الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 652الرجوع إلى "الثقافة"

فى دوائر الأدب والفن

Share

تقويم لشهر يونيه :

فى العدد رقم ٤٥ من مجلة " أنباء اليونيسكو " تقويم طريف لشهر يونيه ؛ فواضعه - الأستاذ جورج فرادير لم يتناول فيه بالبحث درجات الحرارة أو مدارات النجوم ، بل عرض موجزا وافيا لحياة وأعمال مجموعة من الأدباء والفنانين كانت وفاتهم فى هذا الشهر من شهور الصيف .

وأول هؤلاء هو الكاتب الشاعر الأنانى : جرهاردت هويتمان ، وهويتمان فى شبابه لم يكن ينزع نحو الأدب والكتابة ، بل كان يريد أن يكون مهندسا ، وكانت أغلب قراءته فى كتب علمية بحتة ، ولكنه عندما أصبح على حد تعبير النقاد " كاتبا عبقريا " اعتاد أن يقول إن دراساته الهندسية العلمية كانت خير معين له فى إنتاجه الأدبى ، سواء منه المسرحى أو القصصى والشعرى .

وقد عاب عليه الناس فى بداية حياته الأدبية أنه يأخذ أفكار مؤلفاته من كتاب مشهورين مثل يرون وإبسن وزولا وتولستوى . وهويتمان فى الحقيقة كان يستلهم فى كتاباته أحوال المجتمع الذى يحيط به ؛ فكان يدافع فى حرارة وإيمان عن حقوق العمال والفقراء ومسرحيته المشهورة dle weber أوضح مثل على هذا الأتجاه . ولكن المشكلات الاجتماعية لم تستحوذ وحدها على هذا الكاتب ؛ فقد عرض فى مؤلفاته لمسائل أخرى كثيرة أدبية وفلسفية ، وقد نال هويتمان جائزة نوبل عام ١٩١٢

وتفرغ بعد ذلك لكتابة القصة ، وألف ملحمة شعرية تاريخية ذات صيغة دينية قوية هى emmunuel quint  ثم وهب نفسه لعبادة الطبيعة بجمالها الساحر ولبيان مفاتنها الخلابة ، وكان أدبه فى الأعوام الأخيرة من حياته تعبيرا صادقا عن حب الحياة وجمال الشباب وخلود قوى الطبيعة ، وقد مات فى الحادى عشر من يونيه سنة

أما ج . ك كيسترتون ، فقد توفى فى الرابع عشر من يونيه سنة ١٩٣٦ . وقد كان خلال حياته الحافلة العدو الأكبر للركود العقلى والتواكل والغرور ، كما كان يقف فى صف المعارضين للتيارات المادية التى تخلط بين التقدم الصناعى الالى والتقدم الإنساني المعنوى . وقد كرس حياته إلى جانب ذلك لمحاربة النزعات الأنانية الجارفة فى المجتمع وروح الكسل والأثرة . وقد كان شاعرأ عظيما إلى جانب كونه مصلحا اجتماعيا . وله أبحاث كثيرة فى الأدب كما له قصص بوليسية متعددة . وكان يحب فى كتاباته الإغراب ، ويعرض أفكارا تبدو لأول وهلة متناقضة ، ولكنه كان يدعو لمبادئ محددة واضحة ؛ فهو فى ميدان السياسة يريد الاشتراكية ، وفى ميدان الدين يريد الكاثوليكية

وفى السابع عشر من يونيه سنة ١٩٣٦ أيضا مات الكاتب الروسى المعروف مكسيم جوركى وجوركى لقب اتخذه الكاتب عند ما بدأ يكتب واسمه الأصلى الليكس مكسيمو فينش بيشكوف . وقد مارس صاحب هذا الاسم فى صباه حياة التشرد والمغامرة . فقد كان يتيما مجبرا على أن يعول نفسه وهو فى سن التاسعة وقد عاش زهاء ١٥ سنة مع الشحاذين واللصوص والهاربين من وجه القانون على قارعة الطرق الطويلة الممتدة بين نجنى تو فجرد وتفليس . وفى هذه المدينة الأخيرة شاءت له الأقدار أن يصبح صحفيا ثم كاتبا قصصيا وسرعان ما ذاع صيته واشتهر فى روسيا ثم فى العالم أجمع ، وخلال كل مؤلفانه تظهر لنا فى وضوح عقيدته فى مستقبل الإنسانية وإيمانه بسمو الإنسان . ذلك الإيمان الذى يضفى على عمله الأدبى صيغة مميزة قوية . وكان تفكيره ثوريا ، وكان يعتبر نفسه نبيا من الأنبياء ، له رسالة رفيعة روحية فى هذا العالم الذى طغت عليه " طبيعة ثانية " هى الحضارة المادية . وهو يقول على لسان " إنسان " فى قصيدة رائعة له " سوف يأتى اليوم الذى يمتزج فيه عالم إحساسى وعواطفى بعالم تفكيرى الخالد فى نار محرقة

