الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 588الرجوع إلى "الثقافة"

فى دوائر الأدب والفن، فن الحياة - محاضرة عن إليوت - وصية بيتهوفن

Share

فن الحياة :

عرضت إحدي دور السينما فى القاهرة فلما يصور كفاح الإنسان ومساومته للقدر ، وتغلبه على مصاعب الحياة إذا أسعفته الإرادة القوية ، وأعانه الصبر الطويل . . وخلاصة هذا الفلم أن شابا أمريكيا ريفيا فى طبعه كثير من السذاجة التى تقرب من البلاهة ، يهوى لعبة من لعب الرياضة وهى البيسبول ، ويجاهد فى أن يبلغ فى إتقانها والبراعة فيها مبلغا يجعل منه لاعبا ذائع الصيت . . وتتحقق للشاب أمنيته ، ويصبح بعد العمل الدائب والمران الطويل بطلا من أبطال تلك اللعبة . . وفى فرصة الحلم ، ونشوة النصر ، وذيوع الاسم ، وإقبال الحظ يشاء القدر أن تصاب ساق الشاب برصاصة طائشة ، وبفقد تحت وطأة تلك الإصابة ساقه ، وهى أعز ما لديه . . ولم تنته قصة الشاب هذه النهاية ، ولا استولى على سماء حياته الهم . ولا عاش فى كهف مظلم من التشاؤم والقنوع بهذا النصيب الأعوج . . بل هو يكافح فى ساق صناعية وحاول أن يعيد حياته وآماله على أساس جديد . . كأن لم يقع الحادث المؤلم ولم يصبه القدر العشوم ؛ ويتمرن الشاب على اللعب بساقه الجديدة ويبذل الجهد الجهيد ، ويتذرع بالعزيمة الصلبة حتى يبلغ مراده ، فإذا مجده الغابر ييزغ من أفق جهاده المضنى متألقا رفيع الجانب .

ليت شعرى لو وقع هذا الحادث لشاب شرقى فماذا كان يصنع ١١ .

وهل هناك غير القنوع بالقدور ، والرضى بما هو واقع ، وقضاء بقية العمر لانتظار الساعة التى يسدل فيها السنار على المأساة !

الحق أن الشرق ينقصه ما يسمى بفن الحياة  ينقصه ذلك التمرد الذى يصنع المعجزات ، ينقصه ذلك الروح الذى لا يقنع بما هو واقع كأنه ضربة لازب ، ولا يألف الجو الذى تغمره سحب التشاؤم ، وتظلله ظلال قاتمة من اليأس المرير .

والرجوع إلى منطق الحياة خليق بإرجاعنا إلى سواء السبيل فالحياة تزدري الضعيف وتحتقر المتخاذل المنطوى القانع بالنصيب القليل . . والأمم التى تقدس هذا المنطق . وتؤمن بهذه الشريعة هى الأمم التى يصفقق لها المجد ، ويسطر تاريخها المجيد بحروف من نور .

محاضرة عن إليوت

ألقى مستر ألك كريج فى المعهد البريطانى محاضرة باللغة الانجليزية عن الشاعر الانجليزى المعاصر توماس ستيرن إليوت . . ولم تتناول المحاضرة كل شئ عن إليوت ، وبذلك أخبرنا المحاضر ، فهو لم يتحدث إلا عن إليوت الشاعر وطبيعة أدبه ، والاتجاهات التى تأثر بها . .

قال المحاضر : إن ( إليوت ) ليس شاعرا معروفا فى انجلترا ومقروءا فى اللغة الانجليزية فقط ، بل هو شاعر ذو شهرة عالمية ، وصاحب مذهب فى الأدب معروف .

ثم ذكر أن إليوت تأثر بمدرستين ، أولاهما : المدرسة الميتافيزيقية فى الشعر الانجليزى ، وعلى الأخص الشاعر الانجليزى ( جون دن ) . . وثانية المدرستين المدرسة الرمزية الفرنسية ، وعلى وجه الخصوص الشاعر الرمزى  مالارميه ) صاحب الأجواء الغامضة ، والانطلاق فى التعبير والهيام وراء الآفاق البعيدة . . ولم يقتصر تأثر ( إليوت ) على هذا الحد ؛ فقد تأثر كذلك بدانتى فى ( الكوميدية الإلهية )

ونحن نجد مواقف بعينها فى الكوميديا الإلهبة والأرض المهجورة The wste landلإليوت ، ومن تلك للlواقف وصف إليوت بأنه التقى بروح تجمعت فيها أرواح أساتذته جميعها .

