الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 591الرجوع إلى "الثقافة"

فى دوائر الأدب والفن، مناظرة أدبية - السراب

Share

مناظرة أربية :

نظمت الأسرة الأدبية فى كلية الآداب مناظرة عنوانها ) يجب أن يستلهم الأدب العربى الحديث الأدب الغربى أكثر مما يستلهم الأدب العربى القديم ( ، وقد أيد هذا الرأى الدكتور محمد القصاص ، والأستاذان عبد الرحمن الخميس وغايث لطف الله ، والآنسة كلبوباترة خليل ، وعارضه الأسانذة : عمر الدسوقى . وحامد حفنى داود ، ومحمود مكى ، والآنسة بشرى جنينه .

وقد بدأت المناظرة بمقدمة للدكتور عبد اللطيف حمزة أشاد مجهود الأسرة الأدبية وعملها الموفق فى مضمار التعاون الأدبى ، ثم أعطيت الكلمة للآنسة المعارضة كليوباترة خليل فقالت : إن الأدب العربى وليد ظروف معينة ، وطبيعة معروفة ، وسمته بسمات من الخشونة والغلظة والجفاء ، وكان العرب لطبيعة بيئتهم ، وطابع حياتهم بدائيين فى الإحساس والتفكير ، ماديين فى النظر إلى الأشياء ، فى حين أن لنا عالمنا الخاص ، وبئتنا المميزة ، وشعورنا المختلف عن شعورهم ، وإحساسنا المقابل لإحساسهم . . فاستلهام الأدب العربى القديم مفسدة لنا ، وجناية على ذوقنا .

وتلتها الأنسة بشري جنينه وكانت خطيبة حقا ، وذات صوت موسيقى عذب ؛ فأشارت إلى أن دعاة الأدب الحديث يتهمونا بالرجعية والتقليد ، فى حين أن الأدب تعبير لفظى عن الجمال ، فهو مسألة شعورية خالصة لا يختلف جيلا عن جيل ، وأدبنا العربى القديم يعبر عن عواطف الإنسان ومشاعره ببساطة ويسر ، وقد عرف المدارس الأدبية التى تراها فى الأدب الغربى ، فكانت الرمزية ممثلة فى أدب الصوفية ، والرومانسية شائعة عند الشعراء الغزليين . . ثم إن مزاجنا

الأدبى لا يكون جيل من الأجيال ، بل هو وليد قرون كثيرة يتصل بعوامل الوراثة والبيئة ، فمن الجناية على مزاجنا أن نقطع سلسلته ، ونبتر حاضرنا من ماضينا . . ثم أشارت الآنسة الفاضلة إلى القرآن الكريم وصلته بالأدب العربى ، وتأثيره فى الأجيال الماضية ، وقالت : إن القرآن استمد صوره . وأساليبه من صور العرب وأساليبهم ، وليس هناك منكر لإعجاز القرآن وجاحد لبلاغته . فلماذا لا نؤمن بأدبنا العربى ولا نستلهمه !

وتكلم الأستاذ غايث المؤيد للرأى فقال : فيم الجدل والأدب العربى الحديث قد استلهم الأدب الغربى أكثر مما استلهم الأدب العربى القديم الذى أصبح لا يمثل ذوقنا ، ولا يعبر عن احساسنا . .

وخطب بعد ذلك الأستاذ محمد مكى خطبة منيرية جاحظية الأسلوب ، مفقعية التفكير ، ورى دعاة الأدب الحديد بالخروج على كل عرف ، والسخرية بكل نظام . . وقال : إن لأدينا جوهرا وطبيعة تناير طبيعة الأدب الغربى ، لان أدبنا وليد الشمس الشرقة ، والسماء الصافية ، فى حين أن الأدب الغربى يمثل الطبيعة الغربية الصاخبة القائمة .

وبعد ذلك تكلم الأستاذ عبد الرحمن الخميس فقال : إن عنوان المناظرة يجب أن يتبدل ؛ فالأدب لا يستلهم ادبا ، بل يستلهم الواقع ؛ والأجدر بنا أن نقول ) يجب أن تطعم الأدب العربى الحديث بالأدب الغربى ( . . ثم كلمة ) الأدب العربى ( كلمة فضفاضة ، فالواقع أن لكل بلد عربى آديه الخاص ؛ فقصر أدبها ؛ وللعراق أدبه ، ولسوريا والحجاز أدبهما . . ونحن يجب أن نؤمن بالبيئة التى تؤثر فى الأدب وتوجهه . . والتطور سنة الحياة ، والتطور الأدبى كما نعرفه من التاريخ كان نتيجة لالتقاء ثفاقتين ؛ فالأدب

الرومان لم ينضج إلا بعد التقائه بالأدب اليونانى ، والأدب العربى لم يرتفع إلا حين امتزج بثقافة الفرس واليونان . . والأدب العربى الحديث محتاج إلى أن يلتقى بثقافات أخرى ، ويتتأثر بآداب الأمم الحية لكى يبلغ مبلغا رفيعا من الكمال والجودة .