خالقة بين جوانحى تذيب كل ما هو مظلم وشرير فى أعماقى وعندئذ تكون نفسى على صورة الألهة التى خلقها فكرى

والرجل الأخير فى سجل هؤلاء الخالدين هو جان إجناس باديريسكى ، الذى توفى فى التاسع والعشرين من يونيه عام ١٩٤١ . وقد كان دون جدال أبرع ضارب على البيان عرفه العالم . . كان بولاندى النشأة . وكان يحب وطنه الشقى حبا عظيما خالصا : كان فنانا عظيما ، ولكنه كان بولانديا مخلصا قبل أن يكون ضارب بيان ؛ فكرس حياته وقته لخدمة وطنه الذى دارت به الدوائر وطمعت فيه الأمم الكبيرة فحاولت تمزيقه وتشتيت شمل أبنائه . وخلال الحرب العالمية الأولى تبرع بإيراد حفلاته الناجحة وبكل ثروته لمساعدة هيئة تحرير بولندا فى أمريكا ، ثم رجع إلى بلاده عندما تمكن من ذلك ، وانتخب رئيسا للحزب الوطنى هناك وخاض غمار الانتخابات ففاز برياسة الجمهورية البولاندية الفنية ؛ فأصبح الرجل الذى تعتمد عليه الأمة فى كفاحها المرير ، واستحق إخلاصه ونزاهته أن يسمى بأبى الأمة . ولكنه عندما أحس بأن رسالته الوطنية قد تمت ترفع بنفسه وبفنه عن أن يفنى حياته فى السياسة دون غاية ؟ فتنازل بمحض إرادته عن كرسى الرياسة ، وعاد إلى موسيقاه مرة اخرى وإلى جمهوره الحافل فى شتى عواصم أوربا .

فينيلون :

تستعد الأوساط الأدبية فى فرنسا للاحتفال بمرور ثلاثة قرون على مولد الأديب الفيلسوف فينيلون .

وفينيلون ولد سنة ١٦٥١ من أسرة شريفة بمقاطعة بريجور ، واشتغل بالدين ، وتدرج فى مناصب الكنيسة حتى عين سنة ١٦٩٥ أسقفا لمقاطعة كامبريه ، واختير عضوا بالاكاديمية الفرنسية وعهد إليه بتربية ولى عهد المملكة . ثم ثارت فى فرنسا بعض المناقشات الدينية حول مذهب " السلام الداخلى وأخرج فينيلون حول هذا الموضوع كتابه " شرح حكم القديسين " الذى اعتبرته كنيسة

روما خارجا عن تعاليم الدين الصحيح فنفى الرجل بسبب ذلك من بلاط المملكة، وعاش فى مقاطعته حيث مات عام ١٧١٥ .

وأشهر مؤلفات هذا الكاتب هى :

رسالة فى تربية الفتاة : وفيها يبسط آراءه فى هذا الموضوع الخطير ، موضوع تربية الفتاة . وفينيلون أول من عنى بدراسة تربية الفتاة دراسة جدية صحيحة . وعنده أن المبدأ الأول لهذه التربية هو أن تكون ملائمة لوظيفة المرأة فى الأسرة وفى المجتمع ، ثم أن تكون مساعدة لطبيعة المرأة فى تطوراتها وتغيراتها . وهو يؤمن بخيرية الطبيعة الإنسانية على عكس الكثيرين غيره من رجال الكنيسة فى هذا العصر

ورسالة إلي المجمع : ضمنها آراءه الأدبية ونظريته فى واجبات الاكاديمية الفرنسية " بمناسبة إتمامها القاموس الذى استغرقت فى صنعه سنين عديدة ، وهذه الرسالة تعد من أقوى دعائم النقد الأدبى ) وقد ترجمها الأستاذ عادل الغضبان فى مجلة الكتاب خلال السنة الماضية ( .