ووجه المحاضر اهتمامه إلى ثلاث نواح . الأولى : الاصطلاحات الخاصة بشعر إليوت ، فقال إن إليوت حاول أن يعبر عن أشياء غريبة تصدم أذواق الناس الذين لم يألفوا سماعها فى الشعر ، والناحية الثانية : المادة التى صاغ منها إليوت موضوعات شعره . . والناحية الثالثة : الصعوبة الظاهرة فى شعره ؛ فلاحظ أن الصعوبة لم تأت عن تكلف وربط ألفاظ بألفاظ لاستخراج صور غامضة ليس لها طعم ولا غاية ، كما يفعل بعض الشعراء الدين يهوون الغموض ويتكلفونه . . بل إن صعوبة إليهوت تفتح لك أبوابها عن معان رائعة حين تمعن النظر فيها والتطلع إليها بتفكير عميق .

وسمعنا بعد انتهاء ، المحاضرة شريطا مسجلا لصوت إليوت يلقى قطعة من ( الأرض المهجورة ) فكان صوتا عميقا فيه حرارة وعمق يلائم تلك الأجواء التى نقلنا إليها إليوت . وسأل أحد الحاضرين الأستاذ المحاضر : هل يحق لنا أن نقول إن إليوت تأثر بالشاعر الانجليزى ملتون . . فأجاب مستر كريج بالإيجاب .

وصية بيتهوفن:

احتفل العالم فى الأسبوع الماضى بذكرى للموسيقار الخالد الذكر لودفيج بيتهوفن . ومن سخرية الأقدار أن يصاب خالق الألحان الجميلة بالصم ويحال بينه وبين عالم الأصوات فيظل فى عزلة كئيبة . . ففى عام ١٧٩٨ وهو فى الثامة والعشرين من عمره شعر بألم فى أذنه تطور إلى صمم مؤلم . وشعر بيتهوفن حينذاك بالغربة والكآبة فى العالم الذى يرقص على ألحانه ، وأصابه القنوط ، وخيل إليه أنه على حافة الموت ، فكتب وصيته الخالدة مودعا فيها كل عواطفه نحو العالم :

" ما أشد تجنيكم على بامن تزعمون أننى حفود متشائم من الحياة ، كاره للبشرية ! إنكم لا تدركون علة ذلك

فقد ملكتني منذ طفولتى عاطفة الطيبة الرقيقة ، وهيأت نفسى لجلائل الأعمال - ولكن صدمتنى تلك العلة التى أخفيتها ستة أعوام ظانا أن تعلات الأطباء المغررين تشفينى منها ، حتى وضح الحق . وبان لى أن علتى ليس لها شفاء وكتب على وأنا فى رحيق العمر أن ألوذ بكهف العزلة المظلم على رغم حبى للمجتمع ومسراته ! وما أقسى هذه التجربة وأمضها فى قلبى ! . ولم أجد فى نفسى الشجاعة على مصارحة أصدقائى بعلتي ، لفقدان حاسة كانت مرهفة أقرب إلى الكمال . . كلا أيها الناس إننى لا استطيع ، فأستميحكم العذر حين أهرب من مجتمعكم إلى عزلة قاسية وحرم على أن اجتمع بكم ، وأتحدث إليكم وألاطفكم ، وأصح الاضطراب يستحوذ على وتعترينى الحبرة حين أحضر مجلسا خوفا من أن يقال : أصم . .

وكم تملكتنى الرغبة فى الاجتماع وإطلاق نفسى من إسارها ، ولكنى أشعر بالخيبة حين أرى رجلا بالقرب منى ينصت إلى إيقاع قبثار بعيد وأنا لا أسمع غناء الراعى وهو على مقربة منى ؛ لقد دفعتنى هذه المحنة إلى اليأس ودفعنى اليأس إلى الانتحار ؛ ولكن الفن . والفن ليس غير ، هو الذى قيدني . أواه ! . . من المستحيل أن أهجر الدنيا دون أكمل رسالتى التى اعتقد أننى مكلف بأدائها . . وهكذا أريد لهذا الجسد المرهف أن يعيش مرتقبا أقل تغيير لينقله من ضفاف السعادة إلى صحراء الشقاء . . إنهم ينصحوننى بالصبر ، وقد تذرعت به ، وآمل ألا يضيق ذرعى ، أو تخور عزيمتى حتى يحكم الله حكمه . . أليس من العسير أن يصبح الإنسان الفنان فيلسوفا وهو فى الثامنة والعشرين من عمره !

" بارب ؛ إنك عليم بذات صدرى ، عالم أننى أحب الناس وأرجو لهم الخير . . وانتم أيها الناس إذا قرأتم كلامى فتذكروا أنكم ظلمتمونى . . وإن عزاء وسلوانا لقلب الشقى أن يتحدى الطبيعة ويتغلب على عقباتها ليصبح فى موكب الممتازين من رجال الفن " .

ولم يشأ الله أن يورع بيتهوفن العالم إلا بعد ربع قرن من كتابته لوصيته في سنة ١٨٢٧ . .

اشترك في نشرتنا البريدية