ثم قال : يجدر بنا أن نطعم الأدب العربى بالأسلوب الغربى ، فاستعمال الأسلوب العربى القديم للتعبير عن مشاعرنا عقيم غير واف بمقصودنا ، ولا ملائم لبيئتنا ومزاجنا . وتلاه الأستاذ المعارض حامد حفنى دواد ، فدار حول محور الحماسة فى خطبته ، وارتفعت بداء وصوته أكثر من ) اللزوم ( ثم قال : عندنا فى الأدب العربى أحسن من أدب ) تولوستى ( وشعر ) زورث ( ، محطما رأس ) تولستوى ( مكسرا ضلع ) وردزورث ( !

ثم عاب الدكتور محمد القصاص بخطبة منبرية الذين ألقوا خطبا منبرية ، ثم قال : إن مفهوم الأدب فى الغرب أكثر صدقا وأقرب إلى الحقيقة من مفهوم العرب له ، فالأدب عندهم أدب حياة ورسالة ، لا أدب شعوذة لفظية أو عقلية . . وما لنا نبتعد عن الواقع ونحن مطالبون بأن نحيا فى عالمنا الحاضر ، ونلم بثقافة أهله ، ونخاطبهم بلغتهم وأسلوبهم .

وختم المناظرة الأستاذ عمر دسوقى قائلا بحماسة قائقة : إن إخوانا يقولون إن العرب أمة بدائية ، فليتنا كنا مثلهم ) ١١١ ( والغرب اليوم فى ماديته الجشعة ، واضطرابه فى أمور الحياة أكثر بدائية ! ١١١، وعلى ذلك فادبهم ادب انحلال وتفسخ وأنا أرربأ بالشباب العربى أن ينزل إلى هذه الدركة ) هات واحد منه ( وينحط فى خلقه وأدبه هذا الأنحطاط .

وانتهت المناظرة بعد خطبة تشابكت فيها ألفاظ قس ابن ساعدة ، وتضاربت تعابير الجاحظ ! وبعد . قلى رأى فى مثل هذه المناظرة ، وهو أنها عنت ونزجية وقت . . وإلا فكيف يبتلهم الأدب العربى الحديث الأدب العربى القديم أو الأدب الغربى ؟ أيستلهم أسلوبه ، أم يستلهم أفكاره ، ومشاعره ؟ أم يستلهم نظرته للحياة وذوقه الخاص ؟ ! لا هذا ولا ذلك ؛ فالأدب العربى يجب أن يستلهم الواقع ، ويعيش فى حاضره فلكل عصر أدبه الخاص

وموضوعه المحدد . . يخيل إلى أن الإخوان لا يفرقون بين قراءة الأدب وتذوقه وبين إنشائه وخلقه . . فنحن لا نفرق حين تقرأ ونستتمتع بين أدب عربى وأدب غربى إلا فى مقدار الجودة ، ومبلغ الإجادة . . أما حين نشئ ففى الحقيقة أننا كما قال الأستاذ الخميسي نستلهم الواقع ، ونعبر عن بيئنا ومشاعرنا بأسلوبنا الخاص ، فالواجب أن يكون لنا أسلوب عصرى تحتمه ظروفنا وحاجتنا إلى الإبانة ، لا هو غربى ولا عربى قديم . . وواقعنا غير واقع أجدادنا ، ومن الواقع نستمد أفكارنا ، وتكون آراءنا وتتبلور عواطفنا . . فمن الجناية أن نستلهم أدبأ من الآداب السالفة !

السراب :

من الظواهر الأدبية فى أدبنا المعاصر أن القصة القصيرة تكاد تكون أكثر فنون الأدب شيوعا ، وأوسعها انتشارا . . فقد كثر المقبلون عليها . والمطالعون لها . وجاءت الصحف السيارة تشجع الكتاب على إنشائها ، وتساعدهم على ذيوعها . . وليس هذا الأمر الممنهج ؟ فقد شاءت الظروف القاسية التى مرت على الأدب العربى إيان الحرب العالمية الثانية وبعدها أن يروج لون من الأقاصيص يتصل بالحب والخيانات والفضائح وما أشبهها ، وأن تظهر إلى الوجود مجلات نرى الصورة أحق من القصة ، وأولاها بالمكان ، فأخضعت القصة للحيز ،وتخلق القراء ، ولكسب مرضاتهم . . ونجم عن ذلك أن القصة المصرية ابتعدت كثيرا عن الواقع ، وعاشت فى ضباب من الأوهام ، وأصبح عنصر المغالاة - قصد التشويق - العنصر الرئيس عند كثير من منتجى القصة ، لا يكادون يتنازلون عنه إلى عنصر ثان من العناصر الفنية الأخرى !

