر لا سواها ، وجميع أولئك مؤقلقة في شمعنا الضاحية الساطعة . وفي هذه الصورة تجتمع خصائص محمود سعيد من إظهاره الاحجام دون التفاصيل ، واصطناعه فن التماثيل في التصوير ، وإفراطه أحيانا في تنفيذ العضل وتفخيمة ، ونفاذه إلي قرار كل طبيعة في استقامة وصرامة ، وشدة التقائه إلي الثياب وإبراز نقشها وإشعارك بنوعها ، فتحس دفء الصوف وصفائة البفتة الزرقاء وأعجب من ذلك أنك - مع غلبة الصلابة والقوة - تحس رقة الخمار من الشاش وشقوفه . كل هذا الجلال والجمال ، وكل هذه الحقيقة والخيال ، وكل هذه الحسية والروحية ، كل أولئك اجتمعت لمحمود سعيد كما رأينا . فلا غرة إذا اجتمع أهل الفن على أنه المفخرة وأي مفخرة للفن المصري الحديث

وندع الآن الفنان " محمود بك سعيد وننتقل إلي هذا الحفل من أشخاص الأستاذ ( محمد صبري ) وقد عاود نشاطه وراجعته حماسته الفنية . والاستاذ صبري من مجيدي الفنانين المعنيين برسم الأشخاص ، وخبرته بذلك طويلة . وصوره ترضي الحقيقة من جهة المشابهة لأصحابها ، وترضي الجمال من حيث أثرها الفني . والناظر إلي أشخاصه لا يخطئ ما لكل واحد من شخصية متميزة ، وصفة خلقية مستقلة ، ومع هذا فهي مشتركة فيما خلع عليها الفنان من طبيعته وطبيعة مثله العليا ، فتري علي صور الأستاذ صبري كلها طلاوة ، ورونقا مصقولا ، وجلوة مهذية الحواشي ، مهما تكن المعاني التي تؤديها هذه الصور . وتختلف الصور المعروضة بعضها عن بعض في طريقة المعالجة والصنعة ، كما تختلف أقدارها في النفس . وإذا

كنا أقل إعجابا بواحدة من لوحاته الزيتية لما نراه فيها من تكرار لجانبي الوجه ، ولوحة اخرى له بالأقلام الملونة على قدرته في هذه الناحية ، فاننا شديدو الإعجاب بأكثرها ، وعندنا أن عروسها جميعا " السيدة ذات العمامة " فهي مصورة من عجينة فنية مشبعة ، وتتألف من لمسات الريشة عليها سطوح وبقاع لطيفة التكوين . والصورة فوق هذا ساخنة البشرة ، رائعة النظرة ، متجاوبة الأصباغ ، متغنية الألوان

ويطيب لنا ونحن بسبيل الكلام عن تصوير الأشخاص أن ننوه بلوحة ممتازة للفنان " سند بسطا " وهي صورة (حرم خطاب بك) ، فأنها بإنسجام خطوطها وصفاء تلوينها وجوها الشفاف قد ضمنت التوفيق في إظهار الخصال الفكرية الروحية .

وعلي كره منا نودع هذه الحجرة العامرة ، لنمضي إلي الحجرة المقابلة ، فإذا نحن في ريف الدلتا ، لا لنمتع إحساسنا الحضري المترف بمناظر الحقول المترامية ، بحضرتها الزمردية وحصادها الأصفر الذهبى ، وشجراتها العاشقة الوادعة ، بل لنشترك في الحياة الريفية حيث الفلاح واغنامه وطينة الأرض مجموعة واحدة . وحيثما أرسلنا العارف علي جدر ان الحجرة الأربعة تطالعنا من ريشة الرسام الآستاذ " يوسف كامل " هذه المجموعات متعددة متنوعة ، وكلها مصرية صميمة - لا في مظهرها ولونها المحلى فحسب بل وفي جوها وروحها . والعجيب ان اشخاص الفلاحين صغارا وكبارا نساء ورجالا تتكرر جلستهم ولقمتهم في سائر الصور ، فهم هم برءوسهم المائلة وسيمائهم المفكرة . ولا يسع الناظر إلي لوحات الأستاذ يوسف كامل إلا أن يشهد لريشته بالسرعة الجارفة الخاطفة ولكننا نعجب إلي هذا لو تركزت لمساته هنا وهناك ، توكيدا للصفة الغالبة والمعنى المقترح ، حتى نجد في ريش ديكته كبرياءها ، وفي صوف نعاجه وداعتها ، وهو الذي وفق هذا التوفيق