ثم قصة تلباك وفيها يروى مغامرات البطل الأسطورى تلباك الذى يجوب أقطار الأرض باحثا عن أبيه أو ليس بطل ملحمة هومير المشهورة ، وقد كتبها من أجل تلميذه ولى العهد ، وبث فيها دروسا فى الأخلاقى والدين والسياسة ليرشد ملك المستقبل إلى خير الطرق فى سياسة رعاياه وفى حل مشكلات الحكم .

وإن العمل الأدبى الذى تتمثل لنا فيه شخصية فينيلون أحسن تمثيل هو مجموعة رسائله الضخمة التى تتناول سائر الموضوعات المطروقة فى عصره ، كما تجلو لنا عن معظم نواحى عقليته ونفسيته المعقدة العبقرية

كان فينيلون عنيدا إلى حد التهور ، يقتصر لرأيه وإن كان خاطئا ، فلا يحاول فى سبيل الحق دائما ، وإنما فى سبيل فرض فكرته . وكان سياسيا داهية يعرف كيف ينتهز الفرص وكيف يميل مع الريح ثم يعتدل فيسيطر على الموقف بشخصيته

القوية . وكان معترا بنفسه إلى حد الغرور ، لا يقبل الهزيمة مهما كان خصمه قويا ، ويظل يختزن فى نفسه الغضب إلى أن تواتيه الفرصة فينفجر ، وكان بعد ذلك طموحا يهدف إلى السيطرة ، لا فى النطاق الفكرى فحسب ، بل أيضا فى الميدان السياسى ؛ كان يبغى من وراء تربيته لولى العهد الوصول إلى الوزارة

ولكنه بعد ذلك كان بفلسفته العملية فى التربية وبارائه المبتكرة فى الأدب ونزعته الثورية فى الدين نقطة تحول من التفكير الكلاسيكى القديم إلى التفكير الفلسفى الحديث ونبعا من منابع فلسفة القرن الثامن عشر . .

التاريخ بين القومية والعالمية :

ألقى الدكتور عبد الحميد البطريق فى دار رابطة خريجى معاهد التربية ، محاضرة قيمة عنوانها : التاريخ بين العالمية والقومية .

وقد مهد لحديثه بتحديد أنواع التاريخ : فهناك التاريخ من الناحية الموضوعية objective . والتاريخ من الناحية الذاتية subjective ودراسة التاريخ قد تكون مطلقة غير محدودة ، وفى هذه الحال تكون التاريخ العالمى universal ؟ وقد تكون محدودة بزمن أو مكان أو موضوع . وتاريخ شعب من الشعوب ، وهو تاريخ محدود بمكان ، يسمى التاريخ : القومى national وفى كل هذه الأحوال يهدف التاريخ من الوجهة التربوية إلى تقريب الماضى من أذهان التلاميذ ليفهموا به الحاضر وليكون هاديا يهتدون به إلى المستقبل .

ثم عرض الأستاذ المحاضر المشكلة الأساسية فى دراسة التاريخ القومى : وهى أن الطالب يدرسه فى كتب وجه مؤلفوها كل عنايتهم إلى محاباة الأبطال الوطنيين والتعصب ضد الشعوب الآخرى ، أو الانتقاص للتعدد من قدرها لإعلاء . شأن الوطن ولو على أنقاض تاريخ الأوطان الأخرى .

والدكتور عبد الحميد البطريق كان ممثل مصر فى الحلقة التى عقدتها منظمة اليونيسكو فى صيف العام الماضى فى مدينة بروكسيل حيث اجتمع مندوبو خمسين دولة لبحث أقوم السبل لتدريس التاريخ فى مراحل التعليم المختلفة فى نطاق

العلاقات الثقافية الدولية . ولإيجاد وسيلة للتعاون الدولى فى سبيل تسين كتب التاريخ المدرسية ، بحيث لا يكتب التاريخ : خدمة لسياسة دولة بذاتها ، بل يكتب خدمة للحقيقة والإنسانية كلها فى وحدتها على الزمان والمكان .