أما القصة الطويلة فكادت تهمل لأنها مشقة ، وجهد ضائع ، وفيها عناء كثير ، وهى بعد ذلك تحتاج إلى استيعاب للمواقع ، ومقدرة على الامتزاج التصوير ، وصبر على التتبع والمراقبة ، وما إلى ذلك من الصفات النادرة في عصرنا هذا 11 . فبقاء قصص ماهر يخلص لمبدئه ويحرص على فنه ، ويمضى فى طريقه التى رسمها له أمر غريب بالغ الغرابة . . والأستاذ نجيب محفوظ يمثل هذه الغرابة ؛ فقد سار على طريقة واقعية فنية فى كتابة القصة الطويلة ، ولم تستطع تلك

الأنوار الباهرة فى الصحافة أن تخرجه من طريقته . وآخر إنتاج له هو قصته الطويلة الرائعة ) السراب ( .

والسراب قصة شاب فى بيئة مزعزعة الأركان ، وفى عائلة تركها عائلها إلى الخمر والعبث الطويل . . ففتح الشاب عينيه على منظر محزن . . والد سكير لا يعرف أولاده ، وأم مهجورة حائرة لا تستطيع تدبير أمورها . . فنشأ الشاب خجولا مفرطا فى الخجل ، مرهق الأعصاب ، مشلول القوة .

. . والقصة بعد ذلك تصوير لحياة ذلك الشاب الخجول ، وانجرافه مع تيار اللذة ومعاقرته للخمر وإدمانه شربها . . ثم عرض جميل رائع لتلك النفسية الهشة المصابة بالضعف الجنسى . . وهناك مواقف مسرفة فى الواقعية ، أمينة على الحقيقة ، صريحة فى إظهار كل شئ

والقصة لا أستطيع تلخيصها ، فذلك تحطيم للعمل الفنى ، ورسم صورة مشوهة له . ولكننى انفذ إلى بعض المآخذ فيها :

يعترف بطل القصة فى أولها بقوله : " إنى أعجب لما يدعون للقلم ، فالكتابة فن لم أعرفه لا بالهواية ولا بالهنة ، ويمكن القول بأنه فيما عدا الواجبات المدرسية على عهد صباى ، والأعمال المكتبية المتعلقة بوظيفتى ، فإننى لم أ كتب شيئا على الإطلاق " فهو يعترف بعجزه عن الكتابة والتعبير ؛ فما رأيك فى هذا الرجل الجاهل وهو يتفلسف فى الموت والحياة وغير ذلك من الأمور ؟ لا شك فى أن ذلك تعسف وخروج على نفسية الرجل . . وفى مواضع كثيرة من القصة ، يطالعنا تحليل نفسى موفق ، وإدراك صحيح للأمور .

وفلسفة اجتماعية . كل ذلك يجرى على لسان البطل الجاهل .

والحق أن الأستاذ نجيب محفوظ قد وفق توفيقا عظيما فى رسم ذلك الجو المضطرب ، وتصوير شخصيات القصة ؛ فأم الشاب صورت فى غاية من الإبداع ، فى حين أن زوجة الشاب لم تظهر فى القصة إلا باهتة اللون كأنها تعيش على الهامش . . مصابة بشئ من البرود العاطفى ، أو هكذا خيل إلى وأنا أقرأ القصة . . وإلا فما ظنك بأمرأة يعرفها الناس بأنها متزوجة ولكن زوجها لا يعاملها معاملة الأزواج ، وبعد ذلك لا تحس أن فى الأمر تعسفا عاطفيا ، وكينا مريرا . . بل هى باردة برود الدمية ؟ ! كنت أود أن يصور الأستاذ هذه النفسية بصراحة وانطلاق ، ويفصح شيئا عن بواعتها النفسية ، وهواجسها العاطفية .

وبقى مأخذ آخر . . وهو نهاية القصة ، فقد جاء باردا بوليسيا ، فى حين أن القارئ كان يتشوق إلى نهاية أكثر حرارة وصدقا ، وواقعية . . فتموت الزوجة فى حادثة إجهاض غامضة فيها كثير من الافتعال والبرود !

وثمة شئ آخر . . وهو نظرة المؤلف إلى الحياة ، تلك النظرة التى لا تتغير فى قصصه جميعها . . فالأسرة فى قصصه دائما فى انحلال ، والرابطة الزوجية رابطة ضعيفة لا تثبت على الواقع ، ولا تستمر أمدا طويلا . . بل هى رابطة مفككة فى أغلب الأحيان . ليت شعرى . . أيؤمن المؤلف بهذا الرأى ؟ !

اشترك في نشرتنا البريدية