في التعبير عن ثور بلادنا وجو ريفنا

والآن تجاوز الحجرة إلي أختها المجاورة . فإذا نحن لا نزال في الريف ، فالموضوع يشبه ان يكون واحدا في جملته ، ولكن الفن غير الفن . هذا فن الاستاذ حسين فوزى غانم . فإذا الفلاحات على وجوههن بساطة محببه وقد ظهرت براعة الفنان في خطوطه ، وفي هذه المساحات من الألوان المسطحة ، بوقعها اللطيف ونسقها الزخرفي ولسنا نكتمه أننا لم نجيب الألوان في مؤخرات صوره . كما أنه لم يجذب اهتمامنا إلي (صندوق الدنيا ) ولم يشعر الناظر إليه بفعله السحري . بيد أننا نحمد له كل الحمد مشاريعه في " بيع الرقيق " واكثر من ذلك رسومه بقلمه الكونتيه لاصحاب المهن الشعبية فأن خطوطه الفاطمية الحاسمة تستوقف النظر وتوجب الإعجاب .

ثم لنصعد الدرج معجلين إلي الطابق الثاني . هذه لوحات الأستاذ " محمد ناجي " بخضرتها الناضرة وصفرتها الفاقعة وزرقتها النيلية . وهي ثلاث تصاوير زيتية . وسطاها تمثل بحر باقوس ( مهد افروديت ) في الخرافات اليونانية ، وقد اصطنع فيها التأليف الوضعي القائم على تشاكل الأجزاء ، ففي مسرة الصورة الحسان الثلاث ، وفي طرفها الأيمن خدن الغاب الداعر المعروف ب " الساتير " متبطح يرقب ، وعلي الطرف الأيسر غانية منحنية تغتسل ، وفي مؤخرة الصورة حورية تركب محارة تقابلها حورية تركب محارة . وأما الصورة الثانية فتمثل قافلة من حمير الريف . ثم الثالثة وتمثل صياد السمك ، وهي التي تحبها لما للصياد من شخصية وما في وجهه من تعبير : ومن أجل هذا بعينه تحب كل الحب ما عرضه من رسوم تخطيطية لشتي وجوه أهل الصعيد ، فكل واحد منها مسلم على هذا النمط أو ذاك من أنماط الخلق الذين نلتقي بهم في الطريق

بقى أن نذكر من العارضين في هذا الطابق الفنان " صالح الشيني " ذلك الملون الجريء - وإن كنا نأخذ عليه هذه الحدود الحاسمة للأشكال في لوحاته ، والفنان " سعيد حامد الصدر " بلمساته القوية الجميلة ، وكثيرين غيرهما . كما بقي علينا ان نذكر في الطابق الأول الأساتذة أعضاء جماعة الدعاية الفنية وقد حفلت بهم قاعة المدخل ، والأستاذ أحمد أحمد يوسف بمناظره البديعة الأثرية ، والأساتذة : البناني ومنصور فرج وجابر وغيرهم من المصورين المبدعين والمثالين الممتازين . وقبل ذلك كان يجمل بنا نظم عقود الثناء لمدام بشتلي والسيدة رباب عبده وسائر المنظومة المتألقة من الفنانات العارضات . ولكننا نمسك القلم على الرغم منا لأن الحيز المسموح به الآن في الصحف يضيق عن الإفاضة . وإنما يزيد كلمتين ونحن بصدد الكلام عن الفنون الجميلة ، كلمة تحية للأستاذ محمد حسن

مراقب الفنون الجميلة في عهدها الحالي بوصفه أول مراقبيها من الفنانين النوابغ المصريين ، وكلمة الحمد للتوفيق الذي شاء أن نطمئن على مستقبل الثقافة والفنون عندنا ، فكان ان وضعت مقاليدها بين يدي الدكتور طه حسين مستشار المعارف الفني ، وهو أغني عن التعريف بسعة آفاقه وتعدد جوانبه

ونجعل مسك الختام ما يتحلي في كل أوان من رعاية صاحب الجلالة الملك المعظم للفنون وتشجيع اهلها ،تدعيما للنهضة واستكمالا لأسبابها ، واستئنافها للحضارة التي تعتبر مصر بحق مهدها .

اشترك في نشرتنا البريدية