وترى هيئة اليونيسكو أن التاريخ كما تصوره الكتب المدرسية الحالية تزييف لحقيقة الوجود الإنسانى واستعداء للشعوب على الشعوب . ونرى أن تلك الأعمال الحربية التى تمجدها كتب التاريخ ليست سوى ثورات وقتية فى حياة الشعوب . ولا يبقى على الزمن إلا ما قدمت كل أمة من خير للحضارة وللإنسانية

وبحثت حلقة بروكسيل الدراسية فى إمكان التأثير على عقلية الشعوب بإصلاح مناهج الكتب الدراسية وبتصحيح الاخطاء الفاحشة التى يقع فيها المؤلفون عن سوء نية . ولكن اليونيسكو لا ترمى إلى الانتقاص من قيمة التاريخ القومى ، بل ترجو أن تخلق من النشئ الجديد مواطنين عالميين بحيث لا يتعارض ذلك مع وصفهم كمواطنين صالحين فى وطنهم الأصلى . فيصبح التاريخ بذلك وسيلة من وسائل نشر السلام وبث روح التفاهم بين الشعوب دون الحط من قيمة التاريخ القومى .

ثم اشار المحاضر إلى كتبنا المدرسية فى التاريخ ، وإلى طريقة تدريس التاريخ فى المدارس الثانوية والمرحلة الجامعية بمصر ؛ وبين النقص فيها من ناحية معالجة الشئون العالمية الحديثة والمعاصرة ؛ فهو يريد قبل كل شئ أن يدرس تاريخنا القومى ، فى ضوء الحضارة العالمية الحالية ، ليدرك الشباب اين بلادهم من هذا العالم الواسع ، فلا يعيشوا فى عصر الذرة على مجرد الفخر بأنهم سلالة الفراعنة ، أو نسل العرب الأمجاد .

وأخيرا لخص الأستاذ المحاضر فى ختام حديثه بعض المقترحات ، والتى أثيرت فى حلقة البحث فى بروكسيل ؛ وكلها تقريبا تدور حول اتخاذ دراسة التاريخ وسيلة نشر السلام العالمى ، ومحاولة التوفيق بين القومية والعالمية فى دراسة التاريخ ، وتحرى الحقيقة فى البحوث التاريخية المختلفة .

دائرة معارف :

منذ مائتى سنة ، وعلى وجه التحديد يوم أول يونيه سنة ١٧٥١ ، ظهر أول جزء من دائرة المعارف الفرنسية ، أو الأنسيكلوبيديا encyclopedie المشهورة . وتتابعت أجزاء هذا المؤلف الضخم بعد ذلك فى الظهور حتى بلغت ١٧ جزءا ، إلى جانب ١١ مجلدا من اللوحات والرسوم التوضيحية ؛ وإن كان القائمون بأمرها قد لاقوا الكثير من العنت والمشقة وواجهوا الكثير من الأعداء .

ولم تكن دائرة المعارف هذه فى أول أمرها سوى مشروع ترجمة قاموس إنجليزى للمؤلف إفرايم شامبيرز . ولكن سرعان ما توسع الناشرون فى هذا المشروع ، حتى أرادوا أن يجمعوا فى دائرة المعارف الجديدة سائر المعلومات التى توصل إليها الإنسان حتى ذلك العصر ، وأشرف على تنفيذ تلك الفكرة الضخمة الفيلسوف المعروف ديدروء ،

الذى كرس لها حياته . واشترك معه فى التحرير أغلب فلاسفة القرن الثامن عشر فى فرنسا ؟ فنحن نجد بين الموقعين على مختلف المقالات العلمية والأدبية والفنية رجالا أمثال : فولتير ومونتيسكيو وروسو ودالمير وكوندباك وهلفينيوس وهولباك . إلخ كما عاونه عدد كبير من العلماء والخبراء كل فى دائرة اختصاصه

لذلك خرج المؤلف الجديد سجلا حافلا بمعارف الإنسانية ، وتعبيرا صادقا عن روح العصر الذى أنتجه : روح التحرر من كل قيد غير قيود العقل والمنطق ، وروح الإيمان بالتقدم الإنسانى المطرد ؛ كما كان مدرسة جامعة لكل عالم أو فيلسوف فى العصور التى تلت ، يستفى منها بطريقة سهلة ميسرة ما يبتغى من معلومات ، ويتشبع فيها بتلك الفلسفة الحرة المبقية على الدراسة الصحيحة التى سميت فيما بعد بالفلسفة الانسيكلوبيدية

اشترك في نشرتنا البريدية